مشاركة

190

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 16:55:30

في تلك اللحظة الحرجة التي تقاطعت فيها أنفاس الشغف مع بداية انتزاع الوعي البشري، انشق سقف الشرفة الرخامي بفرقعة هائلة إثر صاعقة رعدية حمراء كأنها عرقٌ ممتد من الجحيم، زمجرت في سماء طيبة التي كانت قبل ثوانٍ صافية وخالية تماماً من السحب. هبت عاصفة هوجاء محملة برمال بركانية داكنة ورياح صرصر عاتية، اندفعت عبر النوافذ المفتوحة والجدران المتهدمة فتكسرت الأواني الفخارية والتماثيل البرونزية وتناثرت في الأرجاء، بينما انطفأت المشاعل والقناديل دفعة واحدة لتغرق الغرفة الملكية في ظلام دامس، إلا من وميض قرمزي متوهج بدأ ينبعث ببطء من الفراغ الفاصل في منتصف القاعة.

تجمعت دوامات الرياح العاتية ودخان الهواء المشتعل لتشكلا ظلاً ضخماً ومخيفاً لكائن يتجسد مباشرة من هيولى القوة والفوضى المحض؛ ظلاً يتسامق في الفضاء برأسٍ يماثل هيئة حيوان الأفق المجهول، وعينين تتقدان بجمر الغضب الإلهي المدمر الذي لا يبقي ولا يذر. لقد استجابت الطاقة الكونية الشاملة لاختلال ميزان "المعاط" الخطير وتدنيس الوعاء الملكي، فتجسد الإله "ست"—رب العواصف، والبطش، وحامي النظام العظيم بالقوة القاسية—كي يمحو هذا الخلل الطارئ ويمزق الكيان المدنس الذي تجرأ على العرش.

انتفضت أناتيرا برعب أزلي خافق لم تختبره منذ قرون طويلة من وجودها؛ تراجعت بذعر للورا فوق حرير الفراش وهي تطلق صرخة حادة ومكتومة تحمل صفير الأفاعي المذعورة، فتوقفت تعويذتها السحرية وعملية سحب الروح في منتصفها. أما سى اوزير، فقد سقط جانباً على الوسائد الشاحبة وهو يتنفس بصعوبة بالغة ومتقطعة، مغشياً عليه بين حافة الحياة والموت، بعد أن شُلت روحه وجسده جزئياً في منطقة برزخية حائرة بين بوابات جسده المادية وبين جذب العالم السفلي المرعب.

في تلك اللحظة المصيرية الحاسمة، اقتحم خايموآست وتفنوت الباب الخشبي الثقيل للجناح الملكي بعد أن تحطم قفله وتحولت أجزاؤه إلى شظايا تحت تأثير الطاقة الإلهية المتفجرة. صرخت تفنوت صرخة لوعة وألم هزت أرجاء المكان حين رأت ابنها ملقى كالجثة الشاحبة بلا حراك، بينما كان الهيكل المظلم لتجسد الإله "ست" يرفع ذراعه الأثيرية الضخمة التي تحولت في الظلام إلى سيف ساطع من البرق القرمزي، متوجهاً بضربة قاضية ومباشرة نحو أناتيرا.. ضربة ساحقة لن تطرد الكيان الغريب المتمثل فحسب، بل ستشق وتدمر الجسد البشري الملقى في المضجع وتنهي حياة الأمير سى اوزير وسلالته إلى الأبد.

وقفت تفنوت بين جنون العاصفة وغضب الآلهة، تنظر إلى ابنها المغشي عليه وإلى السيف البرقي المرفوع في الهواء. كان يعلو وجهها شحوب الموت، لكن حب الأمومة المشتعل في صدرها منحها قوة متجاوزة للبشر، فاندفعت بجسدها محاولة إحاطة ولدها الشاحب لحمايته بقلبها. أما خايموآست فقد ألقى عصاه الكهنوتية جانباً، واندفع نحو المذبح الصغير في أقصى الغرفة، باسطاً يديه بالدعاء والمحرقات وهو يتلو تعويذة التهدئة الكبرى لآلهة البطش، محاولاً خلق حائل من الطاقة السحرية بين بطش الإله وغضب الكيان المتمثل.

في المقابل، لم تستسلم أناتيرا للرعب كاملاً، بل بدأت تجمع شتات طاقتها السوداء الخبيثة للاختباء خلف جسد سى اوزير الشاحب، متخذة من روحه وجسده الملكي درعاً أخيراً يمنع الإله "ست" من تمزيقها دون أن يمر سيفه القرمزي بقلب الأمير أولاً، ليصبح جسد الأمير هو الفدية والضحية في هذا الصراع المروع.

توقفت أزمنة القاعة في تلك اللحظة الفاصلة؛ العاصفة الرملية تدور في الشرفة بزمجرة مرعبة، والضوء القرمزي يصبغ الوجوه والحرير بلون الدم والواجب. ارتفعت الصيحات المتداخلة بين تعاويذ خايموآست اليائسة، وصرخات تفنوت اللائذة بالحماية والأمومة، وزمجرة الإله المظلم الذي لا يعرف الرحمة في سبيل حماية العرش وميزان الوجود، فيما ظل سى اوزير غارقاً في غيبوبته، معلقاً بين صراع الآلهة ولعنة الكيان القديم، في انتظار اللحظة التي ستحدد ما إذا كان سيف البرق سيهوي ليمزق الجميع، أم أن دماء الفرعنة ووفاء الوالدين سيجدان طريقاً آخر للنجاة وسط هذا السعير المشتعل.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status