تسجيل الدخولفي عالمٍ لا يعترف بالضعفاء، كانت هي "الاستثناء".. وكانت خيانتهم لها هي "القاعدة". إيلينا ريتشارد الطبيبة التي روضت أعنف النفوس، وجدت نفسها فجأة حطاماً تحت أقدام أقرب الناس إليها. صديقةٌ سرقت عمرها، وحبيبٌ استباح وفاءها. فرت إلى "زيورخ" لا بحثاً عن الحب، بل بحثاً عن "نفسها" التي ضاعت في زحام الغدر. لم تكن تعلم أنها في طريقها من جحيم العاطفة الفوضوي إلى زنزانة النظام القاتل. وعلى عرشٍ من الجليد والكبرياء، يجلس أدريان فولتير. رجلٌ لا ينحني، ولا يخطئ، ولا يغفر. وسامته نقمة، وقسوته قانون. هو ليس مجرد رجل أعمال ناجح، بل هو سيد السيطرة. يعاني من هوسٍ مريض بالترتيب، واضطرابٍ يجعله يقدس "الأرقام" ويحتقر "البشر". بالنسبة لأدريان، النساء لسن إلا فصولاً قصيرة يجب أن يكون هو عنوانها "الأول" والوحيد، قبل أن يغلق الكتاب للأبد ويمزق صفحاته. حين قرر القدر أن تقتحم "إيلينا" قصر "عرين النسر"، لم تكن تدخل كمجرد معالجة، بل كانت تدخل حقل ألغام. هو يريدها "أداة" لترميم صدوعه في السر، وهي تريد استعادة كرامتها المهنية وسط ركام انكسارها الشخصي. هو سيحاول كسر عنادها بقسوته ومراقبته المريضة لكل تفاصيلها.. وهي ستحاول اختراق حصون وسواسه بذكائها الذي لا يُهزم.. بينهما جَدٌّ يحمل أسرار الماضي، وصديقٌ يراقب اللعبة من بعيد، وخيانةٌ قديمة تنتظر خلف الأبواب لتنفجر في الوقت الضائع.
عرض المزيدوضع ماركوس الهاتف فوق المكتب، وعرض الرسالة القادمة من برلين. "لارا.. السكرتيرة التي ظننتَ أنها مجرد فتاة متمردة، هي عميلة مزروعة يا أدريان. كانت تعمل لشركة 'ميلر' في ألمانيا، وهدفها هو مشروع 'سيفير'." تصلبت ملامح أدريان. مشروع "سيفير" كان حلم حياته المهنية؛ نظام تشفير حيوي يربط البيانات بالبصمة الجينية، وهو المشروع الذي سيجعله المتحكم الأول في أمن البيانات العالمي. "هل وصلت لشيء؟" "ليس بعد،" رد ماركوس، وكان صوته يرتجف قليلاً بصورة لم يلحظها سوى أدريان. "لكنها بدأت تقترب من شفرات الحماية. والأخطر.. أنها تحاول اختراق 'النظام البشري' للشركة." قام أدريان ببطء، واقترب من ماركوس حتى أصبحا وجهاً لوجه. "اختراق النظام البشري؟ أم اختراقك أنت يا ماركوس؟ رأيتكما في الممر اليوم.. ورأيتُ كيف كانت تنظر إليك. هل تذوقتَ الطعم؟" قبض ماركوس على يده بقوة. "لقد كانت غلطة، وأنا هنا لأصححها." "الغلطة في عالمنا تكلفتها الموت،" قال أدريان بنبرة تملؤها القسوة. "لارا لن تخرج من هذه الشركة حية إذا لم تكن معلوماتك دقيقة. أريدك أن تستمر في اللعبة.. تقرب منها، اجعلها تظن أنها امتلكتك، واسحب منها اسم ممو
رفع أدريان فولتير الكأس البلورية ببطء، وعيناه مسمرتان على شفتي إيلينا بتركيز مرعب. سكب النبيذ الأحمر القاني في جوفه، ثم مسح قطرة تمردت على ذقنه بظهر يده، وحرك الكأس نحوها. "دوركِ الآن،" قال بصوت أجش، يقاوم رغبة عارمة في تحطيم الكأس والارتماء في حضنها. "اشربي من المكان الذي لمسته شفتاي.. أثبتي لي أن 'تلوثي' لا يثير اشمئزازك." أمسكت إيلينا الكأس، وبجرأة لا تلين، وضعت شفتيها تماماً حيث كانت شفتاه، وارتشفت النبيذ وهي تنظر في عينيه مباشرة. "النبيذ طعمه القوة يا فولتير.. وليس القذارة كما تتوهم." وضعت الكأس على الطاولة الجانبية، واقتربت منه حتى تلامست صدورهما. "والآن.. هل ستكمل اللعبة؟ هل ستتذوق النبيذ من على شفتيّ؟ أم أن ذعرك من 'الآخر' أقوى من رجولتك؟" تصلب جسد أدريان. اقترب وجهه من وجهها حتى شعرت بحرارة أنفاسه، ومال برأسه قليلاً ليلتقط شفتيها، لكنه في اللحظة الأخيرة.. "توقف". رأى في مخيلته طيف "ليليان" والماء المغلي، وشعر بقشعريرة باردة تجتاح عموده الفقري. تراجع خطوة للخلف، وتنفسه صار مسموعاً ومضطرباً. "لا.." همس بمرارة، وعيناه تعكسان انكساراً حاول إخفاءه. "لستِ مستعدة بعد.. وأنا لس
وقفت إيلينا أمام أدريان فولتير، وشعرت برعشة غامضة تسري في عمودها الفقري؛ لم تكن رعشة خوف، بل لذة التحدي. نظرت إلى صدره العاري، وإلى الوشوم التي تحكي قصصاً لم يجرؤ لسان على نطقها، وشعرت بانجذاب غريب يشدها نحو هذا الرجل. كان كالمغناطيس الأسود يجرها نحو هاوية تعرف أنها قد لا تعود منها، لكنها لم تكن مستعدة للحب؛ هي فقط تهوى اللعب مع "القيصر" المتمرد. "الركوع ليس في قاموسي يا سيد فولتير،" قالت إيلينا بنبرة هادئة لكنها تقطر ثقة، وهي تقترب منه حتى شعرت بحرارة جسده. "أنت تظن أنك تختبرني، لكنك في الحقيقة تختبر قدرتك على الصمود أمامي. تريد أن تراني خاضعة لكي تشعر أنك مسيطر، لكن الحقيقة أنك لا تستطيع إبعاد عينيك عني." ابتسم أدريان ابتسامة جانبية مظلمة، ومد يده ليمسك بخصلة من شعرها، يلفها حول أصبعه ببطء مستفز. "أنتِ تعجبينني يا إيلينا.. لسانكِ حاد كالمشرط، لكن عينيكِ تفضحان فضولكِ. لستِ هنا من أجل الطب فقط.. أنتِ هنا من أجل الإثارة." أطبق يده على يدها فوق صدره، وضغط عليها بقوة كادت تؤلمها. "الحقيقي هو الذي سيجعلكِ تندمين على هذا الفضول الليلة." في الوقت ذاته، كان "ماركوس" لا يزال في "مكتبه ب
دخل أدريان فولتير جناحه في القصر، وكان يخلع سترة بدبته بعنف ويرميها على الأرض، في حركة غير معهودة لرجل يقدس الترتيب. كان يشعر بقذارة خفية تغلغلت تحت مسامه من ذلك السوق الشعبي، ورغم أنه لم يهرب، إلا أن كبرياءه كان مجروحاً لأنه احتاج لإيلينا كي يتنفس وسط الزحام. "لا تنظري إليّ بهذه الطريقة،" قال أدريان بصوت حاد وهو يلتفت لإيلينا التي كانت تراقبه بصمت عند الباب. "ظنكِ أنكِ انتصرتِ اليوم لأنني لمستُ طفلاً قذراً هو وهم يا إيلينا. أنا فعلتُ ذلك لأثبت لكِ أنني أستطيع، لا لأنني 'شُفيت'." اقتربت إيلينا منه ببطء، وعيناها تتحديان نظرته القاسية. "أنت لم تفعل ذلك لتثبت لي شيئاً، أدريان. أنت فعلته لأنك بدأت تدرك أن سجنك المذهب بدأ يضيق بك. لكن كبرياءك يمنعك من الاعتراف بأنك كنت خائفاً." أمسك أدريان معصمها وجذبها نحوه حتى اصطدم جسدها بصدره الصلب. "خائف؟ أدريان فولتير لا يخاف. أنا أشمئز فقط. والآن، بما أنكِ طبيبة 'شجاعة'، أريني كيف ستتعاملين مع هذا الاشمئزاز الليلة. أم أن شجاعتكِ تنتهي عند حدود جدران الشركة؟" دفعها نحو السرير الضخم، لكنه لم يقترب. وقف بعيداً، وبدأ بفك أزرار قميصه ببطء وهو يراقب