تسجيل الدخوللم يكد "سي أوزير" يمسح دموع الوجد المريرة التي خلفها طيف أمه وراءه، حتى أحس ببرودة مباغتة تجتاح هواء الغياهب، برودة لا تشبه صقيع الموت، بل تحمل هيبة العروش العتيقة ووقار المقابر الملكية. تخلخل الضباب الأسود الكثيف ليتحول الفراغ من حوله إلى بهو غامض مهدم، تتناثر فيه تماثيل الجرانيت المكسورة. وفي مركز هذا التصدع، برز طيف الفرعون العظيم "رمسيس"؛ لكن الجلال الحربي والصورة المهيبة التي طالما رآها الفتى منحوتة على جدران معابد "أبو سمبل" و"طيبة" قد تلاشت بالكامل، ليحل محلها مظهر يمزق شغاف القلوب. كان الفرعون الشاحب يبدو عجوزاً مكسوراً للغاية، منحنياً على عصاه الخشبية العتيقة، وينظر إلى حفيده بعينين غائرتين يملؤهما لوم حاد كالنصال وحزن عميق يهد أركان الجبال الراسخة.
"أنت السبب في كل هذا الخراب يا ولد..." نطق الفرعون بصوت أجش مرتجف، تردد صداه في عروق سي أوزير كأنه هزة أرضية مكتومة في وادي الملوك. "لو لم تولد وتجلب معك أقدار الشقاق، لما تشتت تركيز أبيك الأمير 'خع إم واست'، ولما تملكه هوس البحث عن الخلود لحمايتك، ولما غيبته لعنة كتاب تحوت في غياهب بو باستيس. إن وجودك كان اللعنة الحقيقية التي حلت بنسل رمسيس العظيم. عد إلى الوراء، وتراجع عن هذه الرحلة الانتحارية، ودعني أغلق عيني وأموت بسلام في قبري، ولا تحرق أرض مصر كلها بقرارك الطائش."
كان اللغز السحري في هذه العتبة خبيثاً ومرعباً لأقصى حد؛ إذ كان يستهدف زراعة عقدة الذنب الفطرية والشعور بالمسؤولية تجاه العائلة والوطن في وعي الفتى الغض. بدأت الرؤى المروعة تتدفق بغزارة في ذهنه مجسدة كلمات الجد العجوز؛ فرأى سي أوزير صوراً لرمسيس العظيم وهو يموت وحيداً، مريضاً، ومعزولاً في غرفته المظلمة بقصر منف، يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يوجه كلمات اللوم والتقريع لحفيده حتى الرمق الأخير. وامتد الوهم ليريه مشاهداً مأساوية لأرض مصر وهي تحترق بالكامل، والمعابد العتيقة تتهاوى فوق رؤوس كاهنتها، والنيل ينضح دماً بدلاً من الماء الطاهر، وكل ذلك يحدث بسبب قراره بالتوغل في أعماق الدوات، وكأن خطوته القادمة هي المفتاح الذي سيفتح أبواب الفناء المطلق على الوادي بأكمله.
كان يسمع صوت جده يهمس في أذنيه بلوم مستمر، يرى دموعه الملكية الغالية وهي تسقط فوق التراب العفن، فيشعر بالذنب كسيف مسموم يخترق قلبه الصغير وينخر في عزيمته وصلابته الفرعونية. استمر هذا الصراع النفسي العنيف لعدة ساعات طويلة ومؤلمة وسط الصمت المطبق للدوات، والظلام يضغط على صدره النحيل ليدفعه نحو الاستسلام والتراجع مرات عديدة؛ فمواجهة لوم الملك الذي بنى مجد مصر لم تكن أمراً يقوى عليه فتى بمفرده، وكاد سي أوزير يلتف ليعود أدراجه من حيث أتى، ظناً منه أنه بالفعل أصل الخراب الذي حل بعائلته.
بلغ الصراع النفسي ذروته المستعرة، وبدا أن ثقل العصور كلها قد تجمع فوق كتفي الفتى الضئيلين، فبدأت قواه تخور تحت وطأة النظرات الزجاجية المليئة بالمرارة التي يرميه بها طيف جده الفرعون. كان يرى في وهج الرؤى المتهدمة تاريخ أسرته بالكامل وهو يندثر؛ يرى الجدران العتيقة التي سجلت مجد "رع-مس-سو" وهي تتشقق وتتحول إلى غبار تذروه الرياح، ويسمع أصوات الكهنة في "طيبة" وهم يرفعون صلوات يائسة لآلهة أدارت وجوهها عن الوادي بسبب خطيئته المفترضة. كان الشعور بالذنب حياً وقاتلاً، يتسلل كالنمل الأسود تحت جلده ليخدر عنفوانه، ويهمس له بأن تراجعه الآن هو الصواب، وأنه بمواصلة السير إنما يطعن جده العجوز في رمقه الأخير.
جثا سي أوزير على ركبته اليمنى فوق الأرض الحجرية المتصدعة، ووضع كفيه المرتجفتين فوق عينيه محاولاً حجب صور الدمار ولوم الفرعون الذي لا ينتهي. بكى بصمت، واختلطت دموعه بتراب "الدوات" العفن، وشعر للحظات أن روحه تتفتت وتتحول إلى مجرد صدى باهت داخل هذه المتاهة الملكية. تذكر يدي والده "خع إم واست" اللتين طالما حملتاه رفقاً، وتذكر الوفاء الخالص الذي تعاهد عليه أبوه وأمه لحماية أسرار الأرض، فأدرك فجأة بومضة حاسمة من الحكمة المخبوءة في عروقه أن رمسيس العظيم لم يكن يوماً رجلاً يستسلم للموت باكياً أو يلقي بضعفه على كاهل الصغار؛ إن هذا الطيف المنكسر ليس سوى تجسيد مشوه لخوفه الداخلي من الفشل والضعف.
استجمع الفتى كل ذرة من كبريائه الفرعوني الأصيل، ووقف بكامل قامته الممشوقة رغم الارتجاف الذي يضرب أطرافه. مسح دموعه بكم ثوبه الكتان الشاحب، ونظر بثبات حاد، وعينان تلمعان بجسارة غسلت عنها الأوهام، في عيني جده الفرعون العجوز، وقال بصوت يرتجف في بدايته لكنه سرعان ما استحال إلى نبرة قوية وجهورية زلزلت صمت البهو المهدم:
"أنا لستُ السبب في الخراب يا جدي... أنا لستُ اللعنة التي تحرق الوادي؛ بل أنا الأمل الأخير الذي سيحيي نسل رمسيس، وأنا النور الذي سيمزق عتمة بو باستيس ليعيد لأبي روحه الضائعة. لن أعود إلى الوراء، ولن أدع الظلال تملي عليّ أقداري!"
ومع الكلمة الأخيرة التي قذفها كالصاعقة الارتدادية في وجه الوهم، انطلق وهج ذهبي باهر من التميمة المعلقة في عنقه، فتمزق طيف رمسيس العجوز وتناثر كأوراق البردي المحروقة في الهواء، وتهاوت جدران البهو الحجري الوهمي لتكشف عن ممر جديد يتوغل بكثافة في عتمة العالم السفلي. خرج سي أوزير من هذه المواجهة وهو ينزف من أعماقه، مثقلاً بالتعب والجهد الدرامي الشديد الذي بذله للدفاع عن هويته وبراءته، لكن قلبه كان قد ازداد صلابة كحجر الجرانيت الأسود.
مشى أبعد في جوف الظلام الذي بدا وكأنه يزداد لزوجة وثقلاً على صدره النحيل مع كل خطوة يخطوها. فجأة، توقفت الأرض الحجرية تماماً، وتبدلت طبيعة الفراغ من حوله؛ إذ انبعثت في الأجواء رائحة دماء عتيقة ممتزجة بصدأ النحاس والكتان العفن، وتحولت الأرض تحت قدميه ببطء إلى بركة طينية لزجة تميل إلى الحمرة المستعرة. انشقت العتمة أمامه لتكشف عن وادٍ سحيق غامض، مليء بجحور حجرية صغيرة تشبه التوابيت المفتوحة، لتبدأ من هنا خطوط التحدي الرابع الأكثر سوداوية وغموضاً، حيث بدأت كائنات ضئيلة، باهتة النور لكنها مغلفة بظلال سوداء كثيفة، تخرج من تلك الجحور وتلتفت بنظراتها الخالية من الملامح نحوه.
انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم
وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح
وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت
تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا
وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق
كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث