Share

198

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-08-04 14:08:32

في عتمة الجفون المطبقة، لم تكن تظهر له أناتيرا ككيان شيطاني مفترس، بل كانت تعود إلى مخيلته بتلك الصورة التي استدرجته بها في البداية. تذكر ليلتهما الأولى في الحديقة الملحقة بالجناح الملكي، تحت ضوء القمر الفضي المستقر على مياه النيل. تذكر ملمس بشرتها الحريري، وريح مسكها الغريب الذي لم يكن يشبه أي عطار في مصر.

تراءى له مشهدها في تلك الليلة الصيفية، حين تجردت من رداءها الشفاف تحت نجوم السماء، وبدت كإلهة خرجت للتو من مياه الأزل، تفيض بالدلال والغواية التي شلت إرادته. تذكر طعم قبلتهما الأولى؛ كانت قبلة مشبعة بالشغف والوعود الوردية، قبلة جعلته يظن في تلك اللحظة أنه يمتلك الكون بأكمله بين يديه.

انقبضت الندبة فوق قلبه فجأة، وأطلقت نبضة حرارية خاطفة أحدثت لعة حارقة في صدره، وكأن الجرح يقرأ أفكاره ويعاقبه عليها.

شعر سى اوزير بضيق في تنفسه، وضغط بقبضته بقوة على السرير الحجري حتى أبيضت مفاصاله. بدأ يصارع تلك الصور الذهنية بشراسة، محاولاً أن يصب في عروقه كل ما يستطيعه من غضب وحقد وتلذذ بفكره الثأر. قال في سريرته وهو يكز على أسنانه: "لقد كانت خديعة.. كل لمسة، كل كلمة، كل نظرة دلال لم تكن سوى سم دُسّ لي في عسل الغواية! إنها مجرد حية استغلت ضعفي لتصل إلى العرش وتدمر ميزان ماعت!"

لكن، رغم هذا الصراع العنيف ورغم كل محاولات شحن فؤاده بالكره المقيت، كان يدرك بألم في داخله أن الذكرى لم تكن تكذب؛ فإن الشغف الذي عاشه كان حقيقياً بالنسبة له، وأثر تلك القبلة الأولى كان يترك طعماً مريراً من الحسرة والندم بين شفتيه.

لاحظت تفنوت التوتر المفاجئ الذي تسلل إلى تقاطيع وجه ابنها، ورأت قطرات العرق البارد التي بدأت تترقرق على جبينه مجدداً. انحنت عليه أكثر، ووضعت يدها الدافئة على جبهته، لتقطع حبل أفكاره المظلم بصوتها الرقيق ولكن المليء بالفطنة: "سى اوزير... مم تخاف يا بني؟ إنك تقاوم شيئاً في داخلك. لا تجعل روحك تتصارع مع الذكرى؛ فالخديعة حين تتجلبب برداء الحب تترك جرحاً يمزج بين الألم والندم. لكنك ابن العرش، ودماء رمسيس لا تنقاد للخداع مرتين."

فتح سى اوزير عينيه بسرعة، وتطلع في عيني أمه المليئتين بالحنان والذكاء، محاولاً إخفاء ارتباكه الداخلي. وقال بصوت خافت تملؤه البحة: "أنا لا أخاف يا أمي... بل أغلي من الداخل. أتساءل كيف سمحت لنفسي بأن أكون كالأعمى، كيف انقدت لامرأة كانت تتصنع كل حركة وكل كلمة لنسج هذا الفخ المظلم حول رقبتي."

رفع خع ام واست يديه عن رأس ابنه، واختتم الترتيل بنبرة جليلة، ثم أخذ قطعة من الكتان الأبيض ونشف بها أثر الزيوت على صدر الأمير، قريباً جداً من الندبة المظلمة. نظر الكاهن الأكبر إلى سى اوزير بعينين نافذتين كأنه يرى التلاطم الوجداني المستتر تحت صدره: "الغواية يا سى اوزير هي أعظم أسلحة الظلمة لأنها تلبس لبوس الجمال. الرغبة ليست خطيئة في حد ذاتها، لكن الخطأ هو أن تترك الرغبة تعمي البصيرة وتُسقط الحصون. الندبة التي على صدرك هي تذكير دائم بالفارق بين الشغف الزائف الذي يذبح الروح، والحب الحقيقي الذي يبني الحياة ويحمي ماعت."

ثم أضاف خع ام واست بنبرة أكثر حزماً: "الآن، يجب عليك أن ترتاح. طقوس الغسل الروحي الأولى قد انتهت، وجسدك يحتاج إلى الترميم قبل أن تبدأ تمارينك العسكرية في الفجر؛ فالفرعون ينتظر منك أن تكون قوياً وجاهزاً في الميدان والبلاط على حد سواء."

اعتدل سى اوزير في جلسته على طرف الفراش، وشعر بأن جسده أصبح أقل ثقلاً، غير أن صدره كان لا يزال ينبض بتلك الحرارة الخفيفة. التفت نحو أمه تفنوت وقال بصوت يحاول استعادة ثباته والسيطرة على مشاعره: "أمي.. أبتاه.. سأفعل كل ما يلزم لتطهير هذا العار. سأملأ قلبي بالحزم والصلابة، ولن تدنس أي أطياف خادعة عقلي بعد اليوم. سأكون الدرع الذي يحمي هذا العرش من كل شر."

ابتسمت تفنوت ابتسامة تشجيعية، وأومأت برأسها وقاراً، بينما بدأ الكهنة المساعدون في إخلاء المقصورة وتجهيز ترتيبات الحراسة الليلية حول المعبد. ومع ابتعاد خطواتهم وخفوت أصوات الترتيل، بقي سى اوزير جالساً بمفرده لبرهة، يتطلع إلى الضوء القرمزي الخافت المتناثر من القناديل، يمسك بيده موقع الندبة المشتعلة، محاولاً بقوة أن يدفن أطياف ذلك الليل القديم وقبلتها الأولى تحت ركام من الحقد والواجب الملكي المقيم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status