ログインخطوة على حافة الهاوية
أمام إصراره، وافقوا على دراسة أبحاثه. قضت الدكتورة سناء والدكتور علي أيامًا وليالي يغوصان في عمق عمل آدم، بين خرائط جينية لخلايا اصطناعية وخوارزميات لم تُكتب من قبل.
بعد أسابيع، اجتمع الفريق. توقفت سناء عند أحد الملفات، أعادت قراءته ببطء، ثم رفعت رأسها نحوه وقالت بنبرة حذرة: يا آدم، ما تعرضه يتجاوز حدود الهندسة الحيوية، لكن دقته لا يمكن إنكارها.
سادت لحظة صمت، ثم تابعت وهي تشير إلى الشاشة أمامها: كيان بهذا التعقيد قد يكون غير مستقر.
تنفس علي بعمق، وأضاف: كنت محقًا... إذا أردنا لهذا الكيان أن يتخذ قرارات تشبه البشر، فلا بد أن يمتلك نموذجًا يحاكي إدراكهم، لكن الوصول إلى هذه المعادلات الكمومية يحتاج إلى استقرار نفسي وبرمجي في آن واحد.
اقتربت سناء خطوة، وقالت بعد تفكير: أقترح إضافة أكواد حيوية تمثل المشاعر الأولية التي اقترحها آدم، لكن تكون فقط في كيمياء الحزن والسعادة، لتكون مفتاح التوازن بين العقل الآلي والفوضى التي سيتعامل معها.
لم يتردد آدم، أومأ برأسه موافقًا، كأن القرار كان محسومًا منذ البداية.
ونظر إليه علي وقال: لكن المشروع يحتاج إلى تمويل ضخم.
وكانت هذه الجملة الأخيرة التي يحتاجها آدم، ليأخذ أصعب قرار... بيع قطعة الأرض الوحيدة التي يمتلكها. وقبل أن يُقدم على الخطوة الأخيرة لتغيير كل شيء، غادر مختبره حاملًا ثقل قراره في صدره، وقطع الشوارع الطويلة بخطى ثقيلة حتى وصل إلى عتبة البيت القديم.
وما إن عبر الباب حتى استقبله هدوء المكان، فوجد أمه جالسة على مقعدها الهزاز تحتسي كوب الشاي ببطء، والحنان واضح في ملامحها، ورائحة الشاي المألوفة أعادته إلى معنى الأسرة الذي كاد يضيع في زحام البحث.
فور دخوله عليها، انحنى آدم وقبّل يديها، بينما وضعت يدها على رأسه للحظة، كما كانت تفعل منذ سنوات طويلة حين كان يعود إليها يحمل حلمًا جديدًا لا يعرف أحد إن كان ممكنًا أم لا.
نظرت إليه طويلًا، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم وضعت الكوب على الطاولة وقالت بهدوء: يا بني، ألم يحن أن تعود إلى عالمك وتترك الماضي... فأنت منذ رحيلها تغلق العالم حول نفسك وتعمل ليلًا نهارًا، وما زلت تطارد الإجابة نفسها... يا بني أتعلم... وأنت تقف أمامي الآن تذكرني بك عندما كنت شابًا صغيرًا وعيناك تلمعان بحب الفتاة الوحيدة في حياتك؛ تذكرني وأنت تريد أن تغير مسار حياتك... ماذا تريد اليوم وعلى ماذا تنوى؟
اقترب آدم منها أكثر وقال لها: أريد أن أجدها... والسبيل الوحيد هو بيع آخر ما أملك لإكمال مشروعى.
هزت الأم رأسها ببطء مكملة: تركت الحقوق يوم اخترت الهندسة... ولم يمنعك أحد . واليوم تبيع الأرض أيضًا... في كل مرة تأخذ قرار صعب وتدفع ثمن حلمك عاليأ ، لكن هذه المره الثمن أكبر... من أجل حلم علمي غير مؤكّد، فالراحلون لا يعودون بل يأتي الموعد الذي قدره الله ونحن من نذهب إليهم...
صمتت قليلًا ثم عادت الابتسامة الخفيفة إلى وجهها وقالت: أنا أعرف ممن ورثت العناد وهذا ما يجعلك ابن أبيك، فأبوك كان يملك الشغف نفسه والإصرار ذاته، وأنت ورثتهما عنه، أتذكر عندما أصررت على دراسة التاريخ بعد تخرجك من الهندسة حينها لم يمنعك أحد أيضا .
ثم تغيرت نبرتها ليحمل صوتها خوفًا صادقًا وأردفت: احذر يا بني، فالاقتراب من حدود الزمن هو اقتراب من قضاء الله وقدره، وبين الوهم والحقيقة خيط رفيع...
رفع آدم رأسه أخيرًا، وعيناه تسبحان في الفراغ، وهمس في داخله: يا رب، لست معترضًا على قضائك، بل أحاول أن أثبت أن إرادة البشر يمكنها بالعلم الذى منحتنا اياه أن تجد مفتاحًا لعالم آخر... اللهم إن كان في ذلك شر، فأوقفني.
لم تقل الأم شيئًا، لكنها فهمت من لمعة عينيه ما يرمي إليه. بعد لحظة، رفعت صوتها بهدوء حاسم: إذًا لا تتردد، وبيع الأرض وامضِ خلف حلمك.
نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول الاحتفاظ بتلك اللحظة قبل أن يغادر.
وحين خرج من البيت، لم يكن يحمل أوراق البيع فقط... كان يودّع الماضي كله، ويخطو بإرادته نحو مستقبلٍ لا يعرف إن كان سيمنحه الإجابة... أم سينتزع منه كل شيء.
***
صراع اليأسدخل آدم البيت بخطوات متعبة ومثقلة، وخيّم هدوءٌ مدمّر ورهيب كأن الجدران قد أُفرغت من الهواء دفعة واحدة، فسار ذهابًا وإيابًا بلا هدف واهتزت خطواته المرتجفة مع رنين صدى صوت الدكتور حسين المتكرر الذي ينهش عقله بلا رحمة قائلاً: — أنت تبحث عن خريطة لمدينة لم تُولد بعد.تذكّر آدم طيف تلك النظرات المتبادلة بين العلماء في أعماق المعبد؛ كانت نظرات قاسية ومشوبة بشفقة مهينة لا تُحتمل، كأن أعينهم الصامتة تقول بوضوح جارح: عبقري… لكنه مجنون.فكانت تلك الذكرى الحية كفيلة بتحطيم ما تبقّى من بصيص أمل في قلبه المجروح، وشعوره بهذا الانهيار العنيف لم يكن وليد اللحظة الحالية بل كان صدى عميقًا لفقدٍ مرير استنزف كل طاقاته وأوصد الأبواب الأخيرة أمام حلمه الأبدي.وقف آدم أمام الفراغ القاتل يتنفس بصعوبة بالغة، والجدران المظلمة تبدو وكأنها تتقارب وتتقلص حوله لتخنقه، فلم يعد العلم البشري درعًا يحميه من قسوة الواقع بل صار قيدًا حديديًّا يثقل كيانه المهشم، حيث أدرك بمرارة أن رفض العلماء لم يكن للمعادلات الرياضية نفسها بل لإيمانه المطلق بما وراء الحسابات، إلى ما لا تلمسه الأرقام الجافة.في تلك اللحظة الت
الصدمة الاخيرة ...قبل أن يَنْصَرِفَ آدم من المختبر، وضع الدكتور حسين يده على كتفه برفقٍ وثقة بالغة، وقال بصوتٍ هادئ ممتلئٍ بالإعجاب الحقيقي: — مهاراتك يا بني لا تُقدَّرُ بثمن.قدرتك على الجمع بين الفيزياء النظرية وعلوم البيانات بهذا الشكل الاستثنائي، تعيدُ إلى الأذهانِ عظمةَ عقولٍ لم تعرفِ الحدود؛ كـ ابن الهيثم الذي طوَّع البصريات بالرياضيات، والبيروني الذي صهرَ الفلكَ بالجغرافيا، والجبرتي فى التاريخِ والحساب. هذا النوع من العقول الموسوعية هو ما تحتاجه مصرُ لتطوير مجالاتٍ هامة كالذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء. أنت مَكْسَبٌ عظيم.نظر آدم إلى أمل نظرة سريعة ، ثم إلى الدكتور حسين بنظرة تحمل الامتنان ، وقال بنبرة ثابتة : — شكراً لك يا دكتور… لكن ما توصلت اليه ليس جهدي وحدي. كلنا هنا شركاء فيما وصلنا إليه.لكني لن أستطيع أن أكون مكسبًا لأي أحد حتى أستعيد ما فُقد مني. أهم ما في حياتي الآن أن أفِ بوعدي، وأن أجد تلك اللحظة التي يجب أن أعود إليها أولًا.خرج الجميع بعد وداع هادئ ومقتضب، وتوجهوا نحو الخارج حيث انفتح الباب ليعيدهم إلى واقعهم. جلس آدم في المقعد الأمامي للسيارة المجهزة، ورأسه يميل
الموت مرتين ...عندما انفتح الباب المؤدي إلى الغرفة الثانية، لمعت عيون آدم فور دخوله، لكن ما أسر قلبه كان الجو المحيط؛ فالغرفة بدت وكأنها قطعة من الفضاء الخارجي، معلقة بين أسلاك دقيقة وأنابيب خفية تحاكي نسيج النجوم والكواكب، تتراقص الأضواء عليها ككائنات حية تحرس سرًّا قديمًا، فكل خطوة بدت أنها اختبار حقيقي، لتقيس قدرة قلبه وعقله قبل السماح له بالغوص في أعماق الغرفة.جلس آدم في المكان المشار إليه، وأدرك بوعيه العميق أن البساطة الظاهرية للمكان كانت خدعة محكمة؛ فكل انعكاس للضوء، وكل نقش دقيق على الجدران، لم يكن سوى مقدمة لبوابة أعماق لم يكن العقل البشري يتوقعها.دار بصره بهدوء بين الدكتور حسين والعلماء الجالسين في ترقب تام ينتظر القادم، ثم كسر الدكتور حسين الصمت المطبق وهو يتحرك بخطوات بطيئة وصوت يخترق السكون: — الآن، نريد أن نسمع منك كل شيء بالتفصيل.أخذ آدم نفسًا عميقًا يملأ به صدره، لكنه توقف برهة وابتسم ابتسامة خفيفة تخفي رهبة أعماقه السحيقة، والتفت نحو أمل ليمنحها إشارة البدء بصريًا، ممهدًا الطريق لتولي رفيقته الكشف عن الحقائق الحسابية.فساد صمت ثقيل ومهيب في الأرجاء، وباتت عيون ال
تحت القبة الزرقاءتقدم الدكتور عليّ نحو الباب بثقة رجل يعرف الطريق جيدًا، ثم مدّ يده إلى لوح جانبي صغير كان شبه مخفي بين الصخور، وأخرج تصريح الدخول وكتب سلسلة من الأرقام السرية بأصابع ثابتة... ومع آخر رقم انشق الباب ببطء، وخرج منه ضوء أبيض هادئ، بارد، كأنه يستقبلهم ويحذّرهم في الوقت نفسه.وقف آدم عند العتبة لحظة واحدة امتدت في داخله كعمر كامل؛ تردد لحظة وكأن المجهول المقبل عليه أوقفه، ومع هذا انتابه شعور غامض بأن كل خطوة من هذه الرحلة ستقرّبه أكثر من الحدود التي حذّره الجميع من تجاوزها... ولمعت عيناه بالشغف نفسه الذي دفعه يومًا إلى كسر قوانين الزمكان دون أن يرمش.أخذ نفسًا عميقًا، ثم تقدّم. ودخلوا جميعًا.في الداخل، بدا الجو أقرب إلى مختبر علمي مقدس، مزيج غريب ومذهل بين جلال المعابد القديمة وعراقة الحضارة وسحر الفضاء الخارجي. كانت الغرفة نفسها تبدو كقطعة مقتطعة من نظام زمني أكبر يمتد خارج حدود الأرض ويخضع لقوانين لا تدركها العقول البشرية بسهولة.الجدران منقوشة بعناية متناهية، نقوش فرعونية عريقة تتداخل فيها رموز هندسية غامضة تعكس بصمة الزمن السحيق. الهواء أثقل قليلًا من الخارج، لكنه لم
بوابة المستقبل مرّت ثلاثةُ أيام على لحظةِ الانهيار. ثلاثةُ أيام امتدّت كدهرٍ يخنق أنفاس آدم وهو ينتظر إشارةً واحدة فقط. إشارة تُبقي الشغف حيًّا في صدره، ذلك الشغف الذي لم يعد علميًّا بقدر ما صار جرحًا مفتوحًا لا يندمل.جلس في شرفة منزله والمدينة من حوله غارقة في ضوءٍ أصفر هادئ وقاسٍ. أمسك بكوب القهوة بكلتا يديه، كأن الدفء الخافت فيه هو الشيء الوحيد الذي ما زال يثبّته في مكانه... ارتجفت حواف الكوب قليلًا، فشعر بالاضطراب يسري من أصابعه إلى صدره، ذلك الاضطراب الذي لم يفارقه منذ أن اصطدم بالحقيقة العارية: أن العبور مستحيل.لم يحتسِ منه شيئًا. كل نبضة كانت تعيده إلى ليالٍ قديمة لم يشاركه فيها أحد سواها...ظهرت صورتها فجأة بوضوح مؤلم: جالسة إلى جواره، منحنية فوق الأوراق، تبتسم حين يتلعثم في معادلة، تضرب كتفه بخفّة حين يصرّ على أفكار مستحيلة، ثم تضع يدها فوق يده حين يفقد صبره.كانت الوحيدة التي أشعلت فيه تلك الشرارة التي لم تكتمل، وهي نفسها التي دفعته دون أن تدري ليمدّ يده نحو المستحيل، باحثًا عن لحظة ضائعة في علم أو في حلم من عالم آخر.شعر أن الكوب في يديه لم يعد مشروبًا، بل الشيء الوحيد
... الجدار الاخيربينما كانَ صدى خطواتِ آدمَ المنهكةِ والمترنحةِ يغيبُ تدريجياً في ممراتِ المبنى الطويلةِ، بقيَ عليٌّ وسناءُ غارقينِ في صمتٍ ثقيلٍ أشبهَ بالرمادِ المتناثرِ آثارَ عاصفةٍ مدمرةٍ عصفتْ بكلِّ الحساباتِ العلميةِ.لم تكنِ الفناجينُ الموضوعةُ أمامَهُما سوى ذريعةٍ واهيةٍ لتهدئةِ الأعصابِ المتوترةِ في غرفةِ الاستراحةِ المجاورةِ للمختبرِ؛ فقلقُ اللحظةِ الأخيرةِ وخطرُ الكيانِ الغامضِ المجهولِ الذي تجسدَ على الشاشاتِ قبلَ قليلٍ وكأنهُ يراقبُهم من عوالمَ أخرى كانا يملأنانِ المكانَ رهبةً خانقةً.راقبَ عليٌّ بوجومٍ انعكاسَ الضوءِ الشاحبِ على الأسطحِ الزجاجيةِ، ليفسرَ بصوتهِ المنخفضِ المبحوحِ ثقلَ الهواجسِ المترسبةِ في صدرِهِ: إلى أيِّ مدىً يعتقدُ آدمُ أنْ بإمكانهِ المضيِّ في هذا العبثِ المستحيلِ؟ نحن نعلمُ جميعاً أنهُ لا يلاحقُ مجردَ ذكرى عابرةٍ، لكنْ هل يدركُ حقاً أنَّ ما يقتربُ منهُ ويتجاوزُ حدودَ الفيزياءِ قد يبتلعُ عقلَهُ للأبدِ ويتركهُ مجردَ هيكلٍ فارغٍ؟رفعتْ سناءُ رأسها ببطءٍ، وعيناها معلقتانِ بفراغِ المختبرِ المظلمِ من خلفِ الزجاجِ: الأمرُ تجاوزَ حدودَ العشقِ القديمِ والشوقِ