로그인هزّت لينا رأسها بهدوء ليوسف قائلةً: "لا شيء، فقط أعاني من الأرق، فطلبت من الطبيب أن يصف لي جرعة إضافية من الدواء."مدّ يوسف يده ليأخذ الدواء من يد لينا، لكنها تجنّبته قائلةً: "هذا أمر بسيط، يمكنني التعامل معه."لم يطرح يوسف أي أسئلة أخرى، لكنه ظلّ ينظر إلى الورقة الذهبية في يدها، لم يرَ الكلمات والملاحظة المنقوشة على ظهر الورقة من بعيد، كل ما عرفه هو أن رجلاً طلب من فتاة صغيرة إيصالها إليها.لم ترغب لينا في الحديث عن هذا الأمر، ولم يكن بوسع يوسف أن يسألها، لذا لم يكن أمامه سوى التظاهر بأنه لم يرَ شيئًا. ففي النهاية، كان واجبه حماية سلامة لينا الشخصية؛ أما الأمور الخاصة الأخرى فلا تعنيه.بينما كانت لينا تستدير حاملةً الدواء، رأت بهجت بنفس طول أنس، واقفًا ويداه في جيبيه عند مدخل ردهة المستشفى، وظهره إلى الضوء، وكأنه ينتظرها.توقفت للحظة، ثم تقدمت نحوه، فقال بهجت بهدوء: "اركبي سيارتي."ترددت لينا للحظة قبل أن تتبعه إلى الخارج، وقبل أن تصعد، حاول يوسف اللحاق بها، لكن بهجت أوقفه، وكاد الخلاف يتصاعد بينهما، لولا أن لينا أوقفت ذلك: "يوسف، انتظرني خارج السيارة."لم يكن أمام يوسف سوى الوقوف عند
غادرت لينا المستشفى وهي تحمل التقرير، وبينما كانت تنظر إلى حركة المرور الصاخبة في الخارج، لم تعد تعرف إلى أين تذهب.بعد أن وقفت هناك شاردة الذهن لفترة طويلة، استندت إلى الحائط وجلست ببطء على الدرجات. امتلأ عقلها الخاوي بصور أنس وهو يحتضنها ويقبلها ويخبرها أنه يحبها.تساءلت، لو كان أنس هنا، كيف سيكون رد فعله لو علم أنها حامل؟ هل ستذوب ملامحه الجامدة فرحًا، أم أنه كأي أب سيغمره الفرح ويحملها بين ذراعيه؟لم تستطع تخيل تعابير وجه أنس، وكل ما عرفته أنها تفتقده بشدة. لم يكن ذلك الشوق حلوًا؛ بل كان مؤلمًا، كوجع خفيف في أعماقها، كألم فقدان الحبيب.كانت وحيدة، تنظر إلى الناس الذين يعبرون الطريق، متمنيةً بشدة أن يأتي إليها أنس، صاحب الهيبة التي فاقت الجميع، متألقًا كضوء النجوم...لكن رغم نظراتها المتلهفة، لم يظهر ذلك الشخص المألوف من ذاكرتها. كان كل ذلك مجرد أمنية. فخفضت عينيها بخيبة، ونظرت إلى التقرير في يدها. أيهما تختار الطفل أم أنس؟وبينما كانت أفكارها تتسارع، قفزت نحوها فتاة صغيرة في الخامسة من عمرها تقريبًا وجذبت ذراعها."أختي، طلب مني عمي أن أعطيكِ هذه."نظرت لينا إلى الطفلة، ثم خفضت نظره
لكن ما إن يعود المرء إلى طبيعته، حتى يتقبّل ما لا يستطيع تقبّله.لذا ما إن رأت كريمة العظام المكسورة، حتى أدركت بوضوح أن رامز قد مات، مات حقًا...حدّقت في العظام المكسورة طويلًا، ثم أبعدت بهجت المذهول ببطء، ووضعت قدميها على الأرض الباردة، ثم تشبثت بحافة سرير المستشفى، وجلست القرفصاء ببطء.بدت أصابعها النحيلة وهي تلمس العظام، وكأنها ترى مشهدًا مروعًا لراكز وهو يُبتلع من قِبل الأفاعي. حتى مجرد صورة عابرة كانت كافية لجعل كريمة ترتجف من الخوف...التقطت عظمة واحدة بأصابع مرتعشة، واحتضنتها إلى صدرها، ثم تجمّدت كتمثال، فاقدة القدرة على الكلام.كان اكتشاف أن حبيبها مات بطريقة مروعة ربما أكثر إيلامًا من مجرد معرفة خبر وفاته؛ كان الأمر أشبه بانهيار العالم، وهي ترغب في إنقاذه، لكنها عاجزة عن ذلك.وهكذا كانت كريمة في تلك اللحظة، عاجزة حتى عن البكاء، تحتضن العظام المكسورة، فاقدة كل إحساس وكلام، تجلس على الأرض بجمود، كدمية خزفية على وشك التحطّم…وبينما كانت لينا تشاهد تحول كريمة من الألم إلى الجنون ثم إلى الصمت، انقبض قلبها بشدة. وقفت هناك لبرهة قبل أن تتقدم، راكعة أمام كريمة، ومدت يدها لتداعب شعرها
أرادت مريم البقاء مع لينا، ولم ترفض لينا ذلك، فهي تعلم أن من حولها، في مثل هذه اللحظات، لا يملكون سوى أن يرافقوها بصمت ويمنحوها بعض العزاء.لم تبكِ ولم تُثر ضجة، بل بقيت هادئة تاركةً مريم تعتني بها. كانت تُساعد جنة في واجباتها المدرسية بين الحين والآخر؛ كل شيء بدا طبيعيًا كما في السابق، بلا أي اختلاف.حتى العم أشرف ويوسف ظنّا أن لينا ستتجاوز حزنها تدريجيًا، وكان هذا بمثابة راحة لهما، فقد فقدا سيدهما، وكان مصدر قوتهما الوحيد المتبقي هو سيدتهما.وبعد أن خفّت حدة قلق الجميع، حملت لينا جرة رامز وذهبت إلى المستشفى.فمنذ أن أدركت كريمة وفاة رامز، أُصيبت بالمرض وأصبحت تعتمد على التغذية الوريدية.وفي اللحظة التي ظهرت فيها لينا حاملة جرة الرماد، انهمرت دموع كريمة من جديد، رغم أنها كانت قد توقفت عن البكاء.لكن هذه المرة، لم تندفع لضرب لينا أو لومها كما في السابق؛ بل بكت بصمت.كتمت لينا ألمها المبرح، وسارت نحو سرير كريمة وسلمتها الجرة الثقيلة التي تحوي رماد رامز."كان خطيبكِ، ولا بد أن يعود إليكِ في النهاية."أمسكت كريمة الجرة بأصابع مرتعشة، وكأنها تداعب حبيبها، تلامس أطراف أصابعها الدافئة سطحها
أومأ يوسف برأسه، وطلب منها أن تطمئن وتنتظر أنس في المنزل، فقالت جنة بوعيٍ يفوق سنّها: "سأبقى في المنزل بالتأكيد وأنتظر عودة عمي بطاعة. لقد وعدني بالبقاء معي حتى أكبر، ثم يسلّمني بيده يوم زفافي."إيمان الأطفال بسيط، ويسهل طمأنتهم، لكن يوسف لم يستطع خداع نفسه، رفع رأسه ونظر إلى الشمس الهابطة خلف الجبل، متمنيًا أن يكون السيد فراس كالغروب، يختفي ليعود ويشرق مع الفجر.بقي مع الطفلة، ينتظر بصمت خروج من في الداخل. ثم توقفت سيارة في الخارج، ولم يستفق العم أشرف الذي كان يحرس الباب، من شروده إلا عندما سمع صوت البوق.أجبر جسده المسن على الوقوف ونظر إلى الشخص في السيارة، وبعد أن تعرف عليه، مد العم أشرف يده المرتعشة وضغط زر المرور.كان هذا اليوم استثنائيًا، فقد منحت لينا الخدم إجازة، لكن العم أشرف الذي رافق أنس لسنوات طويلة، لم يعد مجرد خادم، بل فردًا من العائلة، لذا تولّى حراسة البوابة بنفسه.مع أن العم أشرف مثل يوسف، كان قد خمن وفاة أنس، إلا أنه التزم بوصيته الأخيرة: أن يكرس حياته لرعاية لينا وحمايتها.لذا، ورغم أن حزنه كان طاغيًا ويؤثر على جسده المنهك، بقي العم أشرف داخل جزيرة الجوهرة، يرافق سيد
بعد رحيلهم، انهارت لينا على الأريكة، وفي عينيها الخاويتين لم يكن هناك سوى شعورٍ عميق بانعدام الرغبة في الحياة."معتز، أحتاج إلى بعض الوقت بمفردي."تسلل صوت خافت عبر غرفة المعيشة الباردة، يحمل في طياته الوحدة والبرودة واليأس.وقع نظر معتز على وجهها المنتفخ قليلًا، فتح فمه وكأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه في النهاية لم ينطق بكلمة.تلاشت خطواته الثقيلة كأنها من حديد، وبقيت لينا وحدها في ذلك المنزل الواسع.كانت كنسيم عليل في وحدتها، خفيفة لدرجة أنها تكاد لا تُرى، حتى أنفاسها كانت شبه معدومة...بعد أن استندت إلى الأريكة لوقت طويل، رفعت عينيها المثقلتين ونظرت إلى الشمس وهي تغرب من النافذة... ما زال النور موجودًا، والعالم ما زال يدور، فقط حبيبها أنس قد رحل.لم يستطع أحد أن يتفهم مشاعرها في تلك اللحظة، ولن تستخدم لينا مشاعرها للتأثير على أحد.جلست هناك شاردة الذهن، تحدق بيأس وتستشعر بهدوء ألم فقدان أنس.لم تدرك كم من الوقت قد مر حين فُتح الباب مجددًا، وتسللت أشعة الشمس الغاربة من الأرض...وقف سعيد ممسكًا بيد مريم عند المدخل، يحدق في تلك الهيئة المنكمشة على نفسها، غارقة في أفكارها لوقت طويل.أخير






