Home / الرومانسية / ظلُّ الرغبة / ظلّ الماضي الذي لا يموت

Share

ظلّ الماضي الذي لا يموت

Author: النحال
last update publish date: 2026-02-15 03:36:28

بعد المواجهة المشحونة بين ياسين وسامر في موقف السيارات، كان الليل يهدأ ببطء، والمدينة تتلألأ بأضواء الشوارع المنعكسة على الأسفلت المبلل.

ياسين عاد إلى شقته، قلبه ما زال ينبض بعنف، عينه تتذكر كل كلمة قالها سامر، وكل نظرة حادة تحمل تحديًا.

لكنه لم يكن يعلم أن الليلة لن تنتهي بهذا التوتر فقط.

في صباح اليوم التالي، وصل البريد للشركة.

ظن ياسين أنه مجرد أوراق عادية، لكنه توقف عند ظرف غير مألوف، مكتوب عليه:

"ياسين… الحقيقة التي لم يخبرك بها أحد."

لم يكن هناك اسم مرسل. فقط عنوان الشركة القديمة لوالده، تلك الشركة التي باعها منذ سنوات قبل وفاته.

فتح الظرف بحذر، قلبه يتسارع.

داخله صور وأوراق ورسائل.

كان أول ما رآه صورة قديمة لوالده مع رجل آخر، يبدو أن هناك علاقة سرية بينهما. توقيت الصورة يعود لعشر سنوات قبل وفاته، والاسم المدوّن على الخلفية: كريم.

ياسين شعر بتشنج غريب.

ثم بدأ يتصفح الرسائل القديمة… واحدة تلو الأخرى، تكشف عن اتفاقيات سرية بين والده وكريم، حول مشاريع مشتركة، وشراكات مالية، وحتى أسرار شخصية عن ليلى قبل أن تتزوج الأب.

كانت الرسائل واضحة: هناك شخص ثالث من الماضي يعرف كل شيء عن علاقته بليلى، عن اختياراته السابقة، وعن أسرار والده التي لم تُكشف من قبل.

وفجأة، شعر ياسين بوجود شيء آخر في الظرف: بطاقة صغيرة مكتوب عليها:

"أحيانًا، الماضي يعود ليذكرك أن ما تركته لم يُنسَ أبداً."

ارتجف.

كان يعلم على الفور أن هذا الشخص قديم… لكنه لم يكن يعرف هويته بعد.

ثم جاء الاتصال.

رقم مجهول.

رفع الهاتف.

صوت هادئ، مألوف، لكنه بعيد:

"أهلاً ياسين… لقد كنت تنتظر هذه اللحظة، أليس كذلك؟"

تجمد ياسين.

"من هذا؟" قال بصوت متماسك، رغم أن قلبه كان يضرب في صدره كأنه يريد الخروج.

ابتسم الصوت في الهاتف، رغم أنه لم يرَ شيئًا.

"من الماضي… ومن يعرف كل شيء عنك وعن كل ما حدث منذ البداية."

أغلق الهاتف.

جلس ياسين على مكتبه، محاولًا هضم الحقيقة.

لم يكن هذا مجرد تهديد…

لم يكن هذا مجرد شخص يريد اللعب بعاطفة ليلى أو السيطرة على الشركة…

كان هذا شخص يعرف كل خيوط اللعبة، من أول نظرة خيانة، إلى أول تضحية، إلى أول ابتعاد.

وفجأة أدرك: كل تحركات سامر، كل ابتسامة هادئة، كل تدخل في حياة ليلى، لم تكن بريئة.

كان هناك من يراقب منذ البداية… ويعيد ترتيب الطاولة الآن.

تساءل: هل هذا شخص من عائلة الأب؟

أو شريك قديم يعرف أسرار والده؟

أو ربما شخص يعرف تفاصيل العلاقة بينه وبين ليلى قبل أن تصبح علنية؟

الرسائل والصور والاتصال شكلوا فجوة كبيرة في الواقع الذي بناه لنفسه خلال السنوات الماضية.

عاد إلى نافذة مكتبه، ينظر إلى المدينة، يشعر أن كل خطوة كان يظن أنها مستقلة عن الماضي، كانت في الحقيقة تحت مراقبة أحدهم طوال الوقت.

ثم قرر أنه لن ينتظر.

"إذا كان الماضي سيعود ليهدد كل شيء… فسأواجهه مباشرة."

كانت هذه المرة ليست مواجهة مع سامر، ولا مع نفسه، ولا مع ليلى.

كانت مواجهة مع شخص يعرف كل شيء… ويريد أن يختبر قوة إرادته ووفاءه، بطريقة لم يتوقعها أبداً.

وفي الخارج، المدينة الممطرة تعكس أضواء الشوارع، كأنها تحذر من العاصفة القادمة، من الحرب التي ستشعل الماضي في الحاضر، وتعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

ياسين شعر لأول مرة منذ سنوات أن قلبه لا ينبض فقط بالحب أو الغيرة…

بل بالخوف، والإثارة، والغضب، وكل شيء دفعة واحدة.

كانت لعبة جديدة قد بدأت…

والقواعد لم تُكشف بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظلُّ الرغبة   حين يصبح الحب ذكرى

    مرّت ستة أشهر… لكنها لم تكن مجرد وقت.كانت مسافة.مسافة بين ما كانوا عليه… وما أصبحوا عليه.ياسين خرج من كل شيء.القضية انتهت.الحكم صدر.العالم عاد إلى شكله الطبيعي.لكن داخله… لم يعد طبيعيًا.لم يعد ذلك الرجل الذي يندفع خلف مشاعره دون تفكير، ولا ذلك الشاب الذي يرى الحب كقوة قادرة على هزيمة كل شيء.تعلم درسًا قاسيًا:أن الحب… لا يكفي دائمًا.كان يعيش أيامه بهدوء غريب.يستيقظ مبكرًا.يذهب إلى عمله.يتحدث عندما يجب… ويصمت عندما لا يجد ما يُقال.الناس حوله لاحظوا التغيير.قالوا إنه أصبح أكثر نضجًا.أكثر اتزانًا.لكن الحقيقة كانت أبسط… وأقسى:هو فقط… أصبح فارغًا من الداخل.في بعض الليالي، كان يجلس وحده، ينظر إلى المدينة من نافذته.الأضواء البعيدة… السيارات… الحياة التي تستمر.وكان يسأل نفسه سؤالًا واحدًا:"هل كان يستحق؟"لا يجد إجابة.فقط… صمت.أما ليلى…فلم تهرب فقط.بل اختفت بإرادتها.اختارت مدينة أخرى، حياة أخرى، دائرة جديدة لا تعرف شيئًا عن ماضيها.غيرت أسلوبها، عملها، حتى طريقتها في الحديث.كانت تحاول أن تبدأ من جديد… كأنها تمحو فصلًا كاملًا من حياتها.لكن بعض الأشياء… لا تُمحى.في

  • ظلُّ الرغبة   الوجه الذي لم يخطر ببال أحد

    الصمت في المصنع أصبح خانقًا.الجميع يحدق في الرجل المقيّد… ينتظر الكلمة التي ستغيّر كل شيء.ياسين شعر أن قلبه لم يعد يحتمل صدمة أخرى.لكن رغم ذلك… قال:"من هو؟"ابتسم الرجل ببطء… ابتسامة مليئة بالانتصار."الشخص الذي أنهى كل شيء تلك الليلة… لم يكن بعيدًا."اقترب سامي خطوة."تكلم."لكن الرجل لم ينظر إليه.نظر مباشرة إلى… ياسين."بل كان أقرب مما تتخيل."تجمّد."لا تلعب معي."ضحك الرجل."أنا لا ألعب… أنا أنهي اللعبة."ثم قال بوضوح:"أنت."الصمت انفجر."ماذا؟!" صرخ ياسين.ليلى تراجعت خطوة، وجهها شاحب.سامر عقد حاجبيه بقوة.سامي قال بحدة:"هذا هراء."لكن الرجل أكمل:"ليلة وفاة والدك… عدت إلى المنزل."توقف قلب ياسين.ذكريات… ضبابية… بدأت تتحرك."كنت غاضبًا. رأيت التوتر. سمعت جزءًا من الحديث بينه وبين ليلى."تنفس ياسين بصعوبة."لا…""اقتربت. بدأ النقاش. والدك كان منهارًا… وأنت كنت غاضبًا."صوت الرجل أصبح أكثر هدوءًا… لكنه أخطر:"دفعتَه."العالم توقّف."لا!"لكن الصورة بدأت تتضح…ذاكرة مشوشة… صراخ… يد تتحرك…جسد يسقط."سقط على الطاولة… ثم الأرض."ركب ياسين ضعفت."كنت في حالة صدمة. لم تفهم ما ح

  • ظلُّ الرغبة   بين الذنب والبراءة

    الصمت بعد كلمات ليلى لم يكن عاديًا.كان كأنه نهاية شيء… وبداية شيء أخطر.ياسين لم يتحرك.لم يصرخ.لم يغضب.فقط… نظر إليها.نظرة لم تعرفها من قبل."قولي كل شيء."صوته كان هادئًا… بشكل مخيف.ارتجفت ليلى.يدها ما زالت ترتعش من آثار القيود، لكن ما كان يخيفها أكثر… هو نظرة ياسين.تنفست ببطء، ثم بدأت:"قبل زواجي من والدك… كنت أمرّ بمرحلة صعبة. عائلتي كانت تمر بأزمة مالية كبيرة."سامي وسامر تبادلا نظرة صامتة.أكملت:"هذا الرجل…" وأشارت إلى المختطف،"كان صديقًا لوالدي. عرض مساعدتنا. قال إنه يستطيع حل كل مشاكلنا… مقابل أن أساعده في بعض الأمور البسيطة."تجمّد قلب ياسين."أي نوع من الأمور؟"خفضت عينيها."تحويلات مالية… استخدام اسمي في بعض الحسابات… توقيع أوراق لم أفهمها بالكامل."الغضب بدأ يظهر في عيني ياسين."وأنتِ وافقتِ؟"دموعها نزلت."كنت خائفة… ومكسورة. لم أفكر بعواقب."صمت.ثم أضافت بصوت ضعيف:"ثم جاء زواجي من والدك… واعتقدت أن كل شيء انتهى."لكن الرجل المقيّد ضحك."انتهى؟" قال بسخرية."أنتِ كنتِ أهم جزء في الخطة."صرخ سامي:"اصمت!"لكن الضرر وقع.نظر ياسين إليها ببطء."هل كنتِ تعلمين أن ا

  • ظلُّ الرغبة   حين يصبح الحب نقطة ضعف

    لم يكن الاتصال عاديًا.رنّ هاتف ياسين في ساعة متأخرة من الليل.رقم غير محفوظ.كان قلبه يعرف قبل أن يجيب… أن شيئًا سيئًا قد حدث.ردّ بصوت حذر:"ألو؟"صمت لثانيتين.ثم صوت رجل… بارد، ثابت:"ليلى معنا."توقّف الزمن."ماذا؟""إن كنت تريد رؤيتها مجددًا… فاستمع جيدًا."قفز ياسين واقفًا، أنفاسه تتسارع."إذا لمستموها—"قاطعه الصوت:"اهدأ… لا نريد إيذاءها. على الأقل… ليس الآن."البرودة في كلماته كانت أسوأ من التهديد."ماذا تريدون؟""الملف."نظر ياسين إلى الطاولة.ملف والده… الأدلة… التسجيل.كل شيء."وإذا أعطيته لكم؟""تأخذها… وننتهي.""وإذا لم أفعل؟"صمت قصير… ثم:"ستتعلم كيف يبدو الفقد الحقيقي."انقطع الخط.بعد دقائق… كان ياسين في طريقه إلى سامي.دخل المكتب بعنف."خطفوها."وقف سامي فورًا."من؟""نفس الرجل. يريد الملف."سكت سامي لثوانٍ، يفكر بسرعة."هذا سيء… جدًا.""لا تقل لي واضح!" صرخ ياسين.تنفس سامي بعمق."استمع. إذا أعطيناه الملف، سنفقد الدليل الوحيد. وإذا لم نفعل…""ليلى في خطر."الصمت.كان القرار مستحيلًا.جلس ياسين، يضع رأسه بين يديه.كل شيء عاد إليه دفعة واحدة:أول مرة رآها.القبلة ال

  • ظلُّ الرغبة   حين تتحول الحقيقة إلى تهديد

    لم يكن ياسين من النوع الذي يخاف بسهولة.لكن تلك الليلة… كان هناك شعور مختلف.شعور بأن هناك من يراقبه.غادر المقهى بعد مواجهته مع سامر، والليل كان هادئًا بشكل مريب.ركب سيارته، وأغلق الباب ببطء، ثم جلس للحظات دون أن يشغل المحرك.كلمات سامر كانت لا تزال تتردد في رأسه:"إذا سقطت أنا… لن أسقط وحدي."لم تكن مجرد جملة.كانت تحذيرًا.أدار المحرك أخيرًا، وانطلق في الشارع شبه الفارغ.بعد دقائق… لاحظ شيئًا.سيارة سوداء خلفه.في البداية لم يهتم.لكنها بقيت.انعطف يمينًا… انعطفت.خفف السرعة… خففت.زاد السرعة… لحقت به.قبض على المقود بقوة."ليس صدفة…"في شارع جانبي أقل إضاءة، حاول اختبارها.توقف فجأة.السيارة خلفه توقفت أيضًا.الصمت… ثقيل.ثم فجأة—انطلقت السيارة السوداء بسرعة نحوه.اتسعت عينا ياسين.ضغط على البنزين بقوة، وانحرف في اللحظة الأخيرة.اصطدمت السيارة الأخرى بحافة الرصيف بعنف.صوت احتكاك… شرر… ثم صمت.قلبه كان يضرب بجنون.لم ينتظر.انطلق بعيدًا.بعد عشر دقائق، كان واقفًا أمام شقته، يتنفس بصعوبة.يداه ترتجفان."لم يعد مجرد شك…"دخل الشقة، أغلق الباب بإحكام، وأخذ نفسًا عميقًا.ثم مباشرة…

  • ظلُّ الرغبة   البصمة التي لا تكذب

    لم ينم ياسين تلك الليلة.كلمات سامي كانت تتردد في رأسه بلا توقف.تحويل مالي باسم ليلى.تحقيق أُغلق فجأة.وشخص قريب… خائف من عودة الحقيقة.لكن أكثر ما أرعبه… نظرة سامر عندما دخل المكتب.لم تكن نظرة رجل مصدوم.كانت نظرة رجل يعرف.في صباح اليوم التالي، عاد ياسين إلى الشركة القديمة التي كانت ملكًا لوالده. المبنى كان شبه مهجور، الطوابق العليا مغلقة منذ سنوات.كان يحمل مفتاحًا قديمًا احتفظ به دون سبب واضح… ربما لأن جزءًا منه لم يصدق أبدًا رواية “الأزمة القلبية”.الغبار كان يكسو الأثاث.الهواء ثقيل، كأنه يحتفظ بأسرار.اتجه مباشرة إلى مكتب والده السابق.فتح الأدراج واحدًا تلو الآخر… ملفات قديمة، عقود، أوراق لا قيمة لها.ثم لاحظ شيئًا غريبًا.درج جانبي لم يكن يُفتح بالكامل.ضغط بقوة… فصدر صوت خافت، وانفتح تجويف صغير خلفه.داخله… جهاز تسجيل صغير قديم.تجمّد.ضغط زر التشغيل.صوت والده خرج متقطعًا، لكن واضحًا:"إذا كنت تسمع هذا يا ياسين… فهذا يعني أنني لم أتمكن من حل الأمر."توقف قلبه.أكمل الصوت:"اكتشفت خيانة داخل الشركة. ليس مالية فقط… بل أخلاقية. شخص كنت أعتبره كابني… استغل ثقتي."يد ياسين بد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status