공유

الفصل 3

작가: الشجرة الباسقة
عادت رنا إلى البيت وحدها.

كانت الفيلا واسعةً وخاويةً وباردة، فخلعت حذاءها وصعدت إلى الطابق العلوي وبدأت ترتّب حقائبها.

في الحقيقة، كانت قد رتّبت معظمها خلسةً منذ فترة، ولم يتبق إلا الإنهاء.

أخرجت من الخزانة تلك الملابس التي تشبه أسلوب فاتن، وطوتها واحدةً واحدةً ووضعتها في الحقيبة.

لن ترتديها بعد اليوم.

جاء صوت فتح الباب من الأسفل.

عاد أيمن، لكنه لم يكن وحده.

وقفت فاتن عند أسفل الدرج، ولمّا رأت رنا، أشرق وجهها بابتسامة عذبة: "رنا، طال الغياب."

لم تردّ رنا شيئًا.

"فاتن تريد أن ترى ثلج." فتح أيمن الحديث بنبرة مصطنعة، "تقول إنها لم تره منذ زمن."

ثلج هو الكلب الذي اقتناه أيمن وفاتن حين كانا معًا، ثم حين سافرت فاتن إلى الخارج، بقي الكلب عند أيمن، وحين تزوّجت رنا منه، كانت هي من يعتني به.

"لا أبالي." استدارت رنا لتعود إلى غرفتها.

"ثلج! ثلج!" جثت فاتن على ركبتيها وصفّقت بيديها تستدعيه.

جرى نحوها كلب ساموييد أبيض من زاوية الغرفة، وحين رأى فاتن، انقضّ عليها بحماس وراح ذيله يدور كالمروحة.

"آه، ثلج لا يزال يتذكّرني!" احتضنت فاتن الكلب وعيناها تضحكان، "يبدو أنك رغم سنوات مع امرأة أخرى، لا تزال تعرف أمّك الحقيقية!"

كان في كلامها استفزاز واضح.

توقّفت رنا في مكانها.

عبس أيمن: "فاتن، حين هربت إلى الخارج دون كلمة واحدة ولم تأخذيه، فقدت كل حقّ في أن تكوني أمّه."

"لقد رأيته الآن، يمكنك العودة."

نفخت فاتن شفتيها: "الجوّ مظلم ومطير، أعود وحدي؟ هل يمكنني... أن أبيت هنا الليلة؟"

أراد أيمن الرفض.

لكن المطر كان ينهمر فعلًا، والرعد يدوّي.

نظر بلا وعي إلى رنا، يريد إقناعها بالموافقة، إذ كانت رنا في كل مرة تأتي فيها فاتن تثير المشكلات، ويحتاج إلى جهد لتهدئتها.

لكن هذه المرة، قبل أن يفتح فمه، تكلّمت رنا: "غرفة الضيوف في آخر الطابق الأرضي، الشراشف نظيفة. إن أردت البقاء فابقي."

ثم استدارت وعادت إلى غرفتها.

ذهل أيمن.

ذهلت فاتن أيضًا للحظة، لكنها سرعان ما ابتسمت وأمسكت بذراع أيمن: "أيمن حبيبي، ألا ترى؟ زوجتك وافقت."

نظر أيمن إلى باب رنا المغلق، وعاد إليه ذلك الإحساس الغريب.

نزع يده من يد فاتن: "تصرّفي بأدب."

رنّ هاتفه في تلك اللحظة، مكالمة عمل.

ألقى نظرةً على فاتن: "ابقي في مكانك ولا تحدثي مشكلة."

ثم ذهب إلى مكتبه.

بقيت فاتن وحدها في الصالة.

اختفت الابتسامة من وجهها فورًا، فمشت إلى باب رنا وطرقت.

فتحت رنا الباب.

اتّكأت فاتن على إطار الباب وتفرّست فيها: "تتظاهرين بالكرم؟ هل تظنّين أن إذنك لي بالبقاء سيجعل أيمن يرى فيك نضجًا؟ لن ينفع ذلك يا رنا. سأريك الآن كم أنت فاشلة؛ فطوال هذه السنوات لم تكسبي قلب أيمن، بل لم تكسبي حتى قلب كلب."

صفّرت فاتن، فأقبل ثلج.

"ثلج،" أشارت فاتن إلى رنا، "هيا، اعضضها."

تردّد الكلب لحظةً، لكن تحت إلحاح فاتن، انقضّ وعضّ ساق رنا.

لم تكن رنا تتوقّع ذلك، فصاحت بألم وشحب وجهها فجأةً!

ضحكت فاتن بشماتة: "أرأيت؟ حتى الكلب لا تستطيعين استئناسه، وتحلمين بانتزاع أيمن مني؟ استسلمي!"

أبردت الآلام والإهانة جسد رنا كلّه، لكنها عضّت على شفتيها بشدّة ولم تصدر صوتًا.

رفعت رأسها ونظرت إلى فاتن، وكان في عينيها برودة الجليد: "نسيت أن أخبرك يا فاتن، المناطق المشتركة في هذه الفيلا، بما فيها الدرج والممرات، تخضع لمراقبة على مدار الساعة، بالصوت والصورة."

"إن كنت تريدين البقاء الليلة واستئناف ما بينك وبين أيمن، فأنصحك بألا تتعرّضي لي مجدّدًا. وإلا سأعطيه التسجيلات مباشرةً. تظنّين أنه سيسمح لك بالبقاء بعدها؟"

تغيّر وجه فاتن.

لم تعد رنا تنظر إليها، استدارت ودخلت غرفتها وأغلقت الباب.

مشت إلى السرير وأخرجت من الدرج صندوق الإسعافات الأولية وضمّدت جرحها بنفسها.

كان المطهّر يلسع الجرح لسعًا حارقًا، لكن وجهها لم يتغيّر.

بعد أن انتهت، استلقت على السرير وأغمضت عينيها.

لم تعد كما كانت تفعل، تعدّ له الحليب الدافئ وتنتظره حتى ينتهي من عمله وتودّعه بالليل.

نامت مباشرةً.

في منتصف الليل، أيقظها دخان خانق.

فتحت عينيها والغرفة مليئة بالدخان يجعلها تسعل بشدّة.

قفزت من السرير وفتحت الباب، فإذا الممرّ يشتعل.

حريق!

تمسّكت بالجدار وتقدّمت خطوةً خطوةً، لكنها لم تقطع مسافةً طويلة حتى أضعفت من استنشاق الدخان الكثيف، فارتخت ساقاها وسقطت على الأرض.

كانت الأرض ساخنةً، وهي تكافح لتنهض، لكنها لم تجد قوةً.

وحين ظنّت أنها ستموت هناك، اندفع شبح عبر النيران.

كان أيمن!

كان يرتدي ملابس النوم ووجهه مسوّد بالدخان، يتلفّت بقلق في كل الاتجاهات.

أرادت رنا أن تناديه، لكن حنجرتها لم تصدر صوتًا من الدخان، فمدّت يدها لعلّه يراها.

لكن أيمن لم ينظر إليها، واندفع مباشرةً نحو زاوية الغرفة...

كان ثلج منكمشًا هناك يرتجف.

رفعه بين ذراعيه واستدار ومشى، دون أن يلتفت إليها مرةً واحدة.

نظرت رنا إلى ظهره وهو يختفي في النيران، فضحكت فجأةً.

ضحكت حتى سالت دموعها.

جاء لينقذ الكلب.

في قلب أيمن القريشي، هي لا تساوي حتى كلبًا!

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 24

    انتهى التسجيل الصوتي هنا، ليعاد تشغيله تلقائيًا."أيمن، اليوم هو عيد ميلادك، لقد صنعت كعكة، وبانتظار عودتك لنأكلها معًا.""مهما تأخر الوقت، سأنتظرك."مرة تلو الأخرى.في تلك الأعياد التي لا تحصى والتي نسيها، كانت تجلس بمفردها تحرس قالب الحلوى، تنتظر حتى منتصف الليل، ثم حتى الفجر، وفي النهاية لم يكن أمامها سوى أن تأكل بمفردها، وبصمت، الكريمة الذائبة والخبز الذي أصبح جافًا وقاسيًا.أخذ أيمن يستمع، والدموع تتدفق بلا انقطاع من مآقيه الجافة.كان ينظر إلى السقف، وبدأت نظراته تتشتت وتفقد بريقها تدريجيًا، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا وبشكل خفيف للغاية.وكأنه تذكر شيئًا جميلًا للغاية.استجمع آخر ما تبقى له من قوة، وبصوت مبحوح يكاد لا يسمع، وجه بضع كلمات صامتة إلى الهواء، وإلى إطار الصورة البارد في حضنه، وإلى ذلك التسجيل الصوتي الذي يعاد تشغيله في حلقة مفرغة، ولن يلقى ردًا أبدًا."...رنا...""...عيد ميلاد سعيد..."كان صوته منخفضًا لدرجة لا تسمع، وسرعان ما تبدد في الهواء البارد.انزلق إطار الصورة من بين يديه، وسقط على اللحاف الناعم محدثًا صوتًا خافتًا.ومن الهاتف القديم، كان صوت رنا السعداوي العذب

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 23

    بعد مرور عدة سنوات.جزيرة خاصة في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط.أشعة شمس، ورمال ذهبية، ومياه زرقاء صافية، ومبان بيضاء ناصعة.كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة مرسومة على بطاقة بريدية.هنا أقيم حفل زفاف رنا السعداوي.كان الحفل صغيرًا ودافئًا، ولم يدع إليه سوى أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.كانت ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعًا، بتصميم بسيط وأنيق دون ذيل طويل، لكنه حدد خصرها النحيل وخطوط عنقها وكتفيها الجميلة ببراعة فائقة.وكانت طرحة زفافها ذات لون شمبانيا خفيف، تلمع ببريق ناعم تحت أشعة الشمس.وقفت تحت قوس من الزهور، ممسكة بباقة من زنابق الوادي البيضاء، وهي تبتسم بابتسامة مشرقة وساحرة.وكان يشع من عينيها فرح حقيقي وسلام لا يشوبه أي كدر.وقف العريس بجانبها مرتديًا بدلة بيضاء، وعيناه العميقتان ترمقانها بنظرات دافئة، تفيض بحب جارف يكاد ينطق من فرط عمقه.بدأ الكاهن يتلو عهود الزواج بصوت وقور."يا آنسة رنا، هل تقبلين السيد بسام الأنصاري زوجًا لك، لتسانديه وتعتني به وتحترميه، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، وتظلي وفية له ومخلصة طوال العمر حتى يفرقكما الموت؟"التفتت رنا ونظرت إل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 22

    حل خريف آخر.وأقيم حفل عشاء خيري كبير في قاعة الاحتفالات بأفخم فندق في وسط المدينة.وحضرت رنا الحفل كضيفة خاصة ومستشارة شرفية.وكانت "مؤسسة رنا الخيرية" التابعة لأيمن هي إحدى الجهات المنظمة لهذا الحفل.وقبل بدء الحفل، كان الممر الخلفي يعج بالناس، حيث يتنقل الموظفون والضيوف والصحفيون باستمرار.كانت رنا تتحدث بصوت منخفض مع مدير المؤسسة حول تفاصيل الكلمة التي ستلقيها على المسرح بعد قليل، بينما كانت تمشي باتجاه غرفة الاستراحة.وعندما انعطفت عند زاوية الممر، واجهت شخصًا يسير نحوها.كان نحيل الجسد، يرتدي بدلة سوداء ملائمة لكنها تبدو قديمة بعض الشيء، وشعره مصفف بدقة متناهية، ممسكًا بملف في يده وهو ينظر إليه برأسه المنحني.وفي الممر الضيق، تلاقت أعينهما فجأة دون سابق إنذار.رفع الرجل رأسه.التقت نظراتهما.وبدا وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة.تجمد أيمن في مكانه على الفور، مثل تمثال تجمد في لحظة.وسقط الملف من يده على الأرض بصوت حاد.حدق في الشخص الذي أمامه بشوق جارف، وكأنه يريد أن ينحت ملامحها في نخاع عظامه.لم يرها منذ عدة سنوات، وقد ازدادت جمالاً.لم يكن ذلك الجمال الضعيف للفتيات الذي يحتاج

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 21

    بعد بضع سنوات.انعقد المنتدى الدولي المرموق للترجمة في بلد أجنبي.واجتمع فيه نخبة من كبار المترجمين، والأكاديميين، والشخصيات السياسية البارزة من جميع أنحاء العالم.وبصفتها أصغر عضو مجلس إدارة شرفي وكبيرة المترجمين الفوريين، تمت دعوة رنا لإلقاء الكلمة الافتتاحية الرئيسية.وتحت أضواء تسليط الضوء، كانت ترتدي بدلة أنيقة بلون الأبيض اللؤلؤي، وقد رفعت شعرها الطويل بأناقة، كاشفة عن جبينها الناصع وعنقها الطويل الممشوق.وقفت خلف المنصة، تواجه الحشد الغفير وعدسات الكاميرات التي لا تحصى وهي تومض، وتحدثت بهدوء وثقة ودون أي توتر.كانت تتنقل بطلاقة بين الفرنسية والإنجليزية والصينية، طارحةً آراءً حادة ورؤى فريدة، مستشهدةً بالمصادر والأمثلة بكل سهولة ويسر.واثقة، وأنيقة، ومحترفة.فكانت بحق مركز اهتمام الجميع في القاعة بأكملها.وما إن أنهت كلمتها حتى دوت القاعة بتصفيق حار كالعاصفة، تواصل دون انقطاع.صعد باحث شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية داكنة ويتمتع بوقار العلماء إلى المسرح، حاملًا باقة من زهور الياسمين الأبيض، وقدمها إليها.وتبادلا الابتسام في انسجام وتفاهم تام.وتتعالى أصوات التقاط الصور من الحضور، لتس

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 20

    في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 19

    أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status