Share

164

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-18 20:22:15

بينما كانت "تفنوت" تعود إلى جناحها الخاص، كان شعورٌ بارد كأنه وخز إبر جليدية يتسرب إلى عظامها. لم يكن قلقاً عادياً، بل كان شعوراً بالانزعاج من "الكمال". توقفت عند إحدى المرايا البرونزية الكبيرة ونظرت إلى انعكاس صورتها، ثم همست لنفسها: "الكمالُ في الطبيعة البشرية مستحيل.. لا أحد يولد بكل هذا التوازن، ولا أحد يمتلك هذا الهدوء الذي يطغى على الفوضى المحيطة به". كانت تشعر بأن أناتيرا مثل تمثالٍ منحوتٍ بدقة متناهية، خاوٍ من العيوب التي تجعل البشر بشراً. هذا "الكمال" في ملامح الفتاة، في ردودها، في حركاتها، كان هو نفسه الفخ الذي يثير الريبة في قلب أمٍ خبرت دهاليز القصور.

بمجرد وصولها، استدعت الكاهن الأكبر "حور-محب"، الرجل الذي أفنى عمره في تتبع حركات النجوم وتحليل الطاقات الغامضة. جلست تفنوت على مقعدها المذهب، وقالت بصوت خافت لم يخلُ من الحدة:

"يا حور-محب، عيني لا تخطئ، لكن قلبي يرفض أن يصدق ما أراه. تلك الفتاة.. الشمالية.. ليست كما تبدو. هناك هدوء يحيط بها وكأنها تعيش في عالمٍ موازٍ لعالمنا. لا أريد تهمةً باطلة، ولا أريد ظلماً، لكنني أريدك أن تضعها تحت نظرك. أريد رقابةً لا تُشعرها بأنها مُراقبة. راقب حركاتها، كلماتها، حتى الطريقة التي تسير بها في المعبد. إذا كان هناك شيءٌ غير طبيعي، أريد أن أعرف. لا تتركها تغيب عن نظرك ولو للحظة.. أشعر أننا نستضيف عاصفةً تحت قناع وردة."

على الجانب الآخر من المعبد، في "قاعة المشورة" المليئة برائحة خشب الأرز والعطر الثقيل، كان الأمير "سى اوزير" يقف أمام والده "خع إم واست" وعمه الفرعون "مرنبتاح". كان الجو مشحوناً بجدية، لكن نظرات الفرعون التي تحمل دهاء السنين كانت تلمع بفضول لا يُخفى.

بدأ مرنبتاح الحديث بابتسامة غامضة، ثم نظر إلى خع إم واست وأشار له أن يبدأ. تقدم والده بخطوة وقال:

"يا سى اوزير، لقد مضت احتفالات الأوبت وانجلت غبارها. لقد راقبناك في الأيام الأخيرة، ورأينا كيف تتغير نظراتك حين تمر أناتيرا. لا تحاول أن تخفي عنّا ما تراه عيوننا. ما هو رأيك في هذه الفتاة.. بصفتك معلماً لها، وبصفتك أميراً يُؤتمن على سرّ الدولة؟"

ارتبك سى اوزير، وتراجع خطوة للخلف، ثم اتخذ وضعية الوقار، ورسم على وجهه ملامح الجدية التي تعلمها من دروس الكهنة. أجاب بصوت رخيم يحاكي رزانة أساتذته:

"يا مولاي الفرعون، ويا والدي الحكيم.. إن أناتيرا تعد من أنبه الطالبات اللواتي مررن على معبد بتاح. استيعابها للرموز الكونية وسرعة بديهتها في فك طلاسم البرديات تشير إلى عقلية حادة. إنها طالبةٌ مجتهدة، تلتزم بقواعد العلم، وتظهر تفوقاً في استيعاب التراث المصري. هي تلميذةٌ واعدة، ولها مستقبلٌ مشرق في سلك المعرفة إن استمرت على هذا النهج."

انفجر الفرعون مرنبتاح بضحكة عالية رنت في القاعة، وتبعه خع إم واست بابتسامة واسعة هزت كتفيه. التفت الملك إلى أخيه وقال: "أسمعت يا خع إم واست؟ إنه يعطينا تقريراً عن طالبة! سى اوزير، يا بني العزيز، نحن لا نسألك عن 'تلميذتك'، نحن نسألك عن 'امرأة' دخلت حياتك، وعن 'زوجة' قد تكون مستقبلاً بجانبك في هذا العرش. أعد صياغة إجابتك، ولكن هذه المرة بقلب الأمير، لا بلسان المعلم."

شعر سى اوزير بحرارة تصعد إلى وجهه حتى كادت أذناه تشتعلان. انكسر قناع المعلم الواثق، وبدا ارتباكه واضحاً في قبضته التي شدّ بها على ثوبه. صمت للحظات، ثم قال بصوت خفيض، صادق ومضطرب:

"مولاي.. إنني لا أنكر.. لا أنكر أن هناك شيئاً ما يشدني إليها، شيئاً يتجاوز حدود الدرس والمعرفة. إنه إحساسٌ غريب، يمزج بين الجاذبية والرهبة. ولكنني، يا مولاي، لستُ واثقاً من ماهيته بعد. هل هو عشقٌ صادق، أم هو انبهارٌ جسدي فرضته أجواء العيد والجمال؟ لا أريد أن أتخذ قراراً تقوده عواطفٌ لم أفهم أبعادها بعد. إنني في مرحلةِ استيعابٍ لما يجري في صدري، وحتى أفهم بوضوحٍ ما هو هذا الشيء، لن أتخذ أي خطوة قد تندم عليها المملكة، أو قد أندم عليها أنا."

نظر الفرعون مرنبتاح إلى أخيه نظرة ذات مغزى، ثم وضع يده على كتف ابن أخيه وقال بنبرة مليئة بالحنان الممزوج بالخبرة:

"الإجابة التي خرجت من قلبك الآن، أصدق من ألفِ درسٍ تعلمته في المعابد. خذ وقتك يا بني، فالحب الذي يسبق الفهم هو حبٌ خطر، أما الحب الذي يتبعه الفهم فهو أساس الملك."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status