بيت / التاريخ الافتراضي / ميزانُ المَجْد / الفصل السادس: الصبر سلاحٌ لا يراه الأعداء

مشاركة

الفصل السادس: الصبر سلاحٌ لا يراه الأعداء

last update تاريخ النشر: 2026-07-23 23:27:56

بيت آل الطاهر — مساء 18 يوليوز 1830

بعد أن غادر الحاج إبراهيم، جلس إدريس وعمر وحدهما في الغرفة الرئيسية، والشمس تميل نحو المغيب من خلال النافذة الصغيرة. كان عمر صامتاً منذ الصباح، يحمل سؤالاً يبدو أنه لم يجرؤ على طرحه، حتى كسر الصمت أخيراً.

"سيدي،" قال بحذر، "أمس، حين وقّع عمّك ذلك الإقرار... كان بإمكانك أن تطلب أكثر من ذلك بكثير. كان بإمكانك أن تأخذ القضية إلى القاضي وتفضحه أمام الجميع، وربما تسترد جزءاً كبيراً مما سرقه منك طوال هاتين السنتين. لماذا اكتفيتَ بهذا القدر؟ لماذا سلّمته آخر ما تبقى من الصوف بدل أن تحاربه حتى النهاية؟"

ابتسم إدريس ابتسامةً هادئة، وجلس بجانب النافذة، ينظر إلى أضواء المدينة التي بدأت تتلألأ ببطء مع حلول الظلام.

"سؤالٌ جيد يا عمر،" قال. "دعني أشرح لك كيف يفكر رجلٌ يخطط لسنواتٍ طويلة، لا لانتصارٍ يوميّ."

استدار نحوه، وأكمل: "لو فتحتُ معركةً قانونية كاملة مع عمّي الآن، ماذا كان سيحدث؟ أولاً، ستطول القضية أشهراً، ربما سنة كاملة، وسط تحقيقاتٍ ومرافعات، وأنا صبيٌّ بلا مالٍ يكفي لأجرة محامٍ حقيقي أو حتى لإطعام نفسي وعمر خلال ذلك الوقت. ثانياً، وهذا الأهم: عمّي، حين يشعر بأنه محاصرٌ تماماً وبلا مخرج، سيصبح خطراً حقيقياً، لا مجرد لصٍّ جشع. رجلٌ يخاف على سمعته وماله بشكلٍ كامل قد يفعل أي شيء ليحمي نفسه — بما في ذلك أن يتخلص من الشاهد الوحيد على خيانته."

توقف عمر، واتسعت عيناه. "تقصد... أنه قد يؤذيك؟"

"أو أسوأ،" قال إدريس بهدوء. "لا أعرف بعد إن كان عمّي متورطاً في اختفاء أبي أم لا، لكني لن أستبعد شيئاً حتى أعرف الحقيقة كاملة. لهذا، تركته يظن أنه ربح. تركته يعتقد أنه تخلص مني بثمنٍ زهيد، وأنني صبيٌّ ساذجٌ اكتفى باتفاقٍ صغير خوفاً منه. هذا يمنحني شيئاً أثمن من كل الصوف الذي أعطيته إياه: وقتاً، وغفلةً من طرفه."

نظر عمر إلى سيده بإعجابٍ ممزوج بذهول، وكأنه يكتشف من جديد أنه لا يعرف هذا الشخص الجالس أمامه حق المعرفة بعد.

"الحروب الحقيقية يا عمر،" أضاف إدريس، وقد بدأت نبرته تحمل ثقل حكمةٍ أكبر من عمره الظاهر بكثير، "لا تُربح بضربةٍ واحدة قوية، بل بمن يصبر أطول، ويخطط أعمق، ويجعل خصمه يظن أنه هو من يمسك بزمام الأمور، بينما الحقيقة تسير في اتجاهٍ آخر تماماً."

بعد أن هدأت المدينة، وارتفع صوت أذان العشاء من مآذنها البعيدة، لم يستطع إدريس النوم مجدداً. جلست فكرة واحدة تلحّ عليه منذ سماعه رسالة أبيه عند القاضي: "فليبحث ابني، حين يشتد عوده، عمّن يستفيد من غرقٍ لا شاهد عليه."

نهض بهدوء، وأيقظ عمر بلمسةٍ خفيفة على كتفه.

"عمر، أريدك أن تأخذني إلى مستودع أبي القديم، ذلك الذي أُغلق بعد اختفائه. أعرف أنه لا يزال قائماً، بعيداً عن أعين عمّي."

نظر عمر إليه بدهشة، لكنه لم يسأل. أخذ قنديلاً صغيراً، ومفتاحاً قديماً ثقيلاً كان يحتفظ به منذ سنتين دون أن يفهم تماماً لماذا لم يتخلص منه، وخرجا معاً في عتمة الأزقة الخالية، متجهين نحو الحي القريب من الميناء.

كان المستودع صغيراً، منسياً، بابه الخشبي مغطى بطبقة غبارٍ سميكة توحي بأن أحداً لم يدخله منذ زمن طويل. فتح عمر القفل بيدٍ مرتجفة قليلاً، ودخلا إلى الظلام الرطب، حيث فاحت رائحة الخشب القديم والملح المتراكم عبر السنين.

بحث إدريس بالقنديل بين الصناديق الفارغة والأرفف المتهالكة، دون أن يعرف بالضبط ما يبحث عنه، حتى وقعت عيناه على شيءٍ غريب: زاوية من الجدار الحجري بدت مختلفة قليلاً عن باقي الجدران — حجارة أصغر حجماً، مرصوصة بعناية أكبر من العشوائية الظاهرة في بقية البناء.

اقترب إدريس، ومرر يده على الحجارة ببطء، بذاكرة مهندسٍ يعرف كيف يقرأ الأنماط حتى في الظلام. توقفت يده عند حجرٍ واحد، يبدو مختلفاً بالكاد عن جيرانه — نتوءٌ صغير، بالكاد محسوس.

"عمر،" همس، وقلبه يتسارع، "أحضر القنديل قريباً. أظن أن أبي ترك لنا شيئاً هنا، أعمق بكثير مما تخيلنا."

ضغط بأصابعه على الحجر، بحذرٍ شديد، والذاكرتان — ذاكرة الفتى وذاكرة المهندس — تعملان معاً للمرة الأولى بانسجامٍ تام، وكأنهما تعرفان، دون كلام، أن ما سيجدانه خلف هذا الجدار سيغيّر كل شيء.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السابع والثلاثون: سؤالٌ لا يريد إدريس أن يطرحه

    المستودع — منتصف مارس 1832كان إدريس يراجع دفاتره وحيداً ذلك المساء، حين توقف فجأة، قلمه معلّقٌ في الهواء، وفكرةٌ بدأت تتشكل ببطء، مزعجة، لم يستطع طردها بسهولة.كان قد سمع، قبل أيام، من حديثٍ عابر بين تجّار السوق، تفاصيل غامضة عن "شروطٍ خاصة" فرضها السلطان على القنصل الإسباني المقيم في سلا. لم يكن قد أولى الأمر اهتماماً كبيراً وقتها، مشغولاً بأزمة الصوف. لكن الآن، وحيداً في صمت المستودع، عاد السؤال يطرق ذهنه بإلحاح: "لماذا لا أتذكر شيئاً عن هذا في كل ما قرأتُه عن تاريخ المغرب في حياتي الأخرى؟"لم يكن هذا سؤالاً بسيطاً. كان إدريس، بذاكرته من عالمٍ آخر، قد قرأ بشغفٍ حقيقي عن هذه الحقبة بالذات — سياسة السلطان عبد الرحمن الحذرة، معاهداته، مواقفه من الأزمة الجزائرية. كيف يمكن أن يفوته تفصيلٌ كهذا: قنصلٌ أوروبيٌّ يُمنح إقامةً استثنائية في مدينةٍ تجارية بشروطٍ تتضمن انفتاحاً معرفياً غير مسبوق؟جلس إدريس طويلاً، يفكر بجدية في احتمالين لا ثالث لهما، كما فكّر فيهما مراراً في لحظات شكٍّ مشابهة منذ استيقاظه في هذا الجسد."الاحتمال الأول،" فكّر بمحاولة تهدئة نفسه، "أن معرفتي التاريخية، مهما بدت وا

  • ميزانُ المَجْد   الفصل السادس والثلاثون: ذاكرة المهندس

    المستودع — مساء يومٍ هادئ، فبراير 1832بعد نجاح العربة المحسّنة، جلس إدريس وحيداً تلك الليلة، يراجع رسوماته المتناثرة على الطاولة، وسمح لنفسه، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، أن يستحضر بوضوحٍ كامل ذاكرة حياته الأولى — لا كصورٍ متناثرة يستخدمها عند الحاجة، بل كسيرةٍ متكاملة يتأملها بهدوء.لم يكن مجرد "مهندسٍ" غامض كما فكّر في نفسه أحياناً بتبسيطٍ مفرط. كان قد قضى خمساً وعشرين سنة كاملة من حياته الأولى مهندساً ميكانيكياً متخصصاً في تصميم الآلات الصناعية، بدأ حياته المهنية في خطوط إنتاج مصانع النسيج، يراقب عن قرب كل ترسٍ وكل عمودٍ ناقلٍ للحركة، قبل أن يتدرج ليصبح، في العقد الأخير من حياته تلك، مديراً لمصنعٍ كامل، مسؤولاً عن كل تفصيلٍ من تفاصيل الإنتاج والصيانة والتطوير.وسط كل ذلك، كان شغفه الحقيقي، خارج ساعات العمل، ينصبّ على أمرين بدآ يبدوان له الآن، بعد كل ما حدث، وكأنهما تدريبٌ مسبق لمصيرٍ لم يكن يعرف أنه ينتظره: تاريخ المغرب، وقراءته المتعمقة عن الثورة الصناعية الأوروبية، تلك اللحظة التي حوّلت أوروبا من قارةٍ زراعية إلى قوةٍ صناعية سحقت، ببطءٍ ثم بسرعة، كل من لم يواكبها."لم أكن أحفظ تص

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الخامس والثلاثون: عجلاتٌ لا تنكسر

    طريق الأطلس — يناير 1832عاد سعيد من رحلته الشهرية إلى قرية آيت الجبل بخبرٍ محبط: عربةٌ من عرباتهم الثلاث انكسر محورها في منتصف الطريق الجبلي الوعر، واضطر الرجال لنقل حمولتها على ظهور البغال يدوياً حتى أقرب نقطة إصلاح، مضيّعين يومين كاملين."هذه المرة الثالثة في شهرين يا سيدي،" قال سعيد بإحباطٍ واضح. "العربات التي نشتريها من نجاري سلا مصممة لطرق المدينة المستوية، لا لهذه الدروب الجبلية الوعرة."جلس إدريس يفكر في المشكلة تلك الليلة، وشعر بشيءٍ يوقظ فيه جزءاً من ذاكرته القديمة لم يستخدمه كثيراً منذ استقر في هذا العالم — لم يكن هذا سؤالاً تجارياً أو استراتيجياً، بل سؤالاً هندسياً بحتاً، من النوع الذي كان يحبه المهندس بداخله قبل أن يصبح تاجراً ومقاوماً اقتصادياً."محاور العربات التقليدية جامدة تماماً،" فكّر، وهو يرسم مخططاً بسيطاً على ورقة. "كل صدمةٍ من الطريق الوعرة تنتقل مباشرة إلى المحور، حتى ينكسر عاجلاً أم آجلاً. لو استطعنا امتصاص جزءٍ من تلك الصدمات..."تذكّر مبدأً بسيطاً من ذاكرته الهندسية: نظام تعليقٍ بدائي، ليس بالنابض الفولاذي المعقد الذي سيُخترع لاحقاً بعقود، بل بشيءٍ أبسط بكثي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الرابع والثلاثون: صدى لا يُسمع

    المستودع — يناير 1832مرّت شهورٌ ثلاثة دون أي ردٍّ على رسالة إدريس. لم ييأس تماماً، لكنه شعر، مع كل أسبوعٍ يمر بصمت، بثقل شكٍّ متزايد يتسلل إلى يقينه الأول.جاء الرد أخيراً، في مطلع يناير 1832، لا من كاتب الديوان نفسه، بل من كاتبٍ مساعدٍ أدنى مرتبة، برسالةٍ قصيرة ومقتضبة، مكتوبة بخط رسميٍّ باردٍ لا يحمل أي أثرٍ شخصي:"وصلت ملاحظاتكم بخصوص الشأن التلمساني إلى من يهمه الأمر. يُشكر اهتمامكم بمصالح الأمة. الشؤون السياسية والعسكرية من اختصاص أهلها، وفقاً لحكمة مولانا نصره الله. وفقكم الله في تجارتكم."قرأ إدريس الرسالة مرتين، ثلاث مرات، محاولاً أن يجد فيها ولو إشارةً واحدة تدل على أن أحداً قرأ محتواها الفعلي بجدية، لا مجرد تصنيفها ضمن "رسائل عامة من رعايا يهتمون بالشأن العام" وأرشفتها دون قراءةٍ حقيقية.لم يجد شيئاً. كانت رسالة رفضٍ مهذب، من النوع الذي يُرسَل لعشرات الرسائل المشابهة كل شهر، دون أي تمييزٍ حقيقي لمحتواها.جلس إدريس وحيداً طويلاً، يحدّق في الورقة، وشعر بشيءٍ لم يشعر به من قبل بهذا الوضوح منذ استيقاظه في هذا الجسد: إحساسٌ حقيقيٌّ بالحجم الهائل للمسافة بينه وبين أي تأثيرٍ فعلي

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثالث والثلاثون: أخبارٌ من الشرق

    بيت الحاج إبراهيم — أوائل نوفمبر 1831جاء إدريس في زيارته الأسبوعية المعتادة، ليجد الحاج إبراهيم منشغلاً بقراءة رسالةٍ طويلة وصلته للتو من أحد معارفه القدامى في طنجة، وجهه يحمل قلقاً لم يعتد إدريس رؤيته عليه بهذا الوضوح."أخبارٌ من الشرق يا بني،" قال الحاج إبراهيم دون مقدماتٍ، وأشار له بالجلوس. "أخبار قد تهمّك، بحكم كل ما تحمله من اهتمامٍ بمصير هذه البلاد."استمع إدريس بتركيزٍ تام بينما شرح له الحاج إبراهيم، بخبرته الطويلة في قراءة الأخبار السياسية عبر شبكته التجارية، تفاصيل ما كان يحدث في الشرق: أهل تلمسان والغرب الجزائري أرسلوا وفوداً لمبايعة السلطان مولاي عبد الرحمن منذ أشهر، طلباً لحمايته من الفرنسيين، وقد عيّن السلطان ابن أخيه مولاي علي حاكماً هناك."لكن الآن،" أكمل الحاج إبراهيم بقلق، "تصلني أخبار أن فرنسا بدأت تحتج بشدة على هذا التدخل المغربي، وأن القنصل الفرنسي في طنجة يهدد بعواقب وخيمة إن استمر السلطان في دعم تلمسان بهذا الشكل المباشر."شعر إدريس بثقل التاريخ يتحرك أمامه، حياً وواقعياً، لا مجرد سطورٍ في كتابٍ قرأه يوماً في حياةٍ أخرى بعيدة. عرف، بذاكرته من عالمه القادم، أن هذ

  • ميزانُ المَجْد   الفصل الثاني والثلاثون: سنتان لحلمٍ لم يُولد بعد

    بيت الحاج إبراهيم — أواخر أكتوبر 1831استقبلت أمينة مولاي رشيد بنفسها هذه المرة، بحضور أبيها كشاهدٍ صامت، في الفناء المفروش بالزليج الأزرق. جلس الشاب بوقارٍ يليق بمكانته، ينتظر جوابها بصبر رجلٍ واثقٍ من نفسه دون غرور."مولاي رشيد،" بدأت أمينة، بصوتٍ ثابت لا يخلو من احترامٍ صادق، "عرضك يشرّفني حقاً، ولستُ أبالغ حين أقول إني لم ألتقِ برجلٍ يوازيك علماً وأدباً منذ زمنٍ طويل."انحنى مولاي رشيد برأسه شكراً، منتظراً بقية الجملة التي شعر بترددها القادم."لكني أطلب منك أمراً قد يبدو غريباً،" أكملت أمينة. "أطلب مهلة سنتين، قبل أن أعطيك جواباً نهائياً."اتسعت عينا مولاي رشيد بمفاجأةٍ مهذبة. "سنتان؟ هذا وقتٌ طويل يا آنسة أمينة. هل لي أن أسأل عن السبب؟"نظرت إليه أمينة بصدقٍ مباشر، دون مراوغة. "لأني، يا مولاي رشيد، أشعر أن هناك شيئاً يجب أن أحققه بنفسي أولاً، هنا في سلا، قبل أن أربط حياتي بأي رجل، مهما بلغت قيمته. لا أريد أن أدخل زواجاً وأنا لا أزال أشعر أن جزءاً مني لم يكتمل بعد.""وما هذا الشيء الذي تريدين تحقيقه؟" سأل بفضولٍ حقيقي، لا اعتراض.ابتسمت أمينة ابتسامةً حالمة، كأنها تكشف سراً حملته

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status