Share

الفصل 4

Author: الشجرة الباسقة
اشتدّ الدخان، واستنشقته حتى بدأ وعيها يتلاشى.

عضّت على أسنانها وتمسّكت بالجدار ونهضت متمايلةً نحو الباب.

لكن الباب كان مسدودًا بعارضة سقطت مشتعلةً، لا مخرج منه.

نظرت رنا إلى تلك العارضة المحترقة بيأس، ثم استدارت نحو النافذة.

دفعتها ففاجأها هواء بارد أعاد إليها بعض الوعي.

أطلّت من الأعلى، فرأت أيمن يندفع خارج الفيلا حاملًا الكلب، وفاتن تنقضّ عليه باكيةً.

"أيمن حبيبي! أفزعتني! ظننت أن ثلج سيموت في الداخل... هذا الكلب الذي ربّيناه سنوات طويلة، إنه شاهد حبّنا..."

تصلّب جسد أيمن للحظة، وبدا أنه أراد أن يبتعد، لكنه رأى دموعها الغزيرة، فرفع يده أخيرًا وربّت على ظهرها وهمس مواسيًا: "لا تبكي، انتهى الأمر، الكلب بخير وأنت بخير."

رأت رنا هذا المشهد، فكأن يدًا باردة قبضت على قلبها ثم أطلقته فجأةً، ولم يبق إلا فراغ أصمّ لا حدود له.

لم تعد تنتظر أحدًا.

تسلّقت حافة النافذة، وأخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عينيها، وقفزت.

كان السقوط قصيرًا جدًّا، لم يمهلها حتى تخاف، حتى ارتطمت بالأرض بثقل.

"طاخ..."

اجتاح الألم جسدها كلّه، فاستلقت على الأرض وانتشر الدم الدافئ تحتها.

"آه! السيدة! السيدة قفزت من الطابق العلوي!"

صرخت الخادمة، فالتفت أيمن فجأةً.

رأى رنا غارقةً في بركة دم.

"رنا!!!"

كان في وجهه ما لم تره رنا قطّ من قبل: ذهول، وعدم تصديق، وشيء يشبه... الهلع.

نظرت إليه رنا، وفتحت فمها تريد أن تقول شيئًا، فلم يخرج منه إلا دم.

ثم فقدت وعيها تمامًا.

حين أفاقت، كانت رائحة المطهّر تملأ أنفها.

فتحت عينيها ورأت سقفًا أبيض.

تحرّكت فألمها جسدها كلّه، وخاصةً ساقها التي كانت تؤلمها بشدّة.

"رنا!" جاء صوت أيمن.

التفتت فرأته يحرس بجانب سريرها، وعيناه مليئتان بالاحمرار، وذقنه تعلوه خشونة زرقاء، وبدا منهكًا تمامًا.

أمسك بيدها وكان في صوته ارتجاف: "أفقت؟ كيف تشعرين؟ هل يؤلمك شيء؟"

لم تردّ على سؤاله، وبدلًا من ذلك، سحبت يدها من يده ببطء لكن بحزم.

تجمّدت يد أيمن في الهواء وتغيّر وجهه قليلًا.

ظنّ أنها غاضبة من الحريق والقفز، وأنها تلومه على عدم إنقاذها أولًا.

"رنا،" حاول الشرح وخفّض صوته، "حين دخلت الغرفة لم أرك، فظننت أنك خرجت بالفعل، لذا أخذت ثلج فقط، فهو ليس كلبًا عاديًّا، إنه..."

ماذا؟ إنه رمز حبّه لـفاتن؟ إنه شاهد ذكرياتهما الجميلة؟

"إن كنت في الغرفة، لماذا لم تنادي؟"

لماذا لم تناديه؟

رفعت رنا عينيها أخيرًا ونظرت إليه.

كانت عيناها سوداوين عميقتين، لا حقد فيهما ولا انتظار، فقط هدوء لا قرار له.

"لأنني لم أعد أنتظر منك شيئًا."

ارتجّ جسد أيمن كأن شيئًا ما ضربه بقوة، وتقلّصت حدقتاه وهو ينظر إليها بلا تصديق.

"ماذا تعنين... بلم أعد أنتظر؟"

سمع صوته جافًّا، وفي صدره شيء أفرغ فجأةً وتسرّبت منه ريح غريبة باردة.

نظرت إليه رنا بعيون هادئة كمن ينظر إلى غريب: "أعني ما قلته حرفيًّا. لا أنتظر منك أن تنقذني، ولا أن تختارني، ولا... أن تحبّني."

ارتجّ صدر أيمن وكاد يتكلّم، حين رنّ هاتفه.

كانت فاتن!

مشى إلى النافذة وأدار ظهره لرنا ورفع الخط.

لم تسمع رنا التفاصيل، لكنها رأت خطّ فكّه يشتدّ، وبدأ صوته بنبرة ضيق ثم انتهى بامتثال مكبوت وجملة "حسنًا."

حين أغلق الخط، عاد أيمن إلى جانب السرير ووجهه متكدّر، ونظر إليها وفي فمه كلام لم يخرج.

"اذهب." قالت رنا قبل أن يتكلّم، بنبرة تلك الهدأة المخيفة ذاتها، "أنا لا أحتاج أحدًا هنا حقًّا."

نظر إليها أيمن وفي صدره ثقل كالقطن المبلول يكاد يخنقه.

فتح فمه، وقال أخيرًا: "عند فاتن مشكلة، سأذهب لأتعامل معها، وسأعود سريعًا."

توقّف، ثم أضاف: "أعرف أنك تقولين هذا الكلام غضبًا مما حدث، لكن اطمئني، لن يتكرّر ذلك."

"بعد أيام ذكرى وفاة والدتك، سأرافقك للزيارة."

ارتجفت أهداب رنا الخافضة لحظةً.

"ذكرى وفاة أمي وعيد ميلاد فاتن في اليوم ذاته." ضحكت ضحكةً خافتة، "ألن تذهب لتحتفل معها؟"

لم يكن أيمن يتوقّع أن تثير هذا الأمر، فتصلّب وجهه لحظةً لا تكاد تلاحظ.

صمت لثوان، ثم أجاب متحاشيًا نظرها بنبرة متصنّعة: "عيد ميلادها... وما علاقتي؟"

ضحكت رنا مجدّدًا.

كيف لا علاقة له؟

خمس سنوات من الزواج، وفي كل عام في هذا اليوم كان أيمن "مشغولًا".

في السنة الأولى قال إنه في رحلة عمل، وفي الثانية قال إنه في اجتماع، وفي الثالثة قال إنه يلتقي عميلًا.

ثم علمت لاحقًا أن ذكرى وفاة أمّها وعيد ميلاد فاتن في اليوم ذاته.

وفي كل عام كان أيمن يطير لساعات طويلة إلى الخارج، ويقف أمام بيت فاتن ليلةً كاملة، ثم يترك هديةً ويرحل.

هذا العام عادت فاتن، فبات يراها وجهًا لوجه ويعبّر عن حبّه مباشرةً.

"آه، هكذا إذن."

ردّت رنا بهدوء ولم تضف شيئًا، وأغمضت عينيها من جديد، كأنها رفضت الحديث وبلغ بها التعب غايته.

أشعل هذا الموقف غضبًا في صدر أيمن لا يجد له متنفّسًا.

نظر إلى وجه رنا الشاحب وعينيها المغمضتين، وتقلّبت على لسانه جملة "لا شيء بيني وبين فاتن، لا تسيئي الفهم"، لكنها لم تخرج، وقال فقط: "استريحي، سأعود لأطمئنّ عليك لاحقًا."

ثم استدار ومضى مسرعًا من غرفة المستشفى.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 24

    انتهى التسجيل الصوتي هنا، ليعاد تشغيله تلقائيًا."أيمن، اليوم هو عيد ميلادك، لقد صنعت كعكة، وبانتظار عودتك لنأكلها معًا.""مهما تأخر الوقت، سأنتظرك."مرة تلو الأخرى.في تلك الأعياد التي لا تحصى والتي نسيها، كانت تجلس بمفردها تحرس قالب الحلوى، تنتظر حتى منتصف الليل، ثم حتى الفجر، وفي النهاية لم يكن أمامها سوى أن تأكل بمفردها، وبصمت، الكريمة الذائبة والخبز الذي أصبح جافًا وقاسيًا.أخذ أيمن يستمع، والدموع تتدفق بلا انقطاع من مآقيه الجافة.كان ينظر إلى السقف، وبدأت نظراته تتشتت وتفقد بريقها تدريجيًا، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا وبشكل خفيف للغاية.وكأنه تذكر شيئًا جميلًا للغاية.استجمع آخر ما تبقى له من قوة، وبصوت مبحوح يكاد لا يسمع، وجه بضع كلمات صامتة إلى الهواء، وإلى إطار الصورة البارد في حضنه، وإلى ذلك التسجيل الصوتي الذي يعاد تشغيله في حلقة مفرغة، ولن يلقى ردًا أبدًا."...رنا...""...عيد ميلاد سعيد..."كان صوته منخفضًا لدرجة لا تسمع، وسرعان ما تبدد في الهواء البارد.انزلق إطار الصورة من بين يديه، وسقط على اللحاف الناعم محدثًا صوتًا خافتًا.ومن الهاتف القديم، كان صوت رنا السعداوي العذب

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 23

    بعد مرور عدة سنوات.جزيرة خاصة في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط.أشعة شمس، ورمال ذهبية، ومياه زرقاء صافية، ومبان بيضاء ناصعة.كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة مرسومة على بطاقة بريدية.هنا أقيم حفل زفاف رنا السعداوي.كان الحفل صغيرًا ودافئًا، ولم يدع إليه سوى أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.كانت ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعًا، بتصميم بسيط وأنيق دون ذيل طويل، لكنه حدد خصرها النحيل وخطوط عنقها وكتفيها الجميلة ببراعة فائقة.وكانت طرحة زفافها ذات لون شمبانيا خفيف، تلمع ببريق ناعم تحت أشعة الشمس.وقفت تحت قوس من الزهور، ممسكة بباقة من زنابق الوادي البيضاء، وهي تبتسم بابتسامة مشرقة وساحرة.وكان يشع من عينيها فرح حقيقي وسلام لا يشوبه أي كدر.وقف العريس بجانبها مرتديًا بدلة بيضاء، وعيناه العميقتان ترمقانها بنظرات دافئة، تفيض بحب جارف يكاد ينطق من فرط عمقه.بدأ الكاهن يتلو عهود الزواج بصوت وقور."يا آنسة رنا، هل تقبلين السيد بسام الأنصاري زوجًا لك، لتسانديه وتعتني به وتحترميه، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، وتظلي وفية له ومخلصة طوال العمر حتى يفرقكما الموت؟"التفتت رنا ونظرت إل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 22

    حل خريف آخر.وأقيم حفل عشاء خيري كبير في قاعة الاحتفالات بأفخم فندق في وسط المدينة.وحضرت رنا الحفل كضيفة خاصة ومستشارة شرفية.وكانت "مؤسسة رنا الخيرية" التابعة لأيمن هي إحدى الجهات المنظمة لهذا الحفل.وقبل بدء الحفل، كان الممر الخلفي يعج بالناس، حيث يتنقل الموظفون والضيوف والصحفيون باستمرار.كانت رنا تتحدث بصوت منخفض مع مدير المؤسسة حول تفاصيل الكلمة التي ستلقيها على المسرح بعد قليل، بينما كانت تمشي باتجاه غرفة الاستراحة.وعندما انعطفت عند زاوية الممر، واجهت شخصًا يسير نحوها.كان نحيل الجسد، يرتدي بدلة سوداء ملائمة لكنها تبدو قديمة بعض الشيء، وشعره مصفف بدقة متناهية، ممسكًا بملف في يده وهو ينظر إليه برأسه المنحني.وفي الممر الضيق، تلاقت أعينهما فجأة دون سابق إنذار.رفع الرجل رأسه.التقت نظراتهما.وبدا وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة.تجمد أيمن في مكانه على الفور، مثل تمثال تجمد في لحظة.وسقط الملف من يده على الأرض بصوت حاد.حدق في الشخص الذي أمامه بشوق جارف، وكأنه يريد أن ينحت ملامحها في نخاع عظامه.لم يرها منذ عدة سنوات، وقد ازدادت جمالاً.لم يكن ذلك الجمال الضعيف للفتيات الذي يحتاج

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 21

    بعد بضع سنوات.انعقد المنتدى الدولي المرموق للترجمة في بلد أجنبي.واجتمع فيه نخبة من كبار المترجمين، والأكاديميين، والشخصيات السياسية البارزة من جميع أنحاء العالم.وبصفتها أصغر عضو مجلس إدارة شرفي وكبيرة المترجمين الفوريين، تمت دعوة رنا لإلقاء الكلمة الافتتاحية الرئيسية.وتحت أضواء تسليط الضوء، كانت ترتدي بدلة أنيقة بلون الأبيض اللؤلؤي، وقد رفعت شعرها الطويل بأناقة، كاشفة عن جبينها الناصع وعنقها الطويل الممشوق.وقفت خلف المنصة، تواجه الحشد الغفير وعدسات الكاميرات التي لا تحصى وهي تومض، وتحدثت بهدوء وثقة ودون أي توتر.كانت تتنقل بطلاقة بين الفرنسية والإنجليزية والصينية، طارحةً آراءً حادة ورؤى فريدة، مستشهدةً بالمصادر والأمثلة بكل سهولة ويسر.واثقة، وأنيقة، ومحترفة.فكانت بحق مركز اهتمام الجميع في القاعة بأكملها.وما إن أنهت كلمتها حتى دوت القاعة بتصفيق حار كالعاصفة، تواصل دون انقطاع.صعد باحث شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية داكنة ويتمتع بوقار العلماء إلى المسرح، حاملًا باقة من زهور الياسمين الأبيض، وقدمها إليها.وتبادلا الابتسام في انسجام وتفاهم تام.وتتعالى أصوات التقاط الصور من الحضور، لتس

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 20

    في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 19

    أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status