مشاركة

187

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 16:55:13

غابت أضواء الليل وشحب بريق النجوم أمام امتداد الفجر الرمادي الذي بدأ يستولي على أفق طيبة. في الشرفة الفسيحة، كان سى اوزير يتنفس بنعومة، ورأسه يطأ وسادة حريرية بالقرب من أناتيرا، مأخوذاً بحالة من السكون التام والنشوة التي غمرت عقله وقلبه. كانت القبلة الأولى واللحظات المشحونة بالدفء والشغف التي تلتها كافية لتسليم كل حصونه النفسية. أصبح على يقين تام بأن هذه المرأة ليست فقط ملاذه وحبه الأبدي، بل هي شقيقته في الروح والقدر، ولا يمكن لأي قوى في كمت—سواء كانت سلطة والده الكاهن أو تحذيرات أمه—أن تنزعها من وجدانه.

تأمل سى اوزير وجه أناتيرا المسترخي بجواره، ومرر أصابعه بحذر شديد فوق خصلات شعرها الفاحم لكي لا يقلق نومها الظاهري. كان يتنفس أريجها اللطيف، ويشعر بأن الدماء الملكية التي تجري في عروقه قد اكتسبت حرارة جديدة ونبضاً مختلفاً، وكأن الطاقة الدفينة التي تنبعث منها قد تسللت إلى جسده وعقله، لتزيل كل رواسب الشك والتردد.

ابتسم الشاب بثقة لم يعهدها في نفسه من قبل، ووقف ببطء شديد، متلفعاً برداء الكتان الأبيض الفاخر. خطا نحو سور الشرفة، ونظر إلى اتساع نهر النيل الذي بدأ ينعكس عليه نور الصباح البرتقالي. شعر بأن ملك هذه الأرض وقدرها يرتكزان على كتفيه، وأنه مستعد لمواجهة المعبد بأكمله من أجل تثبيت مكانة أناتيرا بجواره.

لكن تحت هذه القشرة الرقيقة من السكون والجمال الإنساني، كانت أناتيرا مستيقظة تماماً في أعماق وعيها الأزي. لم تكن نائمة كما ظن الأمير الشاب، بل كانت تستشعر سريان الرابط العاطفي والروحي الذي استقر في كيانه. لقد امتصت عاطفته الشديدة وحرارة صباه، وتحول ذلك الحب الصادق إلى درع سحري متين يحيط بها؛ درع يمنع أي طقس أو تعويذة بشرية من إيذائها دون أن يتأثر سى اوزير بنفس المقدار.

في هذه الأثناء، في الممر المظلم المؤدي إلى قاعة القرابين الكبرى داخل معبد الكرنك، كان خايموآست يذرع الأرض بخطوات ثقيلة ومتقطعة. لم يذق الكاهن الأكبر طعم النوم في تلك الليلة؛ فقد قضى ساعاته يقلب صفحات البرديات القديمة ويتفحص ترتيبات طقس "فيضان النيل المبارك" المقرر إقامته بعد يومين. كان يدرك أن الوقت يمر بسرعة مرعبة، وأن كل لحظة يقضيها سى اوزير برفقة أناتيرا تزيد من صعوبة إنقاذه.

دخلت تفنوت إلى القاعة بخطى هادئة، يلتف حول جسدها ثوب أزرق داكن مطرز بخيوط الفضة، وعلى وجهها علامات الإرهاق والقلق الجارف. وقفت إلى جوار زوجها، وأسندت يدها على إحدى المسلات الحجرية الصغيرة، ثم قالت بصوت خفيض يحمل نبرة حادة: "لقد رأيت سى اوزير هذا الصباح يا خايموآست.. كان يمشي في حدائق القصر بوجه مختلف تماماً. عيناه لم تعودا تريان أحداً منا، وكانت ابتسامته تحمل غروراً لم أعهده فيه طوال حياته. لقد أطبقت شباكها عليه بالفعل، أليس كذلك؟"

توقف خايموآست عن المشي، ونظر إلى زوجته بجدية بالغة ووجه يكسوه الشحوب، ثم أجاب بصوت خفيض خنقته الحسرة: "نعم يا تفنوت.. الرابط قد اكتمل. أستطيع أن أشعر بها عبر هالة المعبد؛ لقد امتصت ثقته وعاطفته وصنعت منهما سياجاً يمنعنا من المساس بها. إن أي ضربة نصوبها إليها الآن ستمر عبر قلبه أولاً."

اتسعت عينا تفنوت رعباً، وشدت على قبضة يدها حتى أبيضت مفاصلها، وقالت بصوت مرتجف: "ماذا يعني هذا؟ هل يعني أننا خسرتُ ولدنا؟ هل سنقف ونشاهد هذه الكيان الغريب يحوله إلى أداة لدمار كمت؟"

أمسك خايموآست بمعصمها برفق ليطمئنها، ونظر في عينيها بعزم يمتزج بالمرارة: "لا يا تفنوت، لم نخسر بعد. لكن قواعد اللعبة قد تغيرت تماماً. لم يعد بإمكاننا محاربتها بالسحر المباشر ولا بالتعاويذ الكهنوتية، لأن قوتها أصبحت مجسدة في ولاء سى اوزير لها. سلاحنا الوحيد الآن هو طقس الفيضان.. سنستخدم طاقة المياه المقدسة لنسحب السحر تدريجياً، لعلنا نضع أناتيرا في موضع يضطرها إلى إظهار جانب من طبيعتها الحقيقية أمام عينيه. يجب أن يرى سى اوزير القناع وهو يسقط بيده، لا بلساننا."

تنهدت تفنوت بأسى وقالت: "وماذا إن لم يسقط القناع؟ ماذا إن كانت قوته أكبر من طاقة الطقس والمياه المقدسة؟"

رد خايموآست وهو يوجه نظره نحو التمثال الضخم للإله "ست" القابع في ظلال القاعة: "إن لم يسقط القناع بالماء المقدس، فسنترك قوة الفوضى تأخذ مجراها. حامي الدوات الذي أتاني في المنام لن يسمح لعرش كمت أن يسقط، حتى لو كان الثمن ألمنا جميعاً."

في تلك الأثناء، كانت أناتيرا قد نهضت من مضجعها ووقفت أمام مرآة برونزية مصقولة في مخدعها. كانت تتأمل صورتها البشرية الجميلة بابتسامة داهية، وتشعر باقتراب موعد الطقس الكبير. كانت تعلم تماماً ما يخططه الكاهن الأكبر، لكنها لم تكن خائفة؛ بل كانت تترقب تلك اللحظة بشغف، مستعدة لتحويل الاختبار المقدس إلى النصر الأكبر الذي يثبت أقدامها على عرش المملكة للأبد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status