مشاركة

197

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-08-04 14:08:25

وفي تلك الأثناء، وفي الأثير العلوي الممتد فوق قمة مسلة الكرنك الشاهقة، كان تجسيد الإله "ست" يرقب المشهد بعينين حمراوين تشتعلان كجمر الصحراء الناري. كان رداؤه القرمزي الأثيري يتطاير مع عواصف الرياح الجافة القادمة من الغرب، وهو يمسك بقبضته الفولاذية على حربته النارية التي تشق السحاب.

زمجر "ست" بصوت خافت يشبه الرعد البعيد المحبوس في أفق الجنوب، محدثاً نفسه في علياء المعبد: "أناتيرا طُرِدت إلى الفراغ، لكن الفوضى كأفعى أبوفيس لا تموت بقطع ذيلها الأول... الظلمات تتجمع في الخفاء، والسحر الأسود يبحث عن أصغر ثغرة في ميزان ماعت ليحدث الانكسار. سأظل هنا، أقبض على حربة العاصفة وأحرس حدود كمت، ولن أسمح لأي كيان أزلي أو ساحر خبيث بأن يدنس أرض النيل طالما كان صدى صرخاتي يرعب الظلام!"

داخل المقصورة، عاد خع ام واست إلى المذبح الحجري ليتمم تحضير زيوت التطهير الملكية. مسك بإناء من الفخار المذهب وخلط مسحوق زهر اللوتس المجفف بقطرات نقية من المر المعتق ونقط من ماء النيل البكر الذي أُحضر في اللحظات الأولى للفجر. بدأ يتلو رقيات الحماية الكهنوتية بصوت مرتل وموزون هز أركان المقصورة، بينما كانت تفنوت تجلس بجوار ابنها، تمسك بيده وتسانده وهو يستعد لبدء الجلسة الأولى من طقوس التطهير العميق.

انحنت تفنوت ووسوست في أذن سى اوزير بصوت حنون يدخل السكينة إلى قلبه: "القلب الذي ينكسر يتحول إلى حصن من جرانيت إذا عُجن بالصبر والفطنة يا بني... احفظ أسرار ما رأيته في أحلامك لنفسك ولأبيك، واجعل من ألم هذه الندبة تذكيراً تائماً بأن طاقتك، وحبك، وولاءك هم ملك لمصر ولعرشك فقط."

أغمض سى اوزير عينيه واستسلم لتلاوة والده الدفيئة ولملمس يد أمه الحنونة. ومع ملامسة الزيوت المقدسة لجلده المكتوي بالندبة، تصاعد بخار أبيض ناصع أضاء أرجاء المقصورة بنور هادئ، طارداً أطياف الخوف والبرد. ومع تغمد الليل أطراف مدينة طيبة، وهدوء حركة الرياح حول الأسوار العالية، ظلت الأسئلة والشكوك تدور في أروقة القصر الملكي المظلمة؛ فما هي تلك القوة المظلمة التي سحبت أناتيرا في الفراغ؟ وما هي الأسرار والامتحانات التي تخبئها الأيام القادمة لأمير مصر وعرش أجداده؟

استقر البخار الأبيض المتصاعد من الزيوت المقدسة على جدران المقصورة، متساقطاً كقطرات ندى عطرية فوق أحجار الكرنك الداكنة. كان صوت ترتيل خع ام واست يتردد بنبرة خفيضة تمحو صداها جدران المعبد، بينما ظل سى اوزير مستلقياً على فراشه الحجري، عيناه مثبتتان على السقف المزين بالنجوم، وجسده مشدود كوتر قوس أوشك على الانقلاع.

انسحب الفرعون مرنبتاح بخطواته المهيبة برفقة حراسه ليتابع ترتيبات الأمن الملكي حول طيبة، تاركاً المقصورة في حالة من الصمت المهرجاني الممتزج برائحة اللبان والزيوت الملكية. لكن هذا الصمت الخارجي كان يداري عاصفة هوجاء تتصارع داخل صدر الأمير الشاب.

كان خع ام واست يواصل مسح كتفي ابنه بمزيج المر واللوتس، متمتماً بتعاويذ طرد الأطياف، بينما جلست تفنوت على طرف الفراش، تداعب خصلات شعر ابنها المبتلة بالعرق، وتنظر إليه بعينين يملؤهما الحذر والترقب.

تنفس سى اوزير ببطء شديد، محاولاً التركيز على صوت والده ونبرة أمه، لكن ذهنه كان يتسرب رغماً عنه إلى دهاليز الذكرى. على الرغم من مرارة الخيانة التي ذاقها، وعلى الرغم من الرعب الذي تملكه حين كادت أناتيرا تقتلع قلبه وتدنس عرش أجداده، إلا أن شيئاً خفياً وخبيثاً كان لا يزال يقبع في أعمق طبقات وعيه؛ جمرة صغيرة لم تطفئها مياه التطهير الكهنوتية بعد. شئ كان يؤنب نفسه

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status