Se connecterعادت مريم إلى القصر متسللة في الصباح الباكر دون أن يشعر بها أحد من أفراد العائلة، ودلفت إلى جناحها وهي تنفس الصعداء، ظانة أن سرها مع تاليا قد دُفن خلف أسوار بناية صديقتها نوال، وأنها تخلصت أخيرًا من وجود تلك الفتاة التي باتت تثير ريبتها. في المقابل، كان نبيل يمر بحالة من الجنون المكتوم؛ فقد حاول الاتصال بهاتف تاليا عشرات المرات، وفي كل مرة كان يأتيه الصوت الآلي البارد ليعلن أن الهاتف "مغلق أو خارج نطاق الخدمة". توجه إلى الملحق مرة أخرى، فتش الزوايا،بحث عن أي خيط، لكنها مسحت كل أثر وراءها وكأنها لم تكن يوماً هنا.في هذه الأثناء، كانت تاليا قد حسمت أمرها بالبدء في أولى خطوات البحث الفعلي. تركت والدتها منار في الشقة الجديدة لتستريح، واستقلت حافلة متجهة نحو المستشفى الحكومي الذي نُقلت إليه والدتها قبل واحد وعشرين عاماً، والذي يبعد مسيرة ساعة كاملة عن مكان إقامتها الحالي. كانت دقات قلبها تتسارع كلما اقتربت من المبنى القديم ذي الجدران الباهتة. دلفت إلى الداخل، واستفسرت عن قسم الأرشيف، فأرشدوها إلى طابق سفلي تحت الأرض، حيث تفوح رائحة الأوراق القديمة والرطوبة، ويتم الاحتف
قالت تاليا لمريم بنبرة رجاء: "أريد أن أطلب منكِ شيئاً يا مريم هانم.. رجاءً خاصاً".ردت عليها مريم بلطف: "تفضلي يا تاليا، قولي ما تشائين".تابعت تاليا وهي تنظر حولها بحذر: "لا أريدكِ أن تخبري أحداً في القصر بأمر رحيلي أو بمكان الشقة الجديدة، حتى نبيل بيه.. لا تخبريه بأي شيء أرجوكِ، أريد أن أنسحب في هدوء دون إثارة أي مشاكل مع أحمد بيه وسعاد هانم".أومأت مريم برأسها تفهماً لظروفها وقالت: "لكِ ما تريدين، لن يعلم أحد. سأقابلكِ غداً في الصباح الباكر جداً، قبل الفجر، سأنتظركِ بسيارتي خلف البوابة الخلفية لتقلّكِ أنتِ ووالدتكِ إلى هناك". ابتسمت لها تاليا بامتنان شديد وشكرتها من أعماق قلبها على هذه الفرصة التي جاءت كطوق نجاة.وفي وقت متأخر من ذلك اليوم، وبعد انتهاء ساعات العمل الشاقة، كانت تاليا عائدة إلى الملحق بخطوات مثقلة، وفجأة ظهر نبيل من بين ظلال الأشجار الكثيفة. استوقفها وأمسك ذراعها بخفة مقتاداً إياها إلى زاوية معتمة بعيداً عن مرأى وعيون الحراس. نظر في عينيها بعتب وشغف وقال بصوت خافت حاد: "لماذا تفعلين هذا يا تاليا؟ منذ آخر مرة كنا بها معاً في الصحراء وتلك الليلة الحا
سرحت تاليا بخيالها مع مسار سيارة الإسعاف في تلك الليلة المظلمة قبل واحد وعشرين عاماً، وتجسد أمامها سيناريو مرعب جعل الدماء تتجمد في عروقها؛ تخيلت الممرض وهو يلتفت للسائق بنظرة خبيثة ويقول له: "يا حسين.. ما رأيك أن تركن السيارة بعيداً عن الطريق لربع ساعة فقط؟". سأله السائق بحيرة: "ولماذا يا محمود؟"، فأجابه محمود بنبرة لزجة: "لكي نمتع أنفسنا أنا وأنت بهذه الجميلة الغائبة عن الوعي". قال له حسين وهو يستسلم لغوايته: "أنت شيطان حقاً!".تخيلت تاليا كيف انحرفت سيارة الإسعاف لتختفي وسط الأراضي الزراعية المعتمة، وكيف نزل حسين من مقعد القيادة والتفت لمحمود قائلاً بقلب ميت: "معك خمس دقائق فقط لا غير". ثم تمثلت تاليا الممرض محمود وهو ينظر إلى جسد والدتها المنهك ووجهها المغطى بالدماء، ولم يشفع لها مرضها ولا غيبوبتها عنده، فارتكب جرمه البشع داخل سيارة الإسعاف ، ثم نزل بكل برود والتقط السيجارة من يد زميله قائلاً: "أسرع أنت الآن حتى لا نتأخر ونكشف".في تلك اللحظة، انتفض جسد تاليا بالكامل وفتحت عينيها برعب وهي تنفض هذه التخيلات البشعة عن عقلها، وقالت بصوت مرتجف ونبرة حاسمة تحاول طمأنة
وجد نبيل مريم تقف أمامه مباشرة وعيناها تفحصان أرجاء المكان، ثم تقدمت وخطت خطوات نحو السيارة لتنظر إلى داخلها بفضول وشك، لكنها تنفست الصعداء واحست براحة بالغة عندما لم تجد أحداً في المقاعد، فقد كانت تاليا منكمشة بذكاء في الأسفل. التفتت مريم إليه وسألته بنبرة عاتبة: "لقد تأخرت جداً اليوم يا نبيل.. هل كانت تاليا معك طوال هذا الوقت؟".نظر نبيل إليها بثبات وبرود يداري به دقات قلبه المتسارعة، وقال ب نبرة حاسمة: "ماذا ستفعل معي حتى الآن؟ هل ستلاحقينني بالأسئلة؟ لقد ذهبنا بالفعل ووجدنا أن صاحب الشقة قد أجرها لشخص آخر وضاع مشوارنا، فتركتها تذهب لحال سبيلها، وخرجت أنا لقضاء بعض الوقت مع أصدقائي". اقتنعت مريم بكلماته، فصعدت إلى غرفتها.انتظر نبيل في الأسفل وراقب الممر بحذر حتى تأكد أن الجميع قد صعدوا وخلت الردهة تماماً، وكان الليل قد أصبح حالكاً والسكون يلف القصر. في تلك اللحظة، أشار لتاليا فخرجت من مخبئها بخفة، وتسللت عبر الحديقة ودخلت إلى ملحق والدتها وأغلقت الباب خلفها بأنفاس متهدجة.ما إن دخلت، حتى استقبلتها والدتها بقلق عارم وسألتها بلهفة: "لماذا كل هذا التأخير يا تاليا؟
هذه المرة، اقتربت تاليا من نبيل بخطوات بطيئة حالمة، ونظرت مباشرة إلى عمق عينيه، فأحست فيهما بشغف جارف لا يقل أبداً عن شغفها الكامن نحوه. بدأت نبضات قلبها تتصارع في صدرها كطبول متلاحقة، وتردد في خيالها صدى كلماته المشجعة منذ قليل: "افعلي اليوم كل ما يخطر ببالكِ، واتركي مشاعركِ تقودكِ".بلا وعي أو تفكير، وبدافع من مشاعرها الجياشة التي انطلقت من أسرها بعد ظهور النتيجة، أحس نبيل برغبتها وعاطفتها المشتعلة، فاقترب منها أكثر حتى تلاقت أنفاسهما الحارة وسط برودة الصحراء. وفجأة، فاجأته تاليا بجرأة غير معتادة منها؛ اقتربت من شفتيه، وتركت نفسها تماماً لللحظة، وأغمضت عينيها وبدأت هي بتقبيله بنعومة وشغف، وكأنها بتلك اللمسة الدافئة قد أعطته إشارة البدء التي انتظرها طويلاً.تلقى نبيل الإشارة بلهفة، فأكمل هو القبلة بكل ما يحمله قلبه من حب وحنان دفينين. كانت هذه أول قبلة حقيقية بينهما، قبلة نابعة من العاطفة والاشتياق، وبها مشاعر دافئة تكفي لتملأ العالم كله بالسكينة. احتضنها هذه المرة برفق ورقة بالغة، وليس بقوة أو عنف كالمرات السابقة؛ ففي هذه اللحظة، لم تكن تاليا تريد الهروب منه، بل
قالت تاليا بنبرة يملؤها الخوف والتردد: "لا أريد فتحه الآن.. ليس هنا"، وفرّت من المشفى مرعوبة من تلك الحقيقة القابعة داخل المغلف.ركبا معاً السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك، حتى التفت إليها نبيل وسألها بنبرة حانية: "ألستِ متحمسة لمعرفة النتيجة؟ لقد انتظرنا هذا الأسبوع على جمر".أجابته بمرارة وإحباط: "إطلاقاً.. أريد أن أؤجل معرفتها طوال العمر إن استطعت. أشعر ببركان داخلي، أريد أن أصرخ صرخة عالية تزلزل الأرض كلها لتخرج هذه الطاقة السامة من صدري.. أنا لا أريد هذا الرجل أباً لي، لا أريد أن يجمعني به جسد أو دم".نظر نبيل إلى ملامحها المنكسرة، وتفهم حجم الضغط الذي تعيشه، فتوقف بسيارته على جانب الطريق، وقال بصوت هادئ ومريح: "هل تحبين أن تبتعدي قليلاً عن كل شيء؟ عن القصر، وعن العمل، وعن هذه المدينة بأكملها؟".أومأت برأسها وقالت بلهفة: "أتمنى ذلك من كل قلبي".فاستدار نبيل بسيارته وانحرف بها عن الطريق الرئيسي. سألته بتعجب: "إلى أين تذهب بنا؟"، فالتفت إليها وابتسم بثقة قائلاً: "سأجعل الكون لكِ وحدكِ الليلة".ضحكت تاليا رغماً عنها، واعتقدت في البداية أنه يمازحها أو يل







