Share

47

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-18 06:15:18

وصل خع إم واست إلى القاع الأسود المطلق للدوات — مكان لا يوجد فيه زمان ولا مكان، فقط منصة حجرية واحدة تطفو فوق بحر من الظلام المطلق. في وسط المنصة، كان مصدر قوة تابوبو ينبض: كرة سوداء هائلة مليئة بآلاف الوجوه المعذبة، تتغذى على كل ليلة استسلم فيها أحد للغواية.

ما إن اقترب حتى انفجر المصدر، وخرجت منه تابوبو في شكلها الحقيقي — ليست النسخة التي رآها في المعبد، بل الكيان الأصلي: امرأة عملاقة، جسدها مكون من دخان وذهب محترق، عيناها بركتان من النار السوداء، وشعرها أفاعٍ حية.

"جريء جداً أن تأتي إلى هنا!" صاحت بصوت يهز أرجاء الدوات. "تظن أنك تستطيع قطع الارتباط؟!"

اندلعت المعركة النهائية داخل الدوات.

هاجمته تابوبو بموجات من الظلام الحي، تتحول إلى أيدٍ تحاول خنقه وجذبه إليها. قفز خع إم واست بسرعة خارقة، يستخدم "رؤية الظلال" ليتفادى الهجمات، و"قطع الروابط" ليقطع الأيدي السوداء. كان يضربها بسيفه الأثيري، لكن كل ضربة كانت تمتصها وتعيدها أقوى.

"أنت جزء مني!" صاحت وهي تمد يدها العملاقة وتلقي به عبر المنصة. تحطمت أضلاعه، لكنه نهض، وفعّل "القلب المقدس" الذي أعطته حتحور.

انفجر نور ذهبي-فيروزي من صدره، أضعف تابوبو مؤقتاً. قفز نحو الكرة السوداء — مصدر قوتها — وغرز يده فيها. صاحت تابوبو من الألم، وهاجمته بكل قوتها. دارت معركة عنيفة: كان يقطع الخيوط السوداء التي تربطه بها، بينما هي تحاول سحب روحه كاملة.

في اللحظة الحاسمة، استخدم السطر الجديد كاملاً. قطع الارتباط الروحي الرئيسي، فانفجر المصدر جزئياً، وتراجعت تابوبو بصرخة مدوية.

"هذا لن ينهيني!" صاحت وهي تختفي في الظلام. "سأنتظرك خارج الدوات!"

خرج خع إم واست من الدوات منهكاً، جسده مليء بالجروح، لكنه حاملاً قطعة من مصدر قوتها في يده — بذرة يمكنه استخدامها للقضاء عليها نهائياً.

عندما خرج خع إم واست من بوابة الدوات، كان العالم قد تغير. السماء فوق منف كانت مليئة بغيوم سوداء كثيفة تتحرك كأنها كائن حي جائع، والرياح تحمل صراخ أرواح محترقة. كان جسده متهالكاً: دم يسيل من جروحه، أضلاعه محطمة، ذراعه اليسرى معلقة بلا حياة، لكنه كان يمسك في يده اليمنى بذرة مصدر قوة تابوبو — كرة سوداء صغيرة نابضة بطاقة مرعبة.

ما إن ظهر أمام أسوار معبد بتاح حتى انفجرت السماء.

نزلت تابوبو في شكلها العملاقي الأخير، جسدها يملأ الأفق، أطول من أبراج المعبد بأضعاف. كانت امرأة هائلة مكونة من دخان ذهبي محترق وأرواح معذبة، شعرها أفاعٍ عملاقة تتلألأ بعيون حمراء، عيناها بركتان من النار السوداء، وجسدها ينبض بكل الرغبات المحرمة التي جمعها على مر القرون. كانت غاضبة إلى درجة الجنون.

"جريء جداً!" صاحت بصوت يهز الأرض كلها، يرج الجدران ويكسر النوافذ في منف. "تسرق مصدر قوتي وتظن أنك تستطيع الهرب؟! سأدمر هذه المدينة، وسأسحب كاهنتك إلى الدوات، وسأجعلك تشاهدها تذوب ببطء أمام عينيك!"

اندلعت المعركة النهائية بقوة كارثية.

أطلقت تابوبو موجة سوداء هائلة كأنها تسونامي من الظلام، تحمل في طياتها آلاف الأرواح المعذبة التي كانت تصرخ بأصوات أحباء خع إم واست. قفز الأمير بكل ما تبقى له من قوة، يستخدم "القلب المتحكم" ليسرع نبض قلبه، و"رؤية الظلال" ليرى مسار الموجة. تفاداها بصعوبة، لكن طرفها أصابه، فطار عشرات الأمتار وتحطم على جدار المعبد.

"هذا ليس كل شيء!" صاحت تابوبو.

استدعت جيش الظلال الكامل — عشرات الآلاف من الكيانات السوداء التي تتخذ أشكال نساء فاتنات وعراة، يرقصن رقصة الموت ويزرعن الرغبة المدمرة في كل من ينظر إليهن. بدأ الجيش يتقدم نحو منف، يحرق كل شيء في طريقه.

نهض خع إم واست، دمه يسيل من فمه، وصرخ بصوت يرج السماء:

"لن أسمح لكِ!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status