مشاركة

68

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-06-23 18:26:56

الوداع المر والشرط الوحشي**

وصلت السفينة الملكية إلى بو باستيس في ليلة مظلمة، حيث كانت السماء ملبدة بالغيوم السوداء كأنها ترثي لما سيحدث. كان معبد تابوبو القديم يقف شامخاً على ضفة النيل، جدرانه السوداء المهترئة مغطاة بأعشاب متسلقة، وأعمدته المنهارة جزئياً تنبض بطاقة مظلمة مرعبة. كان الهواء ثقيلاً برائحة البخور المحترق والدماء القديمة، والرياح تحمل همسات خافتة تشبه ضحكات تابوبو.

نزل الجميع في صمت مطبق. كان خع إم واست محمولاً على سرير مقدس مغطى بكتان أبيض، جسده ساكن تماماً في غيبوبته العميقة، وجهه شاحب كالموت. حمله أقوى الجنود بحرص، بينما كان الفرعون رمسيس يمشي ببطء خلفه، متكئاً على عصاه، وجهه يعكس انكساراً ملكياً لم يره أحد من قبل. بجانبه كانت الأميرة تفنوت تمشي وهي تمسك بيد زوجها الممدودة، دموعها تسيل بصمت على خديها. أما سى اوزير، فقد كان يمشي إلى الجانب الآخر، قبضتاه مشدودتان، عيناه حمراء من البكاء والغضب المكبوت.

دخلوا المحراب الرئيسي للمعبد. كانت الأجواء مظلمة، مضاءة فقط بمصابيح سوداء تشتعل بلهب أزرق بارد. في وسط المحراب، ظهرت **تابوبو** في هيئتها الكاملة، جميلة ومرعبة كما كانت دائماً. كانت ترتدي ثوباً أسود شفافاً يلتصق بمنحنيات جسدها، شعرها الأسود الطويل يتمايل كأفاعٍ حية، وعيناها تحترقان بنار سوداء مليئة بالشوق المسموم والانتصار.

"**أخيراً... جئتم.**" قالت بصوت حلو مر يرج أرجاء المعبد. "**لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً.**"

تقدم الفرعون رمسيس خطوة، صوته متهدج لكنه حازم:

"لقد أحضرنا ابني كما طلبتِ. اشفيه الآن."

ابتسمت تابوبو ابتسامة عريضة، ثم نظرت إليهم بنظرة باردة:

"**ليس بهذه السرعة يا رمسيس. لديّ شرط واحد... وهو الوحيد.**"

ساد الصمت. نظرت تابوبو إلى خع إم واست المستلقي على السرير، ثم إلى عائلته، وقالت بصوت هادئ لكنه قاتل:

"**اتركوه هنا معي... وارحلوا. لا تعودوا أبداً. إذا بقيتم أو حاولتم العودة، لن أشفيه. سأتركه يموت ببطء أمام أعينكم، ثم سأقتل كل عائلته واحدة تلو الأخرى، وسأدمر مصر كلها بالسحر الذي أملكه الآن. هذا الشرط... أو الموت.**"

ارتجف الجميع. صرخ سى اوزير بغضب:

"لن نتركه معكِ أبداً يا شيطانة!"

بكت تفنوت بحرقة، وسقط الفرعون رمسيس على ركبتيه، يمسك برأسه.

كان الوداع الأكثر مرارة في تاريخ العائلة.

---

**وداع تفنوت**

اقتربت الأميرة تفنوت من زوجها ببطء، ركبت بجانب السرير، ووضعت رأسها على صدره. كانت دموعها تسيل بغزارة، جسدها يرتجف. أمسكت بيده الباردة، وقبلتها مرات عديدة، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى وجهه الشاحب طويلاً.

"يا حبيبي... يا نور حياتي..." همست بصوت مكسور تماماً. "أنا التي وقفت معك منذ البداية. أنا التي احتضنتك عندما عدت مكسوراً من بو باستيس. أنا التي حملت ابنك وفرحت بعودتك. اليوم... أتركك هنا... على أمل أن تعود إلينا. أضحي بحبي... بحياتي... من أجل حياتك. أعدك... سأنتظرك. حتى لو استغرق الأمر سنوات. حتى لو لم تعد... سأظل أحبك إلى الأبد."

قبلت شفتيه قبلة طويلة عميقة، مليئة بكل الحب والألم والتضحية، ثم نهضت وهي تبكي بحرقة، وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تمسك بقلبها كأنها تموت.

---

**وداع سى اوزير**

اقترب سى اوزير من والده، ركع بجانبه، وأمسك بيده. كان الفتى يبكي بصمت، دموعه تسيل على وجه والده. كان صوته مكسوراً، لكنه حاول أن يكون قوياً:

"يا أبي... أنت الذي علمتني السحر، الذي أخذني إلى الدوات، الذي أراني كيف أوازن بين النور والظلام. أنت البطل الذي قهر تابوبو مرة... واليوم أتركك معها من أجل حياتك. أضحي بك... بوالدي... على أمل أن تعود. سأحمي أمي وجدي... وسأجد طريقة لإنقاذك. أعدك... لن أستسلم أبداً."

وضع رأسه على صدر والده للحظات طويلة، يبكي بحرقة، ثم قبل جبينه وقال بصوت مكسور:

"أحبك يا أبي... عد إلينا."

---

**وداع الفرعون رمسيس**

اقترب الفرعون رمسيس ببطء، جلس على حافة السرير، وأمسك بيد ابنه بكل ما تبقى له من قوة. كان الشيخ العظيم يبكي دون خجل الآن، دموعه تسيل على لحيته:

"يا ولدي... يا خع إم واست... أنا الذي أنجبتك، أنا الذي أرسلتك إلى الدوات، أنا الذي فخرت بك طوال حياتي. اليوم... أتركك هنا. أضحي بابني... بدمي وروحي... من أجل أن تعيش. سامحني يا ولدي. سامحني على كل ما حدث. أعدك... سأحكم مصر بقوة حتى تعود. أحبك... أكثر مما أحببت مصر نفسها."

قبل جبين ابنه طويلاً، ثم نهض وهو يترنح، يمسك بصدره كأن قلبه يتمزق.

---

وقف الجميع خطوة إلى الوراء. نظرت تابوبو إليهم بانتصار، ثم قالت بصوت حاد:

"**الآن... ارحلوا. ولا تعودوا أبداً.**"

خرجت العائلة من المعبد بقلب ممزق، يبكون بحرقة، بينما كانت تابوبو تضحك ضحكة مدوية خلفهم.

كان الوداع الأخير... وكان الألم لا يُطاق.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

  • سيد الرماد والضوء   124

    وفجأة... وفي اللحظة التي بلغت فيها المعركة ذروة جحيمها وضيقها، انطلقت ضحكة مدوية وعميقة في الأفق البعيد. لم تكن ضحكة عادية، بل كانت ضحكة عميقة، غاشمة، وقوية للغاية اهتزت لها السماء والأرض معاً، وتوقف معها صياح الوحوش وقرع السيوف لشدة مهابتها.في تلك اللحظة بالذات، سرت قشعريرة باردة ومفاجئة في كامل جسد العملاق بعل. اتسعت عيناه الزرقاوان الحارقتان من شدة الصدمة والمفاجأة، وارتعدت يداه الضخمتان اللتان كانتا تطلقان البرق، وتراجع خطوة إلى الوراء وكاد يسقط فوق التلال الحجرية. نظر حوله بذعر حقيقي لم يذق طعمه منذ عصور، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومملوء بالرعب والخوف المكتوم:"تلك الضحكة المرعبة... أنا أعرف صاحبها جيداً ولا أخطئه... ذلك الصوت المهيب... لا... لا يمكن! هذا لا يمكن أن يحدث الآن! كيف ترك معركته الكونية وجاء إلى هنا؟!"ومع نهاية همساته المذعورة، ظهرت في وسط ساحة المعركة عاصفة رملية مهيبة وهائلة الحجم، تدوّي بصوت قاصف ومرعب كأنها نهاية العالم وأيام الفناء. كانت الرياح المحملة بالرمال الذهبية والحمراء تدور بسرعة فائقة، وشقت الأرض شقاً كبيراً لتفتح في وسطها بوابة نارية حمراء ضخمة تشع بلهيب

  • سيد الرماد والضوء   123

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   122

    في قلب هذا الجحيم المتفجر بالصواعق والنيران السوداء، كان الملك "مرنبتاح" يقاتل ببسالة أسطورية نادرة تليق بوارث عرش رمسيس الثاني. لم يكن يقف في الخلف يحتمي بحراسه، بل كان في طليعة فيالقه وسط جنوده، يقود عجلته الحربية التي تحطم جزء من خشبها.كان سيفه الذهبي الطويل يلمع بدماء الأعداء والوحوش تحت ضوء البرق المتساقط، واندفع بشجاعة نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق صفوف الرماة. وبحركة عسكرية دقيقة وسريعة، ضرب الملك بسيفه ليقطع أرجل السبع المدخن، ومجرد أن سقط الوحش يزأر من الألم، قفز مرنبتاح بخفة فوق ظهره وطعنه بسيفه طعنة قاتلة في عمق عنقه حتى تحول الوحش إلى رماد أسود متطاير.كان الدم يغطي وجه الملك ويمتزج بعرق جباهه، وكان يصرخ بأعلى صوته ليثبت قلوب جنوده ويقودهم وسط الموت:"لن تمروا من فوق أجسادنا! مصر لن تسقط أبداً طالما فينا عرق ينبض بالحياة! ثبتوا صفوفكم يا حماة الوادي!"كان جنوده المخلصون يستمعون إلى صوت ملكهم ويرون شجاعته، فيقاتلون ببسالة نادرة ويدافعون عن أرضهم بكل ما يملكون من قوة. فكان المشهد يفيض بالبطولة والتضحية؛ إذ كان الجنود يرفعون رفاقهم الجرحى والمصابين على أكتافهم ويحملونهم إلى ا

  • سيد الرماد والضوء   121

    ولكن... وفي اللحظة التي كانت فيها رايات النصر المصرية تستعد للارتفاع، حدث شيء مرعب غير متوقع قلب الموازين بالكامل واشتعلت معه السماء.تحولت الغيوم الداكنة فجأة إلى لون أحمر ناري، وبدأت السماء تمطر شهباً وصواعق، واهتزت الأرض اهتزازاً عنيفاً كاد يسقط الخيل والجنود أرضاً. ومن بين الغبار والظلام على قمم التلال البعيدة، ظهر الكيان الشرري "بعل" علناً وبكامل هيئته المخيفة أمام أعين الجميع.كان عملاقاً هائلاً، ضخماً كالجبل، يخطو خطوات ثقيلة ومخيفة فوق التلال، وكان جسده الأسود يدور من حوله إعصار عظيم من العواصف الرعدية والرياح الباردة، وعيناه الزرقاوان الكبيرتان تحترقان بنار كونية مرعبة تنشر الخوف في النفوس. رفع بعل يده الضخمة نحو السماء، فانفجرت صواعق البرق العنيفة من بين الغيوم، وهبطت تضرب مباشرة صفوف الجنود المصريين بدقة، وتقتل وتصيب العشرات منهم في لحظة واحدة، وتحول عجلاتهم الحربية إلى حطام محترق.صاح بعل بصوت مرعب ومزلزل يرج الكون كله وتتحطم معه الصخور:"كفى! أنا بعل... سيد العواصف والرعد ومقيد البشر! لن تسقط جيوشي وممالكي أمام حثالة من البشر الفانين! سأبيدكم جميعاً وأحرق نيلكم!"كانت الق

  • سيد الرماد والضوء   120

    كان الجنود المصريون في تلك الساعة يقاتلون ببسالة أسطورية نادرة، ويستلهمون روح الشجاعة من ذكرى فرعونهم الراحل رمسيس الثاني. لم يكن الخوف يعرف طريقاً إلى قلوبهم؛ فكان المشهد يفيض بالتضحية والبطولة التي تدمع لها العيون.كان أحد الجنود المصريين يرى زميله ومصابه يسقط على الأرض جريحاً ينزف، فلم يتركه ليموت، بل كان يندفع وسط السيوف ويحمل زميله على كتفه بقوة، ويواصل القتال بيده الأخرى بكل شجاعة. وكان جندي آخر يقفز بخفة فوق جثث القتلى ليطعن قائداً من الأعداء في ظهره ويحمي ظهر رفاقه.ولكن، ورغم هذه البسالة المصرية العظيمة، كان جيش الملك أدنوك عدده هائلاً جداً ويفوقهم بمقدار الضعف، وبدأت الكثرة الغالبة تضغط على الصفوف الأمامية للمصريين. والأمر الأكثر خطورة هو أن الوحوش الظلامية والمخيفة التي أرسلها بعل — تلك السباع السوداء العملاقة المصنوعة من الدخان والطيور الظلالية ذات المخالب الحادة — بدأت تشن هجوماً شرساً ومنظماً على الجنود.كانت هذه الوحوش تندفع وسط الغبار، وتمزق أجساد الجنود المصريين بمخالبها القاطعة وتلقي بهم في الهواء بعنف شديد. بدأ الرعب ينتشر قاطوعاً بين بعض الفصائل جراء هذا السحر الأس

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status