LOGIN"ماذا لو اكتشفتِ أن حياتك بأكملها مجرد أضحية في كذبة كبرى؟" في ليلة دموية واحدة، يسقط قادة السلالات الثلاث، وتكتشف ثلاث أميرات متعاديات ("مُنى" الوعاء المقدس، "رَنا" أميرة التنانين، و"مَنال" ساحرة النخبة) الحقيقة الصادمة: هن لسن أعداء، بل "مفاتيح" حية سيتم التضحية بها لإيقاظ كيان شيطاني قديم! بعد أن حُكم عليهن بالإعدام بتهمة الخيانة، لم يعد أمامهن سوى الهروب والتحالف مع أخطر ثلاثة رجال منبوذين: دوق الشمال المنفي، محارب التنانين المتمرد، وساحر الظلام المحرم. في وسط مطاردات دموية ورحلة مميتة في الصقيع، تشتعل شرارات حب محرم تقلب الموازين. التصق ظهرها بالجدار البارد، بينما حاصرها الدوق المنفي بعينيه الرماديتين الحادتين، هامساً بغضب مكتوم: "هل تعتقدين أنني سأتركهم يلمسونكِ بعد كل ما حدث؟" "لكنهم سيقتلونك إن دافعت عني!" همست بصوت مرتجف. ابتسم الدوق بقسوة، ووضع يده على مقبض سيفه: "إذن.. فليستعد العالم بأسره للاحتراق، لأنني لن أسمح لأحد بخدش أميرتي!"
View More[بصوت: مُنى]
لم يكن من المفترض أن تطأ قدماي هذا المكان أبداً. مجرد وقوفي هنا، في قلب "الأراضي المحايدة"، يُعد خيانة عظمى لدمائي المقدسة التي طالما أُجبرت على حمايتها. كانت الرياح الليلية تعوي بقسوة، تصفع وجهي كأنها تحذرني من التقدم. لففتُ عباءتي المخملية البيضاء حول جسدي المرتجف، محاولةً إخفاء هويتي. مع كل خطوة كنت أخطوها فوق الأنقاض الحجرية لمعبد "الفجر الأول" المهجور، كانت نبضات قلبي تتسارع حتى كادت تمزق ضلوعي. طعم الدماء المعدني انتشر في فمي بعد أن عضضتُ على شفتي السفلية بقوة لأمنع نفسي من التراجع. (هل أنا خائنة؟ أم أن الخيانة الحقيقية هي تلك الحياة المزيفة التي أعيشها كطائر سجين في قفص ذهبي؟) تسلل هذا السؤال إلى عقلي وأنا أتجاوز الأعمدة المتصدعة. الهواء هنا كان ثقيلاً، لزجاً، ومُشبعاً برائحة احتراق قديمة لا تزول، رائحة تجعل المعدة تتقلص بشدة. حين وصلتُ أخيراً إلى القاعة الدائرية المفتوحة على سماء خالية من النجوم، توقفتُ لالتقاط أنفاسي اللاهثة. كانتا بانتظاري. "لقد تأخرتِ يا صاحبة السمو. هل كان الهروب من حراسكِ الملكيين أمراً شاقاً على قدميكِ الرقيقتين؟" جاء الصوت خشناً، يحمل نبرة سخرية مبطنة ونفاد صبر واضح. التفتُّ لأجد رَنا تستند إلى أحد الأعمدة. كانت بقامتها الطويلة وبنيتها الجسدية القوية تبدو كمفترس ينتظر لحظة الانقضاض. شعرها الأحمر الداكن كان يعبث به الهواء، وعيناها العسليتان تلتمعان في الظلام كجمرتين متوهجتين. على طول عنقها، برزت حراشف التنانين الدقيقة، تعكس ضوء القمر الشاحب، وترتفع وتنخفض مع أنفاسها الغاضبة. "الخروج من القصر المقدس ليس نزهة يا رنا، خطأ واحد وكان حرس والدتي سيقطعون رأسي قبل أن أصل إليكم،" قلتُ بصوت متقطع وأنا أبتلع ريقي الجاف، ثم وجهتُ نظري نحو الزاوية الأكثر ظُلمة في القاعة، "هل ستظلين مختبئة في الظلال كعادتك يا منال؟" تموجت الظلال ببطء، وتكثف الهواء البارد ليأخذ شكل جسد بشري رقيق. تقدمت منال بخطوات لا تصدر صوتاً. شعرها الفضي الطويل كان ينسدل خلفها وكأنه خيوط من ضوء القمر، وعيناها كانتا كعاصفة فلكية مضطربة لا تستقر على لون واحد. كانت هالة من برودة الشتاء القاسية تحيط بها. قالت منال بصوت خافت ولكنه يحمل ارتعاشة رعب لم أعهدها فيها: "لم آتِ إلى هنا للجدال... لقد شعرتُ باضطراب مميت في خطوط الطاقة المحيطة بالكوكب بأكمله. السحر القديم ينزف يا مُنى. هناك شيء يستيقظ في الأعماق، شيء أقدم وأكثر قسوة من كل صراعات سلالاتنا الثلاث." تنهدتُ وأنا أخلع غطاء رأسي، لتنسدل خصلات شعري الذهبي على كتفي وتتطاير مع الرياح. عمري واحد وعشرون عاماً، وكل يوم منها قضيته أُعد لأكون "الوعاء المقدس"، الأمل المنتظر لسلام السلالة الملكية. لكنني في أعماقي كنت أعرف أن السلام مجرد وهم، وأنني لست سوى أداة. قلتُ بجدية، محاولةً تجاهل الرجفة التي سرت في أوصالي: "لهذا جمعتكن اليوم، وفي هذا المكان تحديداً. الصراعات الحدودية بين سحرتك يا منال، وعشائر تنانين رنا، وجيش والدتي، وصلت لطريق مسدود. نحن نفني بعضنا البعض بينما الحكماء جالسون في قصورهم المحصنة يتجاهلون العلامات. المخطوطات الأصلية التي وجدتها مخبأة في الجناح المحرم تتحدث عن..." وقبل أن تكتمل جملتي، دوى صوت انفجار أصم زلزل الأرض من تحتنا بعنف وحشي. فقدتُ توازني وسقطتُ بقوة على ركبتي، فتمزق قماش فستاني الأبيض واحتك جلدي بالحجارة الخشنة، لتسيل قطرات من الدماء الدافئة على ساقي. "انتبهن!" صرخت رنا زائرةً، وقفزت بمرونة خارقة للأمام. في أجزاء من الثانية، تحولت أظافرها إلى مخالب سوداء حادة كالشفرات، والتفت نيران زرقاء حارقة حول ذراعيها استعداداً لهجوم غير مرئي. بدأت منال في تلاوة تعاويذ بلغة منسية بسرعة جنونية، فتوهجت يداها بضوء قرمزي، وارتفعت الأحجار المتناثرة من حولنا لتشكل درعاً دائرياً يحمينا. في منتصف القاعة، حيث المذبح القديم الذي يمثل معاهدة السلام الأولى بين أسلافنا... انشق الهواء. لم يكن مجرد صدع، بل كان تمزقاً مرعباً في نسيج الواقع نفسه. دوى صوت يشبه تمزق اللحم الحي، وتسرب من الشق ظلام لزج، أسود من أحلك ليالي الشتاء، ظلام يبتلع ضوء القمر وحتى ضوء نيران رنا وتعاويذ منال. الهواء انسحب من القاعة، وشعرت بالاختناق كأن يداً خفية باردة تلتف حول عنقي. ومن قلب هذا الظلام المروع... سقط جسد بوزن ثقيل على الأرض، مصدراً صوتاً مكتوماً ومفزعاً. تجمدت الدماء في عروقي، وتوقفت أنفاسي تماماً. (من هذا؟ كيف... كيف يمكن أن يكون هذا حقيقياً؟) ركضتُ نحو الجسد الملقى على الأرض متجاهلة صرخات تحذير رنا وتوسلات منال. ألقيت بنفسي على الأرض بجوار الجسد، ولم أصدق عيني. كانت أمي... "الملكة المقدسة الكبرى". المرأة التي كان العالم بأسره يركع أمامها، كانت ملقاة أمامي كالدمية المحطمة. عباءتها الذهبية الفاخرة كانت ممزقة ومحترقة، وتاج السلطة مفقود. جسدها كان مغطى برماد أسود لامع يمتص الحياة من عروقها، وكانت تسعل دماءً داكنة تلطخ رخام المذبح الأبيض. "أمي! أمي!" صرختُ بصوت مبحوح، ودموعي تنهمر كالسيل الحارق على وجنتي. مددتُ يدي المرتجفتين لألمس وجهها، لكن الحرارة المنبعثة من الرماد الأسود لسعت أصابعي. لم أكترث للألم. سحبتها إلى حضني، فتلطخ فستاني الأبيض بدمائها. (لماذا يحدث هذا؟ أين حرسها؟ أين جيوشها التي لا تُقهر؟ كيف يمكن لأقوى امرأة في الوجود أن تحتضر هكذا بين يدي؟) الصدمة الحقيقية لم تكن في رؤيتها تحتضر، بل في ما كانت تقبض عليه بيدها المرتجفة والمحترقة. فتحت أمي كفها بصعوبة بالغة، وكأن كل حركة تكلفها جزءاً من روحها، لتكشف عن قلادة "عين التنين" الخاصة بملك عشائر التنانين، وتاج "نواة السحر" الخاص بكبير سحرة سلالة منال. كلاهما كانا محطمين إلى شظايا ومغطيين بنفس الرماد الأسود المميت. شهقت رنا من خلفي وتراجعت خطوة للخلف، بينما سقطت منال على ركبتيها وعيناها تتسعان في رعب مطلق. رفعت أمي عينيها المليئتين بالرعب لتنظر إلينا نحن الثلاثة. عيناها اللتان كانتا تشعان دائماً بالقسوة والسلطة، كانتا الآن غارقتين في ندم ويأس لا يوصف. أمسكت أمي بياقة فستاني بضعف، وبصوت واهن، متقطع ومخنوق بالدماء، همست: "لقد خدعونا... التاريخ... تاريخنا كله كذبة! أنتن لستن أعداء... أنتن المفاتيح... المفاتيح التي فتحت له الباب..." "من؟ من هو يا أمي؟ من فعل بكِ هذا؟" صرختُ وأنا أهز كتفيها بهيستيريا، وقلبي يكاد ينفجر من شدة الرعب. لكنها لم تُجب. اتسعت بؤبؤة عينيها، وتحول لونهما الأزرق الصافي فجأة إلى سواد فاحم. انكمش جسدها بين ذراعي، وفي ثانية واحدة مرعبة، انفجر جسد الملكة المقدسة الكبرى بالكامل، ليتحول إلى آلاف الفراشات السوداء المصنوعة من الرماد، والتي تناثرت في الهواء البارد لتتلاشى في العدم، تاركة إياي أحتضن الفراغ. سقطت يداي على الأرض الرخامية الباردة. لم أصرخ. لم أبكِ. كنت في حالة شلل تام، كأن روحي قد سُحبت من جسدي مع تلك الفراشات. ومن داخل الشق المظلم الذي ابتلع أمي، خرجت ضحكة عميقة، شيطانية، ومجلجلة... ضحكة زلزلت أركان المعبد، وجعلت قلبي يتوقف عن النبض.[بصوت: مُنى]مشينا لساعاتٍ طوال داخل قارة الظل. لم يكن المكان يشبه أي شيءٍ رأيناه من قبل؛ كانت الأرض تحت أقدامنا مغطاة بطبقةٍ سميكة من الرماد البارد الذي يبتلع صوت خطواتنا، والأشجار حولنا تقف كجثثٍ متفحمة، بلا أوراقٍ ولا ثمار، أغصانها الملتوية تمتد نحو سماءٍ غارقة في عتمة مطلقة، لا نجوم فيها ولا قمر. كان الصمت هنا ثقيلًا، ومحملًا بترقبٍ مرعب، كأن المكان بأسره يحبس أنفاسه يراقب خطواتنا الدخيلة.(إنه عالمٌ ميت... لا حياة فيه ولا دفء. كيف يمكن لأي شيءٍ أن ينجو هنا؟)مع تزايد الإرهاق الذي أثقل أجسادنا، وخاصة جسدي البشري الضعيف الذي بدأ يخذلني وتتسارع أنفاسه، أشار زياد بيده نحو تجويفٍ صخري ضخم يشبه الكهف المفتوح. كان مكانًا محميًا نسبيًا من الرياح الباردة المحملة بغبار الرماد. اتفقنا على أن نستقر فيه لننال قسطًا من الراحة، ونستأنف رحلتنا مع بداية ما يُفترض أنه الصباح في هذا العالم الذي لا تشرق فيه الشمس.لم نجرؤ على إشعال نارٍ خوفًا من لفت انتباه ما قد يختبئ في العتمة الشاسعة. جلسنا متقاربين، نستمد الدفء من بعضنا البعض. غلفتني ذراعا إلياس كدرعٍ آمن، وأسندتُ رأسي إلى صدره، أستمع إلى نبضات ق
[بصوت: مُنى] خيم صمتٌ ثقيل على الكوخ الخشبي بينما كنا نجمع أمتعتنا القليلة استعدادًا للرحيل. لم يكن صمتًا نابعًا من الخوف، بل كان رهبة الوداع. وقفتُ للحظات أراقب موقد الحطب الذي انطفأت نيرانه وتحولت أخشابه إلى رمادٍ بارد. (هذا الكوخ الصغير، بجدرانه المتشققة وسقفه المائل، كان أكثر من مجرد مخبأ... لقد كان ملاذًا دافئًا شفينا فيها جراحنا الدفينة، و شاهدًا صامتًا على تساقط أقنعتنا واعترافاتنا الصادقة. تركه الآن يعني العودة إلى قسوة العالم، لكن البقاء هنا يعني انتظار الموت ببطء.) تجمعنا حول الطاولة الخشبية المتهالكة، حيث فرد زياد الخريطة القديمة تحت ضوء الصباح الرمادي الخافت الذي تسلل من النافذة الصغيرة. قسمنا المؤن الشحيحة التي تبقت لدينا بعناية فائقة؛ بضع قطع من اللحم المجفف، وقليلٌ من الخبز القاسي، وقوارير ملأناها بماء الثلج المذاب. كانت مؤنًا بالكاد تكفينا لثلاثة أيام إذا اقتصدنا فيها لأقصى حد. مرر زياد إصبعه فوق خطٍ متعرج مرسوم بحبرٍ باهت على الخريطة، وقال بصوته العميق والجاد: "الطريق نحو حافة الشق الأسود سيستغرق نصف يوم من المشي المتواصل عبر هذه التلال الصخرية. سأكون أنا في المق
[بصوت: مُنى] نمت تلك الليلة وابتسامة هادئة لا تفارق وجهي. كنت أضم يدي إلى صدري، أشعر ببرودة الخاتم الجليدي الذي يزين إصبعي، لكنه كان يبعث في قلبي دفئًا لم أشعر به في حياتي كلها. لأول مرة منذ بدء هذه الرحلة الملعونة، شعرت بالأمان. لكن الأمان كان مجرد وهم قصير. لا أعرف متى بالضبط تحول الحلم الهادئ إلى كابوس مرعب. فجأة، اختفى الكوخ الخشبي الدافئ، واختفت نار الموقد. وجدت نفسي أقف في مكان مظلم تمامًا، بلا أرض ولا سماء. مجرد فراغ أسود خانق يسحب الهواء من رئتي. "مُنى؟" سمعت صوتًا مألوفًا يتردد في الظلام. استدرت بسرعة، فرأيت إلياس يقف على بعد خطوات مني. كان يرتدي ملابسه العادية، لكن وجهه كان شاحبًا، وعيناه الرماديتان تدوران في المكان بقلق. ركضت نحوه وأمسكت بذراعه. "إلياس! أين نحن؟ هل هذا حلم؟" أمسك بيدي بقوة، ونظر حوله بحدة. "هذا ليس حلمًا عاديًا. عقولنا تم سحبها إلى مكان واحد... هناك من اخترق أحلامنا." وقبل أن أسأل من يمكنه فعل ذلك، تردد صوت ضحكة عميقة ومزدوجة رجت المكان كله. لم يكن صوتًا بشريًا. كان صوتًا يجعل الدم يتجمد في العروق، وكأن آلاف الأصوات تتحدث في وقت واحد. "يا
[بصوت: منى] الليل كان طويلاً وهادئاً في الخارج، والثلج يتساقط ببطء ليغطي كل أثر تركناه وراءنا. داخل الكوخ الخشبي، كنا نجلس جميعاً في دائرة حول موقد الحطب، نراقب النيران وهي تتراقص وتأكل الخشب الجاف. تعافينا جسدياً من آثار المعركة، لكن الخريطة التي وجدناها كانت مفرودة أمامنا على الأرض، تذكرنا بأن رحلتنا الحقيقية في "أراضي الظل" لم تبدأ بعد. كان هناك سؤال واحد يسيطر على أفكارنا جميعاً، سؤال لم يجرؤ أحد على النطق به بصوت عالٍ: (ماذا لو لم نعد من هذه الرحلة؟ ماذا لو كانت هذه الأيام هي الأخيرة لنا معاً؟) كسر زياد هذا الصمت الثقيل. كان يقلب سيفه الذهبي في يده، وعيناه تنظران إلى النيران بشرود. "هل تتذكر أيام تدريبنا الأولى يا إلياس؟" قال زياد بصوت هادئ ومختلف. "عندما كان القائد طارق يجمعنا في ساحة القصر فجراً، ويجبرنا على الركض في الثلج حتى نفقد الإحساس بأقدامنا؟" ابتسم إلياس ابتسامة صغيرة، وهو يمسح على جبينه. "كيف أنسى؟ كان طارق قاسياً، لكنه كان يرى فينا شيئاً لم نكن نراه في أنفسنا. كان يربط بيننا في كل تدريب وكأننا شخص واحد." تنهد زياد، ووضع سيفه جانباً. نظر إلى إلياس نظرة عمي