Share

79

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-28 14:43:02

تبدد عطر المر والمسك الأسود المصاحب لطيف الساحرة "تابوبو" كأنه لم يكن سوى حلم لاهب تذروه الرياح، وعاد صقيع غياهب "الدوات" السحيقة ليلتف حول جسد الفتى "سي أوزير" من جديد. لم تتركه المتاهة ليلتقط أنفاسه المجهدة؛ فالتسارع العنيف للأحداث كان يطبخ له وادياً يختلف في ماهيته السحرية عن كل ما مر به من حصون. وجد الفتى نفسه يخطو فوق ممر ضيق من الحجر الرمادي البارد، وعن يمينه وشماله انشقت الأرض عن جدران شاهقة لا نهاية لارتفاعها، مصنوعة بالكامل من آلاف الشظايا للمرايا المشروخة التي تعكس الضوء الباهت للعالم السفلي في تموجات عشوائية تثير الدوار والاضطراب النفسي في وعي أي بشر يجرؤ على تخطي بوابتها.

كان اللغز السحري لهذا التحدي الخامس يستهدف سلاحاً باطنياً بالتربص: "الندم والشك في القرارات السابقة". فبمجرد أن نظر سي أوزير إلى تلك الشظايا المتناثرة، لم ير انعكاساً لجسده الممشوق، بل بدأت كل مرآة مشروخة تعرض له مشهداً حياً من ماضيه وح حاضره، لكن بعد تعديله بطريقة سوداوية تظهر عواقب الاختيارات التي اتخذها في التحديات الأربعة الماضية. رأى في المرآة الأولى أمه "تفنوت" وهي تبكي دماً في محراب معبد منف، تلومه وتصرخ بأن رفضه البقاء معها في التحدي الثاني قد عجل بوفاتها، ورأى في مرآة أخرى جده الفرعون "رمسيس" وجسده يلتهمه الدود في قبره المظلم وهو يلعن حفيده الذي ادعى أنه الأمل بينما كان هو أصل الخراب.

تداخلت الأصوات والنحيب المنبعث من جنبات الوادي، وتحولت الحروف والكلمات السحرية إلى طلاسم قديمة تتردد في ذهنه كأنها همس الأفاعي الكامنة في الجدران. كانت الرؤى تتدفق بغزارة مروعة، تظهر له والده الأمير "خع إم واست" وهو يصرخ في عتمة سجن اللعنة، معاتباً ابنه قائلاً: "لماذا تأخرت يا سي أوزير؟ كل خطوة تخطوها في هذه المتاهة تزيد من عذابي، وكل تحدٍ تظن أنك تنتصر فيه إنما هو مسمار جديد يدق في نعش روحي الضائعة." كان الخوف والذنب يتدفقان في شرايين الفتى كالسم البطء، وشعر بقدميه النحيفتين تلتصقان بالأرض الحجرية الباردة، وكأن كبرياءه وثباته الفرعوني الأصيل قد تفتتا بالكامل تحت وطأة التشكيك في صدق دوافعه وجدارة مسعاه.

استمر هذا الصراع النفسي الشرس لعدة ساعات طويلة ومؤلمة وسط الصمت المطبق للوادي، حيث كان سي أوزير يرى ذكرياته تتشوه أمامه ألف مرة في دقيقة واحدة. تداخلت في وعيه وجوه أمه وجده وأبيه، وكل انعكاس في تلك الشظايا الحادة كان يصرخ في وجهه بنبرة مفعمة بالمرارة، متهمة إياه بالأنانية والغرور، وبأنه يركض وراء مجد لامرئي بينما يترك وراءه رماد أسرته ومستقبل الوادي. كان يشعر بالذنب يأكله حياً، كأن خناجر صغيرة مصنوعة من زجاج المرايا تنبت من أعماق عقله وتخترق جسده المفتول، محاولة إجباره على الاستسلام والتراجع، أو البقاء متجمداً في مكانه حتى تأكله الظلال وتحوله إلى شظية أخرى من شظايا الندم.

بكى الفتى بحرقة شديدة هزت أركان الممر الضيق، وجثا على ركبتيه فوق الحجر البارد، ولم يعد قادراً على إغلاق عينيه لأن الصور كانت تنضح مباشرة إلى داخل بصيرته. شعر بتعب قاتل يثقل صدره النحيل، وكاد يستسلم تماماً ويقبل بحقيقة الكوابيس التي تعرضها المرايا، معلناً فشله وضعفه أمام ثقل الأقدار الملكية. لكن، في اللحظة التي كادت روحه تنقسم فيها وتنهار حصونه الروحية بالكامل، تذكر ومضة الضياء الفيروزي التي حررته من غواية تابوبو، وتذكر الكلمات الأخيرة التي نطق بها لجده وأمه؛ إن الوفاء والقرابين التي قدمها من طمأنينته ونقائه لم تكن طلباً للمجد، بل كانت مدفوعة بعشق جارف وخالص لعائلته.

استجمع سي أوزير كامل قوته العقلية وصلابته الفرعونية الأصيلة، وانتصب بكامل قامته الممشوقة رغم الارتجاف العنيف الذي يضرب أطرافه. ونظر بثبات حاد لتمزق الأوهام، وصرخ بصدق يزلزل أرجان عالم الدوات السحيق:

"كل ما رأيته هو وهم نسجته الظلمة لتسرق عزمي! دموع أمي هي دافعي، وكبرياء جدي هو درعي، وعذاب أبي هو طريقي الذي لن أحيد عنه. أنا لستُ نادماً، ولستُ خائفاً... أنا الابن الذي سيجمع شتات العرش!"

ومع هذه الكلمات الحاسمة، انطلق وهج ذهبي باهر وقاصف من التميمة المعلقة في عنقه، فارتد كالصاعقة الارتدادية ليضرب جدران الوادي. وبصوت مدوٍّ زلزل غياهب العالم السفلي، تحطمت آلاف المرايا المشروخة دفعة واحدة، وتناثرت في الفراغ كغبار باهت التهمته العتمة، وانفتح أمامه الممر نحو العتبة التالية. خرج سي أوزير من هذا التحدي الخامس وهو يرتجف بشدة، وأنفاسه لاهفة متسارعة، وروحه تنزف من فرط الجهد النفسي والدرامي الذي بذله، لكن خطاه باتت أكثر رسوخاً وثباتاً.

مشى أبعد في جوف الظلام المثقل بالهموم، وفجأة، تبدلت الأجواء من حوله تماماً لتبدأ معالم التحدي السادس؛ إذ توقفت الأرض الحجرية وتصاعدت من الأعماق ترانيم جنائزية قديمة ممتزجة بصوت تدفق ماء أسود لزج، لتنشق العتمة أمام عينيه عن نهر من الظلال السائلة العنيفة، نهر "الأرواح المنسية" الذي يجب عليه عبوره دون مركبة، حيث بدأت وجوه مألوفة من كاهنة منف الراحلين تطفو فوق السطح، وتنظر إليه بعيون زجاجية فارغة تطلب منه أن يهبها جسده الفتي لتعود إلى عالم الأحياء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status