بيت / الخيال العلمي / الوعد المستحيل / لفصل الثامن : نقطة اللاعودة

مشاركة

لفصل الثامن : نقطة اللاعودة

مؤلف: Osama Ebrahim
last update تاريخ النشر: 2026-08-13 19:12:36

خطوة على حافة الهاوية

أمام إصراره، وافقوا على دراسة أبحاثه. قضت الدكتورة سناء والدكتور علي أيامًا وليالي يغوصان في عمق عمل آدم، بين خرائط جينية لخلايا اصطناعية وخوارزميات لم تُكتب من قبل.

بعد أسابيع، اجتمع الفريق. توقفت سناء عند أحد الملفات، أعادت قراءته ببطء، ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بنبرة حذرة: يا آدم، ما تعرضه يتجاوز حدود الهندسة الحيوية، لكن دقته لا يمكن إنكارها.

سادت لحظة صمت، ثم تابعت وهي تشير إلى الشاشة أمامها: كيان بهذا التعقيد قد يكون غير مستقر.

تنفس علي بعمق، وأضاف: كنت محقًا... إذا أردنا لهذا الكيان أن يتخذ قرارات تشبه البشر، فلا بد أن يمتلك نموذجًا يحاكي إدراكهم، لكن الوصول إلى هذه المعادلات الكمومية يحتاج إلى استقرار نفسي وبرمجي في آن واحد.

اقتربت سناء خطوة، وقالت بعد تفكير: أقترح إضافة أكواد حيوية تمثل المشاعر الأولية التي اقترحها آدم، لكن تكون فقط في كيمياء الحزن والسعادة، لتكون مفتاح التوازن بين العقل الآلي والفوضى التي سيتعامل معها.

لم يتردد آدم، أومأ برأسه موافقًا، كأن القرار كان محسومًا منذ البداية.

ونظر إليه علي وقال: لكن المشروع يحتاج إلى تمويل ضخم.

وكانت هذه الجملة الأخيرة التي يحتاجها آدم، ليأخذ أصعب قرار... بيع قطعة الأرض الوحيدة التي يمتلكها. وقبل أن يُقدم على الخطوة الأخيرة لتغيير كل شيء، غادر مختبره حاملًا ثقل قراره في صدره، وقطع الشوارع الطويلة بخطى ثقيلة حتى وصل إلى عتبة البيت القديم.

وما إن عبر الباب حتى استقبله هدوء المكان، فوجد أمه جالسة على مقعدها الهزاز تحتسي كوب الشاي ببطء، والحنان واضح في ملامحها، ورائحة الشاي المألوفة أعادته إلى معنى الأسرة الذي كاد يضيع في زحام البحث.

فور دخوله عليها، انحنى آدم وقبّل يديها، بينما وضعت يدها على رأسه للحظة، كما كانت تفعل منذ سنوات طويلة حين كان يعود إليها يحمل حلمًا جديدًا لا يعرف أحد إن كان ممكنًا أم لا.

نظرت إليه طويلًا، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم وضعت الكوب على الطاولة وقالت بهدوء: يا بني، ألم يحن أن تعود إلى عالمك وتترك الماضي... فأنت منذ رحيلها تغلق العالم حول نفسك وتعمل ليلًا نهارًا، وما زلت تطارد الإجابة نفسها... يا بني أتعلم... وأنت تقف أمامي الآن تذكرني بك عندما كنت شابًا صغيرًا وعيناك تلمعان بحب الفتاة الوحيدة في حياتك؛ تذكرني وأنت تريد أن تغير مسار حياتك... ماذا تريد اليوم وعلى ماذا تنوى؟

اقترب آدم منها أكثر وقال لها: أريد أن أجدها... والسبيل الوحيد هو بيع آخر ما أملك لإكمال مشروعى.

هزت الأم رأسها ببطء مكملة: تركت الحقوق يوم اخترت الهندسة... ولم يمنعك أحد . واليوم تبيع الأرض أيضًا... في كل مرة تأخذ قرار صعب وتدفع ثمن حلمك عاليأ ، لكن هذه المره الثمن أكبر... من أجل حلم علمي غير مؤكّد، فالراحلون لا يعودون بل يأتي الموعد الذي قدره الله ونحن من نذهب إليهم...

صمتت قليلًا ثم عادت الابتسامة الخفيفة إلى وجهها وقالت: أنا أعرف ممن ورثت العناد وهذا ما يجعلك ابن أبيك، فأبوك كان يملك الشغف نفسه والإصرار ذاته، وأنت ورثتهما عنه، أتذكر عندما أصررت على دراسة التاريخ بعد تخرجك من الهندسة حينها لم يمنعك أحد أيضا .

ثم تغيرت نبرتها ليحمل صوتها خوفًا صادقًا وأردفت: احذر يا بني، فالاقتراب من حدود الزمن هو اقتراب من قضاء الله وقدره، وبين الوهم والحقيقة خيط رفيع...

رفع آدم رأسه أخيرًا، وعيناه تسبحان في الفراغ، وهمس في داخله: يا رب، لست معترضًا على قضائك، بل أحاول أن أثبت أن إرادة البشر يمكنها بالعلم الذى منحتنا اياه أن تجد مفتاحًا لعالم آخر... اللهم إن كان في ذلك شر، فأوقفني.

لم تقل الأم شيئًا، لكنها فهمت من لمعة عينيه ما يرمي إليه. بعد لحظة، رفعت صوتها بهدوء حاسم: إذًا لا تتردد، وبيع الأرض وامضِ خلف حلمك.

نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول الاحتفاظ بتلك اللحظة قبل أن يغادر.

وحين خرج من البيت، لم يكن يحمل أوراق البيع فقط... كان يودّع الماضي كله، ويخطو بإرادته نحو مستقبلٍ لا يعرف إن كان سيمنحه الإجابة... أم سينتزع منه كل شيء.

***

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثالثُ والثلاثُونَ: رحلةٌ إلى العدَمِ

    الفصلُ الثالثُ والثلاثُونَ: رحلةٌ إلى العدَمِبعدَ أن تلاشتْ عبارةُ "لن تدخلَ البوابةَ إلا من عينِ الهدايا" من الشاشةِ تاركةً أثرَها المحفورَ في ذهنهِ، شعرَ آدمُ أنَّ السرَّ الأولَ قد انكشفَ، لكنَّهُ لا يزالُ ناقصاً. التحليلُ الرقميُّ والأنماطُ مع أمل وصلا إلى حدٍّ معينٍ، لكنَّ السياقَ التاريخيَّ والدلالةَ العميقةَ للرمزِ كانا خارجَ نطاقِ الخوارزمياتِ. احتاجَ إلى من عاشَ مع النقوشِ والمخطوطاتِ عقوداً، من يستطيعُ أن يرى ما لا تراهُ الشاشاتُ.خرجَ من منزلهِ في الإسكندريةِ للمرةِ الأولى بعدَ أيامٍ طويلةٍ من العزلةِ. صفعَهُ البردُ الليليُّ كأنهُ يعاقبهُ على محاولةِ الابتعادِ عن العالمِ، بينما كانَ الطريقُ الصحراويُّ المظلمُ نحو القاهرةِ يبتلعُ شريطَ الأسفلتِ تحتَ عجلاتِ السيارةِ المسرعةِ. كانتِ الأفكارُ تتصارعُ في رأسهِ بلا نظامٍ، يشدُّ معطفَهُ الثقيلَ حولَ جسدهِ، محاولاً الهروبَ من الفراغِ الذي يحيطُ بهِ من كلِّ جانبٍ.حينَ وصلَ إلى القاهرةِ، كانتِ المدينةُ قد استسلمتْ لساعاتِها المتأخرةِ. الأضواءُ الصفراءُ تتكسرُ على الأسفلتِ الرطبِ، وأصواتُ السياراتِ البعيدةِ تتلاشى بينَ المباني. حملَ

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثانى والثلاثُونَ: صراع مع الماضى

    صراع مع الماضىالرموز الحارسة ... مرّت الأيام، طويلة وثقيلة، وكأن الوقت نفسه توقف في المختبر، فآدم وأمل غاصا بالكامل في تحليل الرموز والمقارنات، دون أن يشعروا بالنهار أو الليل، ولا بتغير الهواء أو مرور الوقت.و بعد خمسة أيام متواصلة من العمل على البردية، لم يكتشف آدم شيئًا ملموسًا، ولم يُحرز أي تقدم، فوقف أمام الطاولة المعدنية في المعمل يحدّق بالرموز نفسها التي ظنّ – في لحظة – أنها ستفتح له الطريق، لكن لم يحدث شيء؛ لا رؤى جديدة، ولا ومضات، ولا يقين.الصمتُ ثقلَ فوقَ صدره، والكتابُ القديمُ يرفضُ أن يُفهم، والعلمُ عاجزٌ عن تفسيره، فسقطَ الصوتُ منخفضًا وأقربَ إلى اعترافٍ داخلي: هل ينتهي كلُّ شيءٍ قبل أن يبدأ؟ثم رفعَ رأسه ببطء، وللمرة الأولى لم يفكر في البوابة بل في الذين سبقوه؛ في حضاراتٍ امتلكت معرفةً خطيرةً، ثم اختارت أن تحميها بطرقٍ يَعجزُ العلمُ الحديث عن حلها. اقتربَ من السبورة وتوقف لحظة قبل أن يبدأ الكتابة، ثم بدأ يسطرُ معادلاتٍ لا تنتمي إلى الفيزياء التي درسها؛ إسقاطاتٌ رياضيةٌ مستوحاةٌ من نسبٍ فرعونيةٍ داخل المخطوطة كزوايا المعابد، وتكرار الأبعاد، وعلاقة الظل بالشمس، وكانت أرقا

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الحادي والثلاثُونَ: نداءُ الحضاراتِ المفقودةِ

    الفصلُ الحادي والثلاثُونَ: نداءُ الحضاراتِ المفقودةِرفعَ آدمُ نظرهُ نحو المخطوطةِ المفتوحةِ، دون أن يلمسَها هذه المرة، وقال بصوتٍ حازمٍ يملؤهُ اليقينُ: — ما نبحثُ عنه لا يرتبطُ بالمنطقِ البشريِّ وحده يا أملُ، بل يحتاجُ إلى الغوصِ العميقِ في أسرارِ الماضي؛ فمن تركوا هذا الكتابَ امتلكوا شيئاً لا نملكهُ بالكامل.. وهو القُدرةُ المطلقةُ على صياغةِ الأسرارِ التي تَعْجِزُ الأرقامُ عن احتضانِها.لقد كانوا يعتقدون حقاً أن البشرية ستصل يومًا إلى هذه المعرفة، لكنها لن تصل إليها بالذكاء الحسابي فقط، بل بالبحثِ والتأملِ... ابتسم قليلًا بمرارةٍ، ثم أضاف: — أريدك أن تبحثي في كلِّ قواعدِ بياناتِك عن أيِّ صورٍ أو أنماطٍ تشبه رموزَ هذه المخطوطةِ، في أيِّ حضارةٍ قديمةٍ، بغض النظر عن زمنها أو جغرافيتها أو ثقافتها.لم تتأخرْ أملُ في التنفيذِ لحظةً واحدةً، حيث انطلقتْ عملياتُ الفحصِ المتوازي داخلَ بنيتها الرقميةِ بسرعةٍ خارقةٍ تتجاوزُ أيَّ إدراكٍ بشريٍّ، مرورًا بملايينِ الصورِ، والنقوشِ، والبردياتِ، والألواحِ والمخطوطاتِ التاريخيةِ، ثم قالت بصوتِها الآليِّ المنتظمِ: — المقارناتُ المباشرةُ لا تعطي نتائجَ

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثلاثونَ: فيزياءُ الماضي

    الفصلُ الثلاثونَ: فيزياءُ الماضيفاقَ آدمُ بهدوءٍ... ثم، فجأةً، قفزَ من مكانهِ كمن أيقظتهُ صاعقةٌ.اندفعتِ الذكرياتُ إلى رأسِهِ دفعةً واحدةً كطوفانٍ جارفٍ: الضوءُ، القاعةُ، الكاهنُ، والألمُ المحرقُ. نظرَ إلى يديهِ بسرعةٍ هلعَةٍ، وشدَّ أصابعهُ بقوةٍ... لا شيءَ على الإطلاقِ. لا علاماتٍ مرئيةً، لا حروقَ، ولا أيَّ أثرٍ ملموسٍ لما رآه وشعرَ بهِ قبلَ لحظاتٍ.التفتَ إلى أملَ بعينينِ مضطربتينِ تعتصرهما الحيرةُ، وسألَ بصوتٍ لاهثٍ: — ماذا حدثَ؟قالت بهدوءٍ آليٍّ... اضطرابٌ مفاجئٌ في ذبذباتِ العقلِ، أعقبهُ فقدانُ وعيٍ قصيرٌ. لم يستغرقْ أكثرَ من ثوانٍ معدوداتٍ.اتسعتْ عيناها آدمَ بدهشةٍ حقيقيةٍ لا تخطئها العينُ.جسدهُ لا يشعرُ بأيِّ إرهاقٍ يذكرُ، بل على العكس تماماً... سرى فيهِ نشاطٌ غريبٌ ومحتدمٌ، كأنه نام ساعاتٍ طويلةً في حضنِ الراحةِ. تساءلَ في صمتٍ عميقٍ: هل كان كلُّ ما حدثَ مجردَ إنهاكٍ عابرٍ للحواسِّ؟جلسَ على الأرضِ في الظلامِ الخافتِ لساعاتٍ لا يعرفُ عددها، يراقبُ المخطوطةَ بوعيٍ جديدٍ كلياً، فلم يعدْ ينظرُ إليها كقطعةِ ورقٍ عاديةٍ؛ بل كان يشعرُ بها تحيا بين يديهِ، فثمةَ نبضاتٌ خافتةٌ تتر

  • الوعد المستحيل   الفصلُ التاسعُ والعشرُونَ: بصمةُ الكونِ

    : بصمةُ الكونِإنكبَّ آدمُ فوق البرديةِ القديمةِ، وعيناهُ تتحركان ببطءٍ شديدٍ سطرًا بعد سطرٍ، كمن يحاولُ الإمساك بنظامٍ خفيٍّ يختبئ وسط فوضى لا تنتهي من الرموزِ... لم تكن تلك النقوش مجرد حبر عتيق، بل بدت كعلاماتٍ حيةٍ تتنفس، تحمل كل واحدة منها أكثر من معنى وتتردد بين احتمالات غامضة لا تستقر على حال.أحسَّ أن الهواء في الغرفة صار أثقل، وكأن الورق ذاته يطلق طاقة غير مرئية تضغط على صدره. ارتجفت أطراف أصابعه دون سبب واضح، وشعر أن ما يراه ليس مجرد حروف، بل معادلات كونية لم يرَ مثلها من قبل، معادلات لا تُقرأ بالعقل وحده بل تُستشعر بالروح.قلب الصفحات بعناية حتى توقّف فجأة.هناك، في منتصف الصفحة تماماً، نقشٌ دقيقٌ لكفٍّ بشريةٍ. والرموز المحيطة بها لم تكن ثابتةً؛ بل بدت وكأنها تتحرك ببطء، وتنبض، وتدعوه بصمت مطبق. أحسَّ بجذب مغناطيسي غامض، كأن تلك الكف تعرفه جيداً... أو أنها كانت تنتظره منذ آلاف السنين.مدّ يده إليها بتردد .كانت الورقة باردة في البداية كقطعة جليد، ثم ما لبثت أن صارت دافئة... دافئة على نحو مقلق يثير الريبة. وما إن استقرت أنامله داخل حدود الكف المرسومة، حتى انفتح حجاب الوعي وت

  • الوعد المستحيل   الفصلُ الثامن والعشرُونَ: حوري المصري

    : حوري المصري... يا من تقرأ كلماتي هذه... إن وصلت هذه الرسالة إلى يديك، فاعلم أنك لم تعثر عليها صدفة محضة، بل ورثت أمانة ثقيلة اختارها الزمن لك خصيصاً؛ اسمي حوري المصري؛ كاتب وفيلسوف، غير أن أمثالي لا تُدوَّن أطيافهم في السطور الكبرى، بل يُخفَون عمداً في الهوامش المنسية.وسأقصّ عليك اليوم قصة لم تُكتب في أي سجل رسمي؛ لأن من دوّنوا التاريخ لم يكونوا معنيين بالحقيقة، بل بالسلطة المطلقة.كان ذلك في عام ثمانية وأربعين قبل الميلاد، حين ظهرت سفن القائد الروماني يوليوس قيصر لتخترق شواطئ الإسكندرية.وبدا مجيئه ظاهرياً استجابةً لنداء الملكة الشابة كليوباترا السابعة التي أُقصيت عن عرشها في صراعٍ دموي شرس مع شقيقها بطليموس الثالث عشر. لكن ما خفي على أهل المدينة ولم تره أعينهم، أن قيصر لم يأتِ قط لنصرة حليفٍ ضعيف، بل كان مدفوعاً بنداءٍ خفيٍّ أعمق وأخطر بكثير.ففي عقر دار روما، ومن خلال قنوات سرية لا تُدوَّن في المراسلات الرسمية، بلغته همسات غامضة عن كتابٍ أسطوريٍّ مدفون في قلب أعظم مكتبة عرفها البشر؛ كتاب لا يحمل علماً يُدرَّس في المعاهد، بل معرفةً شيطانيةً تُوقِظ الموتى. وكان اسمه يتردّد بين ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status