Share

203

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-08-05 15:52:46

على جانبي القاعة، امتدت الموائد المكسوة بأغطية الكتان الفاخرة، والمحمّلة بأواني الفضة المترعة بنبيذ الفيوم الملكي، وأطباق الفواكه النادرة، واللحوم المشوية المعطرة بالأعشاب الصحراوية.

كان النبلاء، وقادة الجيش، ومبعوثو بلاد الشام وحلفاء البحر ورسل النوبة يجلسون في أماكنهم المخصصة، وتبدو على وجوههم علامات الانبهار الممزوجة بالترقب الجيو-سياسي.

عند أعلى منصة العرش، استقر الفرعون مرنبتاح بجلاله الملكي، يرتدي التاج المزدوج ومزر الحرب المذهب، ممسكاً بصولجان الحماية. وعن يمينه وقف الكاهن الأكبر خع ام واست برداء الكتان الأبيض وجلد النمر الكهنوتي، بينما أخذ سى اوزير موقعة القيادي على رأس حرس العرش، وتفنوت تتابع أجنحة الضيافة والجوارح بنظرات لا تغفل عن صغيرة أو كبيرة.

ضرب حاجب العرش بعصاه الأبنوسية على الأرضية الرخامية ثلاث ضربات مدوية، ليعم الصمت القاعة العظمى، ثم نادى بصوت جهوري: "عاش الفرعون مرنبتاح! حامي ماعت، وسيد الأرضين، ومخضع الأعداء!"

انحنى جميع الحاضرين بإجلال تام، ورفعت الكؤوس الملكية نخب سلام مصر وعرشها.

تقدم مبعوث حكام بلاد الشام، رجل ذو لحية مشدودة ورداء أرخبيلي مطرز بالفضة، وانحنى أمام المنصة الفرعونية، قائلًا بنبرة محبوكة بالدبلوماسية الخبيثة: "عاش الملك العظيم مرنبتاح. لقد حملنا إليك هدايا أقاليمنا وودّ حكامها... ولكن السبل كانت مضطربة في الطريق، وسرت شائعات بين التجار عن عواصف روحية وسحر غريب ألمّ بعاصمة العرش في الليالي الماضية. جئنا لنطمئن على سلامة مصر وأميرها الشاب."

التفتت الأنظار كلها نحو سى اوزير.

خطى الأمير الشاب خطوة متزنة إلى الأمام، وسحب يده ببطء ليستند بها على مقبض سيفه المذهب، مبرزاً قلادة الإله "ست" التي أطلقت بريقاً أحمراً دافئاً تحت أضواء المشاعل. نظر إلى المبعوث الشامي بعينين حادتين تفيضان بالهيبة والفطنة المقيتة، وقال بصوت حاسم تردد صداه بين أعمدة القاعة: "شائعات الأعداء كدخان الرياح الجافة يا مبعوث الشام؛ تتلاشى عند أول ملامسة لشمس طيبة. إن سلالة رمسيس لا تهزها العواصف، وسيف العرش لا يزال حاداً كعهده ليقطع يد كل من يتوهم الضعف في أرضنا."

ارتسمت الدهشة والحذر على وجه المبعوث الشامي، وانحنى مجدداً بسرعة محاولاً تدارك موقفه: "دام عز العرش والأمير الشاب... إن قوة كمت هي أمان لنا جميعاً."

صفق الفرعون مرنبتاح بيديه، وأشار لبدء الموسيقى والاحتفال، بينما تبادل تفنوت وخع ام واست نظرات الرضا والفخر بصلابة سى اوزير وموقفه الحازم.

وفي غضون انشغال الحاضرين في المأدبة والنبيذ، كانت تفنوت تطوف بنظراتها الفاحصة بين الجواري اللاتي يسكبن النبيذ في القاعة. لاحظت تفنوت حركة غير طبيعية لإحدى الجواري الجدد، والتي كانت تتردد بالقرب من مائدة قادة الجيش، وتنظر بطريقة مريبة نحو قلادة سى اوزير وسيفه.

تسحبت تفنوت بوقار وهدوء خلف الأعمدة الشاهقة، وأشارت لثلاثة من حراستها المقربين ليحيطوا بالجارية في الممر الخلفي المؤدي إلى مطابخ البلاط.

وعندما حاولت الجارية التسلل عبر الباب الخشبي، اعترضت تفنوت طريقها بقامة ملكية صارمة، وقالت بنبرة حادة كالنصل: "إلى أين تتسللين في وقت الاحتفال يا هذه؟ ومن أين أتيتِ بتلك التميمة الغريبة المخبأة تحت ردائك؟"

ارتبكت الجارية وسقطت منها قارورة زجاجية صغيرة تسببت في انبعاث رائحة غريبة تشبه رائحة البرد والأعشاب المحرمة، فتأكدت تفنوت أن الاختراق لا يزال يحاول النفاذ عبر الثغرات البشرية.

أمرت تفنوت الحرس فوراً بنقل الجارية إلى مقصورة التحقيق الكهنوتي تحت إشراف خع ام واست، دون إحداث أي جلبة في القاعة العظمى.

أما سى اوزير، فبينما كان يقف على المنصة الحارسة، شعر بنبضة حرارية خاطفة صدرت من قلادة "ست" فوق صدره، وكأن التميمة تحذره من خطر قريب أو سحر يحاول التسلل في الخفاء. التفت بعينين حادتين نحو الممرات المظلمة، مدركاً أن المأدبة ليست سوى الستار الظاهر لمعركة أكبر تدور رحاها في الظلمات بين الحق والباطل، وبين طقوس التطهير وأطياف السحر المحرم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status