LOGINفي عالمٍ لا يعترف بالضعفاء، كانت هي "الاستثناء".. وكانت خيانتهم لها هي "القاعدة". إيلينا ريتشارد الطبيبة التي روضت أعنف النفوس، وجدت نفسها فجأة حطاماً تحت أقدام أقرب الناس إليها. صديقةٌ سرقت عمرها، وحبيبٌ استباح وفاءها. فرت إلى "زيورخ" لا بحثاً عن الحب، بل بحثاً عن "نفسها" التي ضاعت في زحام الغدر. لم تكن تعلم أنها في طريقها من جحيم العاطفة الفوضوي إلى زنزانة النظام القاتل. وعلى عرشٍ من الجليد والكبرياء، يجلس أدريان فولتير. رجلٌ لا ينحني، ولا يخطئ، ولا يغفر. وسامته نقمة، وقسوته قانون. هو ليس مجرد رجل أعمال ناجح، بل هو سيد السيطرة. يعاني من هوسٍ مريض بالترتيب، واضطرابٍ يجعله يقدس "الأرقام" ويحتقر "البشر". بالنسبة لأدريان، النساء لسن إلا فصولاً قصيرة يجب أن يكون هو عنوانها "الأول" والوحيد، قبل أن يغلق الكتاب للأبد ويمزق صفحاته. حين قرر القدر أن تقتحم "إيلينا" قصر "عرين النسر"، لم تكن تدخل كمجرد معالجة، بل كانت تدخل حقل ألغام. هو يريدها "أداة" لترميم صدوعه في السر، وهي تريد استعادة كرامتها المهنية وسط ركام انكسارها الشخصي. هو سيحاول كسر عنادها بقسوته ومراقبته المريضة لكل تفاصيلها.. وهي ستحاول اختراق حصون وسواسه بذكائها الذي لا يُهزم.. بينهما جَدٌّ يحمل أسرار الماضي، وصديقٌ يراقب اللعبة من بعيد، وخيانةٌ قديمة تنتظر خلف الأبواب لتنفجر في الوقت الضائع.
View Moreبعد تلك الليلة، تغير شيء ما في تعامل الفريق مع صوفيا، وتغير شيء أكبر داخل إلياس. لم تعد صوفيا بالنسبة له مجرد "زميلة عمل" فرضتها الظروف، بل أصبحت ركيزة أساسية للأمان الذي يحيط بالعائلة. ومع ذلك، لم يتغير سلوكهما اليومي بشكل مفاجئ؛ ظل الخجل السويسري يحكم تصرفات إلياس، وظل الكبرياء الإسباني يغلف حركات صوفيا.في أحد أيام الأحد، خرج إلياس من القبو طوعاً في فترة الظهر، وهو أمر لم يفعله منذ أشهر. وجد صوفيا تجلس في الحديقة الخلفية، تساعد جانا في ترتيب بعض الزهور والنباتات في الجناح الغربي الذي سيصبح قريباً حضانة للأطفال.وقف إلياس يراقبهما من بعيد. لاحظ كيف كانت صوفيا تضحك مع جانا، وكيف كانت حركاتها تحمل حيوية تفتقدها الغرف المغلقة. التفتت جانا ورأته، فأشارت إليه بوعيد مازح: "إلياس! تعال إلى هنا. لا يمكنك الاختباء خلف الشاشات طوال اليوم، الأرض تحتاج إلى يديك أيضاً."اقترب إلياس بخطوات مترددة، وجلس على حافة الحوض الحجري. ناولتْه صوفيا مقصاً صغيراً لتقليم الأغصان الزائدة. "امسك هذا . أرنا كيف يمكنك أن تساعد الطبيعة على النمو."أخذ المقص، وبدأ في العمل بحذر مفرط، وكأنه يقطع أسلاك قنبلة موقوتة.
مرت الأسابيع التالية رتيبة في ظاهرها، لكنها كانت محملة بتحولات عميقة وتدريجية في باطنها. لم يكن التقدم بين إلياس وصوفيا يشبه المعادلات الرياضية التي يحبها، بل كان يشبه نمو اللبلاب على جدران القصر الحجرية؛ بطيئاً، غير مرئي يومياً، لكنه يغير الملامح بالكامل مع مرور الوقت.في أحد الصباحات، دخلت صوفيا إلى القبو حاملة لوحة دوائر كهربائية قديمة تفوح منها رائحة النحاس المؤكسد. لم تتحدث فوراً، بل جلست على مقعدها المعتاد، وراحت تفحص القطعة بعدسة مكبرة مثبتة على عينها. كان إلياس يراقبها بطرف عينه وهو يكتب أسطر الشيفرة البرمجية. قضيا قرابة الساعتين دون أن ينطقا بكلمة واحدة، ولم يكن الصمت بينهما ثقيلاً بل كان أشبه بهدنة متفق عليها."إلياس،" قالت صوفيا فجأة دون أن ترفع العدسة عن اللوحة، "هل فكرت يوماً في تصميم نظام يعتمد على العشوائية الكاملة؟ نظام لا يمكن حتى ل صانعه أن يتنبأ بخطوته التالية؟"توقف إلياس عن النقر على لوحة المفاتيح، والتفت بكرسيه نحوها. "العشوائية في عالمي تعني الثغرات، والثغرات تعني الموت. المنظومة تتغذى على الأخطاء الصغير، لذا يجب أن يكون كل شيء منضبطاً كالساعات السويسرية."أنزلت
نظر إلياس إلى شاشة الرادار التي تعكس وميضاً أخضر منتظماً، ثم أزاح نظره نحو صوفيا التي كانت تمسح بقعة زيت صغيرة عن كفها بقطعة قماش."أنا؟" تنهد إلياس ببطء، وكأن السؤال نبش في أكواد قديمة حاول أرشفة وجودها منذ زمن. "أنا اعتدت أن أبني جدراناً نارية لا تخترق، وحصوناً من الأرقام الصماء. لم أفكر يوماً في بناء شيء.. ملموس."ابتسمت صوفيا ابتسامة خفيفة، لم تكن تحمل سخرية، بل فضولاً هادئاً. "الأرقام ليست صماء يا إلياس، هي فقط لا تتحدث إلا لمن يفهم لغتها. لكنك تخفي خلف تلك الجدران النارية الكثير من الخوف."صمت إلياس، وشعر برغبة في الدفاع عن منطقه الصارم، لكن شيئاً في هدوء المكان وثبات نبرتها جعله يتراجع. "الخوف هو المحرك الأساسي للأمان. إذا لم تخف، لن تبني درعاً.""ربما،" ردت صوفيا وهي تنهض لتجمع أدواتها في الحقيبة المعدنية. "لكن الدرع الذي يحميك من الخارج، قد يتحول مع الوقت إلى زنزانة من الداخل. لقد انتهيت من ضبط العتاد القديم لليوم، غداً سنبدأ في دمج 'البروتوكول الكمي' الذي صممته أنت.""صوفيا،" ناداها إلياس قبل أن تخرج من القبو، فتوقفت والتفتت إليه. "شكراً.. لأنكِ لم تحاولي إصلاحي كما تحاولين
في أعماق القبو التقني لقصر "كاستيلو دي لا لوز"، حيث كانت الأضواء الزرقاء الخافتة تنعكس على وجه إلياس الشاحب، كان الصمت هو سيد الموقف، صمت لم يكسره سوى طنين الخوادم المستمر. كان إلياس يحدق في شاشة سوداء تماماً، عليها سطر واحد من الشيفرة لم يتغير منذ ساعات."إلياس، هل تنوي قضاء بقية حياتك في هذا القبو؟"التفت إلياس ببطء ليجد أدريان واقفاً عند المدخل، مراقباً إياه بنظراته الفاحصة. رد إلياس بنبرة جافة: "البيانات لا تنام يا أدريان، ونور.. نور رحلت ومعها مفاتيح فك تشفير الخلايا الحيوية. أنا أحاول فقط استعادة ما يمكن إنقاذه.""نور ماتت يا إلياس، والتمسك بذكراها عبر الأكواد لن يعيدها. نحن بحاجة إليك في عالم الأحياء، وليس في أرشيف الموتى.""أعلم ذلك، لكنني لا أثق في الأنظمة المحلية هنا، أحتاج إلى خبير في العتاد القديم ليساعدني في دمج تقنياتنا السويسرية مع بنية القصر الحجرية."في تلك اللحظة، رن جرس البوابة الخارجية، وظهرت صورة لامرأة تقف أمام المدخل على شاشة المراقبة. كانت ترتدي سترة جلدية وتحمل حقيبة معدنية تبدو ثقيلة."من هذه؟" سأل أدريان وهو يضيق عينيه.أجاب إلياس وهو يضغط على عدة أزرار: "هذ






reviews