تسجيل الدخولكان السكون يخيم على أروقة معبد الكرنك كصمت المقابر، بينما كان الكاهن الأكبر خايموآست يربض على ركبتيه أمام الطاولة الحجرية، وأصابعه المرتجفة تتشبث بجلد البردية السوداء المحرمة. لم تعد المسألة مجرد شكوك في امرأة ساحرة تسللت إلى العرش، بل أصبحت مواجهة مع خطر يتهدد وجود المملكة برمتها. مسح الكاهن الأكبر العرق البركان المترقرق على جبهته، وإلى جواره كانت تفنوت تقف كتمثال من الخوف والترقب، وعيناها معلقتان بالرموز الغائرة التي أضاءها نور مشعل ضئيل.
أعادت تفنوت قراءة السطور التي أشار إليها زوجها بإصبع مرتجف، فبدأت الكلمات الهيروغليفية تترجم في رأسها كصواعق متتالية:
"إن السلطة والولاء يمنحان الكيان الغريب نفوذاً وظلاً، لكن الاستحواذ المطلق على الوعاء البشري وطرد الروح الإنسانية لا يكتملان بالتعاويذ ولا بالكلمات، بل بلحظة الاتحاد الجسدي الكامل. في تلك اللحظة بالذات، حين تتجرد الأجساد وتصل الشحنة العاطفية والشهوة ذروتها في المضجع، تُفتح البوابة الأعمق للوعي؛ عندها فقط تستطيع أناتيرا أن تسحب روح الأمير وتلقي بها في ظلمات 'الدوات'، لتستقر هي داخل هيكله العظمي ودمه الملكي بغير رجعة."
شهقت تفنوت وضغطت بيدها على صدرها كأنها تحاول منع قلبها من الخروج، وهمست بصوت خنقته العبرات: "إنها لا تريد قلبه ولا عرشه.. إنها تريد جسده! تريد أن ترتدي ولدنا كغطاء ليراها الشعب فرعوناً، بينما روحه تتعفن في عالم الأموات!"
لم ينسحب خايموآست من ذهوله، بل أشار بسبابته إلى الجزء السفلي من اللفيفتين العتيقتين، حيث كان نقش الإله "ست" المحفور يدوياً يلمع بطلاء أحمر قرمزي. متابعة القراءة كانت تزيد الأمر هولاً وشناعة:
"فإذا تم الطقس الحميم واكتمل الاستحواذ، واعتلت المتمثلة جسد سليل الفراعنة، اختل ميزان 'المعاط' في أرض كمت وتهتك الحجاب الفاصل بين عالم الأحياء والظلمات. عندئذٍ، لن يقف حامي الأرض صامتاً؛ سيتجسد الإله 'ست' بنفسه، رب الفوضى والعواصف الهوجاء، في عالم الفناء. ولن يتورع عن سفك الدم والبطش، إذ سيشق الجسد المظلم بسيفه البرقي ليقضي على الكيان الغريب المتمثل داخل الأمير.. ولو كان الثمن هو تمزيق جسد سى اوزير وهلاكه الأبدي."
سقطت قطرة دموع حارقة من عين خايموآست على البردية. الخياران كلاهما موت؛ إما أن تسرق أناتيرا روح ولدهما ليصبح جثة متحركة تحكم مصر، أو أن يحضر رب العواصف ليمزق جسد الشاب إرباً أمام أعينهما ليغسل المدنس بالدماء.
في هذه اللحظات المصيرية، وعلى بعد ممرات قليلة داخل الجناح الملكي المغلق، كانت أناتيرا تجهز الساحة للقضاء على آخر ما يعيقها. كانت الغرفة مفعمة بأريج المر والزيوت العطرية الثقيلة، والأضواء الخافضة تتراقص على حرير الفراش الأرجواني. ارتدت رداءً شفافاً يكشف عن ثنايا جسدها المتقن الصنع، ورسمت على شفتيها ابتسامة تختزن مكر آلاف السنين.
دخل سى اوزير الجناح بخطوات متثاقلة أثقلها الشغف؛ كان قد تجرد من دروعه وحذره، وعيناه لا تريان في الوجود إلا هذا الكيان الساحر الذي وعده بالمجد والخلود. اقترب منها وجثا فوق الفراش الحريري، ويداه المرتجفتان تمتدان لتمسكا بخصرها الحار.
همست أناتيرا بنبرة داكنة، خفيضة، تسري كالسم الناعم في عروق الأمير: "تعال إليّ يا سى اوزير.. الليلة لا أسوار ولا أسرار بيننا. الليلة نتحد إلى الأبد، لنصير روحاً واحدة تحكم هذه الأرض وتخضع لها الملوك والآلهة."
اندفع سى اوزير ينقاد لندائها، وأغمض عينيه وهو يغرق في دفء أنفاسها، ظاناً أنه يلج أبواب العشق المطلق والحماية والولاء. وفي تلك اللحظة التي بدأت الأجساد تتلاقى فيها في ذروة الشغف والتعري، بدأت عين أناتيرا الفيروزية تحظى ببريق مظلم، واستعدت أطرافها لتطلق طاقتها السفلى المسحورة كي تطرد روح الأمير الشاب نحو هاوية الدوات، في الوقت الذي كان والداه يهرولان فيه عبر الممرات المظلمة نحو الجناح، والذعر يأكل قلوبهما من تجسد عاصفة "ست" التي باتت على مسافة أنفاس قليلة.
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم