مشاركة

202

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-08-05 15:52:39

رد خع ام واست وهو يفتح البردية بمهل: "الفرعون يريد منا الحكمة قبل السيف يا سى اوزير. لقد أقيمت مأدبة ملكية في القاعة العظمى مساء اليوم لاستقبال الرسل والمبعوثين، والفرعون يعينك رسمياً لحراسة الجناح الملكي والإشراف على البروتوكولات بجانب أُمك تفنوت. يريد من الأعداء وحلفائهم أن يروك واقفاً بشامخ قوتك، بكامل زينتك الملكية وسيفك، لتخرس كل الأفواه التي ظنت أن الأمير بات مسلوب الإرادة أو طريح السحر الأسود."

تنفس سى اوزير ببطء، وشعر بمسؤولية الموقف تقع على كاهله. التفت إلى أمه تفنوت التي ابتسمت بثقة وقار، وقالت: "هذا هو الميدان الحقيقي يا سى اوزير. المأدبة لن تكون مجرد طعام ونبيذ، بل ستكون ساحة شطرنج مليئة بالجواسيس، والابتسامات الخادعة، والنظرات المسمومة. سنقف معاً لنريهم كيف تصون سلالة رمسيس عرش كمت."

وضع سى اوزير يده فوق قلادة الإله "ست"، وشعر بسريان القوة الجافة والحارقة عبر أطرافه، فتخلص من بقايا الشتات والضعف، وقال بصوت حازم لا يرتجف: "سأكون هناك يا أبتاه.. سألبس تاج الشرف وسيفي على جنبي، ولن تجد في عينيّ سوى الصلابة والفطنة التي تليق بحامي العرش."

ومع اقتراب غصون الشمس من المغيب، وتبدل ألوان السماء فوق طيبة إلى درجات القرمزي والبرتقالي الساطع، بدأت التجهيزات الكبرى للمأدبة الملكية في القاعة العظمى،

غطت ألوان الغروب القرمزية والبرتقالية أفق مدينة طيبة العظمى، وانعكست صفيحة نارية على مياه النيل الممتدة أمام شرفات القصر الملكي. ومع تسلل الظلال الأولى للغسق، أُضيئت مشاعل النحاس الشاهقة في الساحات الخارجية والممرات المؤدية إلى القاعة الملكية العظمى، لتنبعث منها رائحة حطب الزيتون المعطر والخزامى، اختلطت بأصوات قيثارات البلاط وطبول الاحتفال التي أعلنت بدء استقبال الوفود الأجنبية وكبار نُبلاء الأقاليم.

في داخل الجناح الملكي، كان الأمير سى اوزير يقف أمام مرآة برونزية مصقولة، يرتدي رداء الاحتفالات الملكي المصنوع من الكتان الأبيض الناصع الموشى بخيوط الذهب، ويتقلد سيفه التكتيكي ذي المقبض العاجي المطعّم بالعقيق. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره بشامخ ثقلها، تلتقط أضواء المشاعل لترسل بريقاً نارياً خاطفاً يغطي بمهابة موقع الندبة المظلمة.

اقتربت أمه تفنوت منه، وكانت تتزين بحلي الملكات من الفيروز والذهب، وعيناها ترصدان كل ثنية في ردائه بحس أمومي يمتزج بفطنة الحاكم الصارم. تعدلت من القلادة النجمية المستقرة على صدره، ثم رفعت عينيها لتنظر في عينيه العسليتين بنبرة دافئة ولكنها قاطعة: "تذكر يا سى اوزير.. الليلة لا تحارب بالبرونز أو الشدة الظاهرة، بل بالابتسامة النافذة والنظرة التي لا تسبر غورها العيون. المأدبة مليئة بالأفاعي المتخفية في رداء الدبلوماسية؛ فكل مبعوث جاء يبتسم ويرفع كأس النبيذ، ينظر في الحقيقة إلى عينيك ليرى إن كان السحر الأسود قد ترك أثراً من الضعف أو الانكسار في روحك."

تنفس سى اوزير ببطء، محاولاً السيطرة على دقات قلبه المترددة. فعلى الرغم من مظهره الشامخ وقوة الجسد التي استعادها في الساحة، إلا أن الهدوء المخيم على المكان كان يعيد إلى مخيلته نبرة صوت أناتيرا الساحرة، وذكراها الشفافة التي استدرجته بها في ليالي الحميمية القديمة. لكنه سرعان ما كزّ على أسنانه، محولاً تلك اللمسة العاطفية المتبقية إلى شرارة حقد مقدسة، وقال بصوت حازم متزن: "لن يجدوا في عينيّ يا أمي سوى صلابة الجرانيت. لقد دفنت الشغف الخادع تحت ثقل هذه القلادة، وسأكون الدرع الذي يتحطم عليه كيد الجواسيس."

ابتسمت تفنوت بثقة، وأومأت برأسها وقاراً، ليتحرك الجناح الملكي بكامله بنظام صارم نحو القاعة العظمى.

كانت القاعة العظمى للبلاط الفرعوني قطعة من أساطير الشرق؛ أعمدتها الضخمة المكسوة بالذهب واللازورد تطال سقفاً مرسوماً بسماء الليل ونجومها الخالدة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status