مشاركة

206

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-08-07 19:17:10

انطلقت كتيبة الفرسان يتقدمها الأمير سى اوزير بخطى حازمة صوب الحدود الجنوبية لمدينة طيبة، حيث يتعانق شريط النيل الأخضر مع امتداد الصحراء القاسية. كانت حوافر الخيول تدق الأرض الرملية بإيقاع صارم يثير الغبار الذهبي تحت شمس الظهيرة الحارقة، بينما تعلو الرايات الملكية المذهبة مخفقة في الهواء الجاف.

كان سى اوزير يعتلي جواده الأسود الشامخ، يلتف برداء الحرب الكتاني المقسّى، وتقبع قلادة الإله "ست" فوق صدره بثقلها النجمي المهيب، محصنة قلبه من أي نبضات غادرة أو ذكريات متسللة. مع كل ميل تقطعه الكتيبة نحو الجنوب، كان يشعر بوهج القلادة يزداد قوة ودفئاً، وكأنها استشعار إلهي يقظ يرصد اضطراباً في النسيج الأثيري للمكان.

وصلت الكتيبة إلى منطقة النخيل الكثيفة المحيطة بالمرسى الجنوبي القديم، وهي منطقة مهجورة تُستخدم غالباً لتفريغ البضائع الاستثنائية. أشار سى اوزير بيده لفرسانه بالحديث والتوقف، وساد الصمت أرجاء المكان إلا من صرير الرياح بين أوراق النخل وصوت تلاطم مياه النيل مع الصخور الشاطئية.

استل سى اوزير سيفه العريض ببطء، ونظر بعينين حادتين نحو أحد المستودعات الحجرية القديمة المتآكلة عند طرف الشاطئ. كانت تخرج من ثقوبه خيوط دخان رمادي باهت ينبعث منه أريج كبريتي نفاذ يشبه رائحة البرد والأعشاب المحرمة التي كُشفت في المأدبة الملكية.

همس قائد الحراس المقرب منه بصوت خفيض:

"سمو الأمير.. المكان يفيض برائحة شؤم. هل نقتحم المستودع فوراً؟"

رد سى اوزير بنبرة حاسمة يملؤها الثبات والفطنة:

"احصروا المكان بالكامل، ولا تدعوا أحداً يفر عبر المجرى المائي. سأدخل بنفسي لمعرفة ما يُطبخ في خفاء طيبة."

تقدم سى اوزير بخطوات واثقة يرافقه نخب الفرسان، ودفع باب المستودع الخشبي المتهالك بسيفه. وفي الداخل، كانت الظلال تخيم على المكان رغم ضوء النهار الشديد في الخارج. وفي منتصف القاعة الحجرية، تقف حلقة من أربعة رجال يرتدون أردية رمادية داكنة، يلتفون حول مذبح صخري صغير رُسِم عليه خطوط سحرية باللون الأسود، ويتصاعد منه دخان مكثف يحاول تشكيل طيف غائم.

ما إن دخل سى اوزير حتى التفت المشعوذون بجلبتهم، وكانت أعينهم تنضح باللون الرمادي المطفأ ذاته الذي ظهر على الجارية في المأدبة. صاح أحدهم بصوت حاد ومزدوج:

"لقد جاء أمير كمت بنفسه! جاء بالقلادة التي تحميه، لكنه لا يعلم أن قطرات دمه على المذبح ستفتح الباب الكبير!"

لم ينتظر سى اوزير استكمال كلامهم؛ فقد صبّ كل حقد الأيام الماضية وصرامة الواجب الملكي في هجوم ناري خاطف. تقدم بسيفه متفادياً الشرارات المظلمة التي حاول أحدهم إطلاقها عبر تعويذة محرمة. وفي غضون لحظات، تلاحمت السيوف وسقط المتسللون واحداً تلو الآخر تحت ضربات الفرسان الحازمة، بينما استطاع سى اوزير شل حركة رئيسهم وجره إلى الأرض قبل أن ينهي حياته.

جثا سى اوزير فوق المشعوذ المتبقي، ووضع نصل سيفه على عنقه، متلمساً بيده الأخرى قلادة الإله "ست" التي أطلقت بريقاً أحمراً ساطعاً أضاء ظلمة المستودع وأبطل مفعول النقوش السحرية على المذبح.

قال سى اوزير بصوت صارم هز أرجاء المكان:

"افصح عما تفعلونه هنا أيها الخائن، وإلا جعلت جسدك طعاماً لتماسيح النيل قبل أن تفنى روحك!"

ارتجف المشعوذ تحت ثقل القلادة وهيبة الأمير، وقال بصوت متقطع ينضح بالخوف:

"لم نكن نطلب العرش يا سمو الأمير... نحن مجرد أداة! الكيان الذي أُخرج إلى الفراغ كان يحتاج إلى هذا المذبح ليرسل أطيافه إليك عبر الأحلام والندبة.. لكن تميمة 'ست' التي على صدرك تحرق كل خيوطنا!"

أدرك سى اوزير فوراً أن طرد أناتيرا لم يوقف محاولات القوى المظلمة، وأن هذه الخلايا السرية كانت تحاول بناء جسر أثيري يلتف حول تميمته القوية.

ضرب سى اوزير بمقبض سيفه على رأس المشعوذ ليفقده الوعي، ثم أمر الفرسان بحرق المستودع والمذبح السحري بالكامل بالزيوت المقدسة، واقتتياد الأسرى نحو مقاصير التحقيق الملكية في الكرنك.

وقف سى اوزير عند شاطئ النيل خارج المستودع المحترق، يرنو نحو المياه الصافية بينما تصاعد البخار الأسود خلفه. تلمس القلادة الثقيلة المستقرة فوق الندبة، وشعر بدفئها القاطع يملأ عروقه بالطمأنينة والإصرار. لقد أثبتت اليوم هذه المواجهة الميدانية أن يقظته وحزمه هما الدرع الحقيقي لمصر، وأن الشغف القديم لم يعد له أي أثر سوى صلب إرادته لمواجهة كل الفتن القادمة

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status