Share

41

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-18 06:14:42

مع اقتراب الفجر، كان المحراب يغرق في ضوء أزرق شاحب يتسلل من فتحة السقف. كان خع إم واست جالساً على الأرض، ظهره مستنداً إلى العرش الحجري، جسده متعب لكنه مشدود. أمامه، كانت تابوبو جالسة على ركبتيها، عباءتها السوداء مفتوحة على صدرها، تنظر إليه بنظرة طويلة وعميقة، كأنها تحاول أن تقرأ آخر أسراره.

كانت ساعات الحوار الطويلة قد أنهكت الطرفين. اعترف لها بكل شيء — بالخوف على تفنوت، بالذنب الذي يأكله، بالرغبة التي لا يستطيع إنكارها. وهي، بدورها، كشفت له عن عمق غيرتها وحقدها و... حبها المشوه له.

"الليلة تنتهي"، قالت تابوبو بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقلاً. "والعهد مكتوب. ليلة واحدة كل عام، طاقة محدودة، وحماية دائمة لكاهنتك... بشرط أن تعترف لي كل عام بأن جزءاً منك ينتمي إليّ."

نظر إليها خع إم واست طويلاً، ثم أومأ برأسه ببطء.

"موافق. لكنني أضيف شرطاً أخيراً... إذا حاولتِ يوماً أن تمسكي تفنوت أو تؤذيها، فسأحرق كل شيء. سأستخدم كل سطر في الكتاب، حتى لو دمرني ذلك، وسأدمر معبدكِ وكل ما تبقى لكِ."

ابتسمت تابوبو ابتسامة حزينة، مليئة بالمرارة.

"أنت لا تزال تؤمن أنك تستطيع حمايتها إلى الأبد. جميل... لكن الزمن سيأكل كل شيء، حتى حبكما. يوماً ما ستتعب من حمل التوازن، وستأتي إليّ لأنك تحتاج إلى من يفهم الظلام بداخلك."

نهضت ببطء، اقتربت منه، لكنها لم تلمسه. وقفت أمامه ومدت يدها، أصابعها توقفت على بعد أصابع من وجهه.

"اذهب الآن يا خع إم واست. عد إلى كاهنتك... وتذكر أنني سأنتظرك بعد عام. وليلتنا القادمة لن تكون بهذه السهولة."

وقف خع إم واست، ينظر إليها نظرة طويلة ومعقدة — مزيج من الكراهية، الاحترام، والشفقة. ثم التفت واتجه نحو الباب دون أن ينطق كلمة أخرى.

عندما خرج من المعبد، كان الفجر قد بدأ ينفجر في السماء بلون برتقالي-أحمر. وقف للحظة خارج البوابات، يتنفس الهواء البارد بعمق، كأنه يحاول أن يطرد من رئتيه كل ما حدث داخل المحراب.

كان جسده متعباً، لكنه كان يشعر بثقل أكبر على روحه. نجح في المساومة، وحصل على الحماية لتفنوت، لكنه دفع ثمناً نفسياً باهظاً. كان يعرف أن تابوبو لم تكن صادقة تماماً، وأن الفخ لا يزال مفتوحاً. لكنه أيضاً كان يعرف أنه استطاع أن يزرع بذرة حماية روحية لتفنوت باستخدام السطر الجديد.

صعد إلى العربة، وأمر السائق بالانطلاق شمالاً نحو منف. أثناء الطريق، لم ينم. كان ينظر إلى الأفق، يتخيل وجه تفنوت الذي ينتظره، ويعد نفسه أن يخبرها بكل شيء — حتى اللحظات التي استمتع فيها.

"سأعود إليكِ..." همس لنفسه وهو يمسك بالكتاب على صدره. "مهما كان الثمن... سأعود."

مع ارتفاع الشمس، كانت منف تظهر في الأفق. كان قلبه يخفق بقوة — مزيج من الخوف والشوق والندم. كان يعرف أن اللقاء مع تفنوت سيكون الأصعب... لكنه كان مستعداً لمواجهتها.

كان قد عاد... لكن جزءاً منه بقي في بو باستيس.

عندما توقفت العربة أمام أسوار معبد بتاح، كان الصباح قد أشرق تماماً، لكن خع إم واست كان يشعر أن الظلام لا يزال يلتصق به. نزل ببطء، خطواته ثقيلة، جسده متعب، ورائحة تابوبو لا تزال خفيفة عالقة في بشرته رغم أنه اغتسل في النيل قبل الوصول. كان قلبه يدق بعنف، كأنه يستعد لمعركة أقسى من التي خاضها طوال الليل.

دخل المعبد، وتوجه مباشرة إلى الغرفة المقدسة. دفع الباب بيده المرتجفة قليلاً.

كانت تفنوت هناك.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status