LOGINبقي ريو جالسًا داخل سيارته أمام بوابة الجامعة بعد أن دخلت هانا إلى مبنى الكلية، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة وهو يتذكر احمرار وجهها عندما اعترفت بأنها تغار عليه.
لم يكن يتخيل يومًا أن يسمع مثل هذه الكلمات من شخص آخر. لكن هدوءه لم يدم طويلًا، إذ بدأ هاتفه بالاهتزاز فوق لوحة القيادة. نظر إلى الشاشة باستغراب، فالرقم الذي يتصل به لم يكن محفوظًا لديه. - مرحبًا؟ جاءه صوت رجل يتحدث بجدية: - سمعت أنك الأفضل في هذا المجال. عقد ريو حاجبيه قليلًا قبل أن يسأله ببرود: - ماذا تريد؟ - لدي مهمة لك. أغلق ريو عينيه للحظات. لقد مر شهر كامل منذ آخر مهمة نفذها، حتى إنه بدأ ينسى حياته القديمة عندما يكون مع هانا. - من الهدف؟ - رئيس مجلس إدارة مجموعة "هان سيونغ"، تشوي دوهيون. اتسعت عينا ريو قليلًا عند سماع الاسم، فقد كان أحد أشهر رجال الأعمال في المدينة. - المبلغ ليس مشكلة، أريد إنهاء الأمر اليوم. صمت ريو لثوانٍ قبل أن يوافق على المهمة. بعد أقل من ساعة، كانت سيارته تقف بالقرب من مبنى شاهق تابع للشركة. ارتدى ملابس أحد عمال الصيانة بعد أن تسلل إلى غرفة تبديل الملابس الخاصة بالموظفين، ثم حمل أدوات تنظيف النوافذ واتجه نحو المصعد بهدوء وكأنه يعمل هناك بالفعل. كان يعرف كيف يخفي وجوده عن الجميع، فهذه الحياة عاشها لسنوات طويلة. وصل أخيرًا إلى منصة تنظيف النوافذ الخارجية، وبدأ بالصعود تدريجيًا نحو الطابق الذي كان يُعقد فيه الاجتماع المهم. من خلف الزجاج، استطاع رؤية عدد من رجال الأعمال المجتمعين داخل القاعة. رفع منظاره الصغير ليتأكد من هوية الهدف، ثم ثبت سلاحه المزود بكاتم للصوت واستعد لإطلاق النار. لكن في اللحظة التي ضغط فيها على الزناد، تحرك أحد الموجودين داخل القاعة بشكل مفاجئ. أصابت الطلقة الهدف الرئيسي، بينما أصابت شظايا الزجاج وارتطامها أحد الحاضرين في ذراعه أثناء محاولته الابتعاد. لم ينتظر ريو أكثر من ثانية واحدة، بل بدأ بالانسحاب فورًا واختفى من المكان قبل أن يدرك أحد ما حدث. --- بعد انتهاء المهمة، عاد إلى الجامعة وكأن شيئًا لم يحدث. كان واقفًا بجانب سيارته عندما لمح هانا تخرج من البوابة وهي تحمل حقيبتها وتلوح له بيدها مبتسمة. ابتسم لها بخفة وهو يفتح لها باب السيارة. - كيف كان يومك؟ - ممل كالعادة. لكن قبل أن تتمكن من الجلوس، بدأ هاتفها بالرنين. - إنه أبي. ابتسمت وهي تجيب على المكالمة. - مرحبًا أبي! لكن خلال ثوانٍ فقط، اختفت الابتسامة عن وجهها بالكامل. - ماذا؟! بدأت ملامحها تشحب تدريجيًا بينما كانت تستمع إلى الطرف الآخر. - هل... هل هو بخير؟! ارتجف صوتها وهي تسأل بقلق واضح. وقف ريو مكانه وهو يشعر بشيء غريب يتسلل إلى صدره. - ماذا حدث؟ أنهت المكالمة بصعوبة، وما إن رفعت رأسها نحوه حتى كانت دموعها قد بدأت بالتجمع في عينيها. - كان أبي في اجتماع اليوم مع رئيس إحدى الشركات الكبيرة. توقفت لثوانٍ قبل أن تكمل بصوت مرتجف: - كان هناك قاتل استهدف رئيس الشركة... وأبي أصيب في ذراعه أثناء الحادث. تجمد ريو في مكانه. - ماذا؟ - الحمد لله أنها إصابة بسيطة، لكنه الآن في المستشفى! ولم تستطع حبس دموعها أكثر من ذلك، فأجهشت بالبكاء وهي تتمسك بطرف سترته. - لقد خفت كثيرًا يا ريو... ماذا لو أصابه شيء خطير؟ شعر وكأن العالم قد توقف من حوله للحظة. لقد كان هو من ضغط على الزناد قبل ساعات قليلة. ولو تحرك جون كيم خطوة أخرى فقط... ربما كان الأمر سينتهي بشكل مختلف تمامًا. نظر إلى دموعها بصمت بينما كان قلبه يثقل شيئًا فشيئًا. وللمرة الأولى منذ لقائه بهانا، بدأ يشعر بالخوف من ماضيه أكثر من أي وقت مضى. لأنه أدرك أخيرًا أن حياته كقاتل مأجور قد بدأت تقترب من أكثر شخص يخشى خسارته في هذا العالم.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







