تسجيل الدخولعلى جانبي القاعة، امتدت الموائد المكسوة بأغطية الكتان الفاخرة، والمحمّلة بأواني الفضة المترعة بنبيذ الفيوم الملكي، وأطباق الفواكه النادرة، واللحوم المشوية المعطرة بالأعشاب الصحراوية.
كان النبلاء، وقادة الجيش، ومبعوثو بلاد الشام وحلفاء البحر ورسل النوبة يجلسون في أماكنهم المخصصة، وتبدو على وجوههم علامات الانبهار الممزوجة بالترقب الجيو-سياسي.
عند أعلى منصة العرش، استقر الفرعون مرنبتاح بجلاله الملكي، يرتدي التاج المزدوج ومزر الحرب المذهب، ممسكاً بصولجان الحماية. وعن يمينه وقف الكاهن الأكبر خع ام واست برداء الكتان الأبيض وجلد النمر الكهنوتي، بينما أخذ سى اوزير موقعة القيادي على رأس حرس العرش، وتفنوت تتابع أجنحة الضيافة والجوارح بنظرات لا تغفل عن صغيرة أو كبيرة.
ضرب حاجب العرش بعصاه الأبنوسية على الأرضية الرخامية ثلاث ضربات مدوية، ليعم الصمت القاعة العظمى، ثم نادى بصوت جهوري: "عاش الفرعون مرنبتاح! حامي ماعت، وسيد الأرضين، ومخضع الأعداء!"
انحنى جميع الحاضرين بإجلال تام، ورفعت الكؤوس الملكية نخب سلام مصر وعرشها.
تقدم مبعوث حكام بلاد الشام، رجل ذو لحية مشدودة ورداء أرخبيلي مطرز بالفضة، وانحنى أمام المنصة الفرعونية، قائلًا بنبرة محبوكة بالدبلوماسية الخبيثة: "عاش الملك العظيم مرنبتاح. لقد حملنا إليك هدايا أقاليمنا وودّ حكامها... ولكن السبل كانت مضطربة في الطريق، وسرت شائعات بين التجار عن عواصف روحية وسحر غريب ألمّ بعاصمة العرش في الليالي الماضية. جئنا لنطمئن على سلامة مصر وأميرها الشاب."
التفتت الأنظار كلها نحو سى اوزير.
خطى الأمير الشاب خطوة متزنة إلى الأمام، وسحب يده ببطء ليستند بها على مقبض سيفه المذهب، مبرزاً قلادة الإله "ست" التي أطلقت بريقاً أحمراً دافئاً تحت أضواء المشاعل. نظر إلى المبعوث الشامي بعينين حادتين تفيضان بالهيبة والفطنة المقيتة، وقال بصوت حاسم تردد صداه بين أعمدة القاعة: "شائعات الأعداء كدخان الرياح الجافة يا مبعوث الشام؛ تتلاشى عند أول ملامسة لشمس طيبة. إن سلالة رمسيس لا تهزها العواصف، وسيف العرش لا يزال حاداً كعهده ليقطع يد كل من يتوهم الضعف في أرضنا."
ارتسمت الدهشة والحذر على وجه المبعوث الشامي، وانحنى مجدداً بسرعة محاولاً تدارك موقفه: "دام عز العرش والأمير الشاب... إن قوة كمت هي أمان لنا جميعاً."
صفق الفرعون مرنبتاح بيديه، وأشار لبدء الموسيقى والاحتفال، بينما تبادل تفنوت وخع ام واست نظرات الرضا والفخر بصلابة سى اوزير وموقفه الحازم.
وفي غضون انشغال الحاضرين في المأدبة والنبيذ، كانت تفنوت تطوف بنظراتها الفاحصة بين الجواري اللاتي يسكبن النبيذ في القاعة. لاحظت تفنوت حركة غير طبيعية لإحدى الجواري الجدد، والتي كانت تتردد بالقرب من مائدة قادة الجيش، وتنظر بطريقة مريبة نحو قلادة سى اوزير وسيفه.
تسحبت تفنوت بوقار وهدوء خلف الأعمدة الشاهقة، وأشارت لثلاثة من حراستها المقربين ليحيطوا بالجارية في الممر الخلفي المؤدي إلى مطابخ البلاط.
وعندما حاولت الجارية التسلل عبر الباب الخشبي، اعترضت تفنوت طريقها بقامة ملكية صارمة، وقالت بنبرة حادة كالنصل: "إلى أين تتسللين في وقت الاحتفال يا هذه؟ ومن أين أتيتِ بتلك التميمة الغريبة المخبأة تحت ردائك؟"
ارتبكت الجارية وسقطت منها قارورة زجاجية صغيرة تسببت في انبعاث رائحة غريبة تشبه رائحة البرد والأعشاب المحرمة، فتأكدت تفنوت أن الاختراق لا يزال يحاول النفاذ عبر الثغرات البشرية.
أمرت تفنوت الحرس فوراً بنقل الجارية إلى مقصورة التحقيق الكهنوتي تحت إشراف خع ام واست، دون إحداث أي جلبة في القاعة العظمى.
أما سى اوزير، فبينما كان يقف على المنصة الحارسة، شعر بنبضة حرارية خاطفة صدرت من قلادة "ست" فوق صدره، وكأن التميمة تحذره من خطر قريب أو سحر يحاول التسلل في الخفاء. التفت بعينين حادتين نحو الممرات المظلمة، مدركاً أن المأدبة ليست سوى الستار الظاهر لمعركة أكبر تدور رحاها في الظلمات بين الحق والباطل، وبين طقوس التطهير وأطياف السحر المحرم.
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم