Share

42

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-18 06:14:46

وقفت في وسط الغرفة، ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، شعرها منسدلاً، وجهها شاحب لكنه هادئ. ما إن رأته حتى انفتحت عيناها على وسعهما، واندفعت نحوه دون تردد. احتضنها بقوة مدمرة، يضمها إلى صدره كأنه يخشى أن تذوب. كانت ذراعاها تلفان حوله بيأس، وجهها مدفون في عنقه.

"عدتَ..." همست بصوت مكسور، ودموعها بدأت تسيل فوراً. "عدتَ... الحمد للآلهة."

لم يستطع الكلام في البداية. كان يحتضنها بكل ما تبقى له من قوة، يشم رائحة شعرها، يشعر بدفء جسدها النحيل، ويحاول أن يطرد كل ما حدث في بو باستيس. لكنها شمّت. شمّت الرائحة الخفيفة، وشعرت بالطاقة المختلفة في جسده.

ابتعدت قليلاً، نظرت إليه بعينين دامعتين، لكنها لم تبتعد. أمسكت بوجهه بكلتا يديها، أصابعها ترتجف.

"كانت... قاسية؟" سألت بهمس.

أومأ برأسه ببطء، عيناه محتقنتان. "كانت... أصعب مما توقعتُ. استمتعتُ جسدياً في بعض اللحظات... وكرهتُ نفسي في كل واحدة منها. كنتُ أفكر فيكِ... أراكِ تبكين... وأستمر."

دموع تفنوت سالت بغزارة، لكنها لم تنكر ولا صاحت. احتضنته مرة أخرى، أقوى هذه المرة، وهمست في أذنه:

"أعرف... أشعر به. لكنك عدتَ. هذا ما يهم الآن. أنت هنا... معي."

جلس على حافة السرير، وسحبها إلى حجره. كانت تجلس مواجهة له، ساقاها على جانبيه، وجسدها يلتصق به تماماً. أمسك بوجهها، مسح دموعها بإبهاميه، ثم قبلها بقبلة طويلة، عميقة، مليئة بالندم والشوق والحب.

"سامحيني..." همس على شفتيها بين القبلات. "سامحيني على كل شيء."

"لا أحتاج إلى سامح... أحتاج إليكَ"، ردت وهي تقبله بعنف أكبر. "أحتاج أن أشعر بكَ... أن أتأكد أنك عدتَ إليّ."

خلع ثيابه بسرعة، وخلعت هي ثوبها. كان الاتحاد هذه المرة مختلفاً — ليس عنفاً، بل حاجة عميقة. دخلها ببطء، يملؤها بكامله، وهو ينظر إلى عينيها طوال الوقت. كانت حركاته بطيئة، عميقة، كأنه يريد أن يمحو كل أثر لتابوبو بجسده.

كانت تفنوت تبكي بهدوء وهي تتحرك معه، أصابعها تمر على وجهه، تمسح العرق والتعب.

"أنتَ هنا..." كانت تكرر بين الأنين. "أنتَ معي... هذا يكفي."

عندما بلغا الذروة معاً، احتضنها بقوة، يدفن وجهه في عنقها، وهو يفيض داخلها بدفء يملأ الفراغ الذي خلفته الليلة الماضية. بقيا ملتصقين طويلاً، أجسادهما ترتجف، وقلوبها تخفق كواحد.

"حصلتُ على حماية لكِ"، همس أخيراً. "اتفقتُ معها على شروط... لكنها كانت فخاً. استخدمتُ سطراً جديداً من الكتاب... الآن هناك درع روحي يحميكِ."

نظرت إليه بفخر مختلط بالحزن، وقبلت جبينه.

"أنتَ دائماً تحاول أن تحميني... حتى لو كان الثمن من روحك."

احتضنها أقوى، وأغلق عينيه.

"سأدفع أي ثمن... طالما أعود إليكِ."

كان الجرح لا يزال مفتوحاً، لكن حبهما كان أقوى من الجرح... في الوقت الحالي.

مرت الأيام التالية كأنها رقصة بطيئة بين الشفاء والألم. كان خع إم واست يرفض أن يترك تفنوت ولو لساعة واحدة. كان ينام بجانبها، يستيقظ ليجد جسدها ملتفاً حوله، ويحتضنها بقوة كأنه يخشى أن تذوب في الظلام. كان يغسلها بنفسه في حمام المعبد المقدس، يمر يديه بلطف على كل جزء من جسدها، يمسح آثار الإرهاق والخوف الذي عاشته خلال غيابه.

في إحدى الليالي الهادئة، بعد أن أنهيا طقساً حميمياً بطيئاً وعميقاً، بقيا مستلقيين على السرير، أجسادهما ملتصقة، والعرق يلمع على بشرتهما تحت ضوء الشموع. كانت تفنوت تضع رأسها على صدره، أصابعها ترسم دوائر هادئة على بشرته، بينما يده تمر ببطء على ظهرها.

"كيف كانت؟" سألت فجأة، صوتها هادئ لكنه يحمل وزن العالم. "لا تكذب عليّ... أريد أن أعرف."

تنهد خع إم واست طويلاً، ثم قبل رأسها وقال بصدق قاسٍ:

"كانت... شديدة. جسدها يعرف كيف يثيرني، وهي تعرف كيف تكسر دفاعاتي. استمتعتُ في بعض اللحظات... وكرهتُ نفسي في كل لحظة. كنتُ أرى وجهكِ في كل دفعة. كنتُ أسمع صوتكِ وأنا داخلها. الذنب كان يحرقني... لكنه لم يمنع الجسد من الاستجابة."

بكت تفنوت بهدوء، دموعها تسيل على صدره. لم تبتعد، بل احتضنته أقوى.

"أنا لا أكرهك... أكره أن العالم يجبرك على دفع هذا الثمن. لكنني فخورة بك. عدتَ وأنت تحاول حمايتي... حتى لو كان ذلك يكسرك."

رفع وجهها، قبل دموعها، ثم قبل شفتيها ببطء عميق. كان الاتحاد الذي تلاها هادئاً ومؤثراً — ليس عنفاً، بل حاجة روحية. دخلها ببطء، ينظر إلى عينيها، يتحرك داخلها كأنه يعيد بناء ما تهدم.

"أنتِ الدواء"، همس وهو يدخلها أعمق. "أنتِ ما يجعلني أستمر."

مع مرور الأسابيع، بدأ التعافي يأخذ شكلاً أعمق. كانت تفنوت تستعيد قوتها تدريجياً، وكان خع إم واست يرافقها في كل خطوة. كانا يمشيان معاً في حدائق المعبد، يتحدثان عن المستقبل، عن خطط تقوية الدفاعات، وعن أحلام صغيرة — طفل ربما، يوماً ما، إذا سمحت الآلهة.

في إحدى الليالي، بعد أن أمضيا يوماً طويلاً في العمل مع الكهنة، عادا إلى الغرفة متعبين. لم يتحدثا كثيراً. فقط احتضنها، خلع ثوبها ببطء، وأخذها إلى السرير. كان حبهما هذه المرة مليئاً بالحنان المؤلم. كان يقبل كل جزء من جسدها كأنه يشفي نفسه أولاً، ثم يدخلها ببطء، يبقى داخلها طويلاً، ينظر إلى عينيها وهو يتحرك.

"أنا لا أزال أشعر بها أحياناً"، اعترف بين الأنين. "لكنني أعود إليكِ دائماً... أنتِ البوصلة."

كانت تفنوت تبكي وتبتسم في الوقت نفسه، تحتضنه بقوة، وتهمس:

"سنواجه السنة القادمة معاً. لن أتركك تواجهها وحدك... حتى لو كان ذلك يؤلمني."

مرت الأشهر، وأصبح حبهما أقوى وأعمق. كانا يعيشان كل يوم كأنه هدية. كان يأخذها إلى النيل، يحبها تحت النجوم، يضحك معها في الصباح، ويبكي معها في الليل عندما يعود الظل. كان الجرح موجوداً، لكنهما كانا يتعلمون كيف يعيشون معه.

مع اقتراب نهاية العام مرة أخرى، كان التوتر يعود... لكنهما كانا أقوى هذه المرة. كانا يعرفان أن الحب الحقيقي ليس في غياب الظلام، بل في القدرة على مواجهته معاً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status