Partager

77

Auteur: Ahmed Habib
last update Date de publication: 2026-06-28 14:42:45

لم يكد "سي أوزير" يمسح دموع الوجد المريرة التي خلفها طيف أمه وراءه، حتى أحس ببرودة مباغتة تجتاح هواء الغياهب، برودة لا تشبه صقيع الموت، بل تحمل هيبة العروش العتيقة ووقار المقابر الملكية. تخلخل الضباب الأسود الكثيف ليتحول الفراغ من حوله إلى بهو غامض مهدم، تتناثر فيه تماثيل الجرانيت المكسورة. وفي مركز هذا التصدع، برز طيف الفرعون العظيم "رمسيس"؛ لكن الجلال الحربي والصورة المهيبة التي طالما رآها الفتى منحوتة على جدران معابد "أبو سمبل" و"طيبة" قد تلاشت بالكامل، ليحل محلها مظهر يمزق شغاف القلوب. كان الفرعون الشاحب يبدو عجوزاً مكسوراً للغاية، منحنياً على عصاه الخشبية العتيقة، وينظر إلى حفيده بعينين غائرتين يملؤهما لوم حاد كالنصال وحزن عميق يهد أركان الجبال الراسخة.

"أنت السبب في كل هذا الخراب يا ولد..." نطق الفرعون بصوت أجش مرتجف، تردد صداه في عروق سي أوزير كأنه هزة أرضية مكتومة في وادي الملوك. "لو لم تولد وتجلب معك أقدار الشقاق، لما تشتت تركيز أبيك الأمير 'خع إم واست'، ولما تملكه هوس البحث عن الخلود لحمايتك، ولما غيبته لعنة كتاب تحوت في غياهب بو باستيس. إن وجودك كان اللعنة الحقيقية التي حلت بنسل رمسيس العظيم. عد إلى الوراء، وتراجع عن هذه الرحلة الانتحارية، ودعني أغلق عيني وأموت بسلام في قبري، ولا تحرق أرض مصر كلها بقرارك الطائش."

كان اللغز السحري في هذه العتبة خبيثاً ومرعباً لأقصى حد؛ إذ كان يستهدف زراعة عقدة الذنب الفطرية والشعور بالمسؤولية تجاه العائلة والوطن في وعي الفتى الغض. بدأت الرؤى المروعة تتدفق بغزارة في ذهنه مجسدة كلمات الجد العجوز؛ فرأى سي أوزير صوراً لرمسيس العظيم وهو يموت وحيداً، مريضاً، ومعزولاً في غرفته المظلمة بقصر منف، يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يوجه كلمات اللوم والتقريع لحفيده حتى الرمق الأخير. وامتد الوهم ليريه مشاهداً مأساوية لأرض مصر وهي تحترق بالكامل، والمعابد العتيقة تتهاوى فوق رؤوس كاهنتها، والنيل ينضح دماً بدلاً من الماء الطاهر، وكل ذلك يحدث بسبب قراره بالتوغل في أعماق الدوات، وكأن خطوته القادمة هي المفتاح الذي سيفتح أبواب الفناء المطلق على الوادي بأكمله.

كان يسمع صوت جده يهمس في أذنيه بلوم مستمر، يرى دموعه الملكية الغالية وهي تسقط فوق التراب العفن، فيشعر بالذنب كسيف مسموم يخترق قلبه الصغير وينخر في عزيمته وصلابته الفرعونية. استمر هذا الصراع النفسي العنيف لعدة ساعات طويلة ومؤلمة وسط الصمت المطبق للدوات، والظلام يضغط على صدره النحيل ليدفعه نحو الاستسلام والتراجع مرات عديدة؛ فمواجهة لوم الملك الذي بنى مجد مصر لم تكن أمراً يقوى عليه فتى بمفرده، وكاد سي أوزير يلتف ليعود أدراجه من حيث أتى، ظناً منه أنه بالفعل أصل الخراب الذي حل بعائلته.

بلغ الصراع النفسي ذروته المستعرة، وبدا أن ثقل العصور كلها قد تجمع فوق كتفي الفتى الضئيلين، فبدأت قواه تخور تحت وطأة النظرات الزجاجية المليئة بالمرارة التي يرميه بها طيف جده الفرعون. كان يرى في وهج الرؤى المتهدمة تاريخ أسرته بالكامل وهو يندثر؛ يرى الجدران العتيقة التي سجلت مجد "رع-مس-سو" وهي تتشقق وتتحول إلى غبار تذروه الرياح، ويسمع أصوات الكهنة في "طيبة" وهم يرفعون صلوات يائسة لآلهة أدارت وجوهها عن الوادي بسبب خطيئته المفترضة. كان الشعور بالذنب حياً وقاتلاً، يتسلل كالنمل الأسود تحت جلده ليخدر عنفوانه، ويهمس له بأن تراجعه الآن هو الصواب، وأنه بمواصلة السير إنما يطعن جده العجوز في رمقه الأخير.

جثا سي أوزير على ركبته اليمنى فوق الأرض الحجرية المتصدعة، ووضع كفيه المرتجفتين فوق عينيه محاولاً حجب صور الدمار ولوم الفرعون الذي لا ينتهي. بكى بصمت، واختلطت دموعه بتراب "الدوات" العفن، وشعر للحظات أن روحه تتفتت وتتحول إلى مجرد صدى باهت داخل هذه المتاهة الملكية. تذكر يدي والده "خع إم واست" اللتين طالما حملتاه رفقاً، وتذكر الوفاء الخالص الذي تعاهد عليه أبوه وأمه لحماية أسرار الأرض، فأدرك فجأة بومضة حاسمة من الحكمة المخبوءة في عروقه أن رمسيس العظيم لم يكن يوماً رجلاً يستسلم للموت باكياً أو يلقي بضعفه على كاهل الصغار؛ إن هذا الطيف المنكسر ليس سوى تجسيد مشوه لخوفه الداخلي من الفشل والضعف.

استجمع الفتى كل ذرة من كبريائه الفرعوني الأصيل، ووقف بكامل قامته الممشوقة رغم الارتجاف الذي يضرب أطرافه. مسح دموعه بكم ثوبه الكتان الشاحب، ونظر بثبات حاد، وعينان تلمعان بجسارة غسلت عنها الأوهام، في عيني جده الفرعون العجوز، وقال بصوت يرتجف في بدايته لكنه سرعان ما استحال إلى نبرة قوية وجهورية زلزلت صمت البهو المهدم:

"أنا لستُ السبب في الخراب يا جدي... أنا لستُ اللعنة التي تحرق الوادي؛ بل أنا الأمل الأخير الذي سيحيي نسل رمسيس، وأنا النور الذي سيمزق عتمة بو باستيس ليعيد لأبي روحه الضائعة. لن أعود إلى الوراء، ولن أدع الظلال تملي عليّ أقداري!"

ومع الكلمة الأخيرة التي قذفها كالصاعقة الارتدادية في وجه الوهم، انطلق وهج ذهبي باهر من التميمة المعلقة في عنقه، فتمزق طيف رمسيس العجوز وتناثر كأوراق البردي المحروقة في الهواء، وتهاوت جدران البهو الحجري الوهمي لتكشف عن ممر جديد يتوغل بكثافة في عتمة العالم السفلي. خرج سي أوزير من هذه المواجهة وهو ينزف من أعماقه، مثقلاً بالتعب والجهد الدرامي الشديد الذي بذله للدفاع عن هويته وبراءته، لكن قلبه كان قد ازداد صلابة كحجر الجرانيت الأسود.

مشى أبعد في جوف الظلام الذي بدا وكأنه يزداد لزوجة وثقلاً على صدره النحيل مع كل خطوة يخطوها. فجأة، توقفت الأرض الحجرية تماماً، وتبدلت طبيعة الفراغ من حوله؛ إذ انبعثت في الأجواء رائحة دماء عتيقة ممتزجة بصدأ النحاس والكتان العفن، وتحولت الأرض تحت قدميه ببطء إلى بركة طينية لزجة تميل إلى الحمرة المستعرة. انشقت العتمة أمامه لتكشف عن وادٍ سحيق غامض، مليء بجحور حجرية صغيرة تشبه التوابيت المفتوحة، لتبدأ من هنا خطوط التحدي الرابع الأكثر سوداوية وغموضاً، حيث بدأت كائنات ضئيلة، باهتة النور لكنها مغلفة بظلال سوداء كثيفة، تخرج من تلك الجحور وتلتفت بنظراتها الخالية من الملامح نحوه.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status