Share

هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة
هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة
Author: موعد طيب

الفصل 1‬‬

Author: موعد طيب
"يا ندى السالمي، لا تظنّي أن استغلالكِ لأمجادكِ العسكرية لإجباري على الزواج منكِ سيجعلني أحبكِ، هذا مستحيل!"

بعد مرور عشر سنوات، ها أنا أسمع تلك السخرية المألوفة مجددًا.

كان سيف الراوي يقف أمامي حيّا، في ريعان شبابه.

كان يبدو في بزته العسكرية مفعمًا بالحيوية والشموخ، لكن السخرية التي لم يستطع إخفاءها في عينيه تسببت في وخز خفيف في قلبي.

لم أمت، بل عدت بالزمن عشر سنوات إلى الوراء.

كبحتُ غصتي، ورحت أحدق دون أن يرف لي جفن في ذلك الوجه الذي طالما حلمت به ليل نهار طوال عشر سنوات.

"أعلم أن من تحبها هي جمانة التميمي، وأنها هي من ترغب في الزواج بها، أليس كذلك؟"

عقد سيف حاجبيه قليلا، ونظر إليّ بعينين ملؤهما الحذر.

"وماذا لو عرفتِ؟ أحذركِ، لا تدبّري مكائد في الخفاء، فأنا..."

"سأحقق لكما ما تريدان."

قاطعته بصوت خافت.

حدق بي سيف بجمود، وبعد لحظات، أطلق ضحكة ساخرة باردة.

"ليس لدي وقت لسماع ترهاتكِ، وقعي بسرعة، فقائد الكتيبة ينتظر إدراج الملف في السجلات."

ألقى إليّ بطلب الزواج الذي وافق عليه قائد الكتيبة بلا مبالاة، ثم استدار مغادرًا.

وأنا أنظر إلى ظهره وهو يبتعد حتى توارى عن الأنظار، شعرت بقلبي يعتصر ألمًا وكأن الإبر تغرس فيه مجددًا.

في حياتي السابقة، كنت أحبه حبًا جما.

فقط لأنه أنقذني ذات مرة غير عابئ بالمخاطر، توهمت خطأ أنه يبادلني المشاعر.

حتى والداه كانا يقولان: "ابننا لسانه سليط لكن قلبه طيب، لو لم يكن يحبكِ، كيف كان سيخاطر بحياته لإنقاذكِ؟"

لكن بعد الزواج، أدركت مدى فداحة خطئي.

فور علمه بانتحار جمانة، قدم سيف طلبا فوريا للنقل إلى الحدود.

وتركني وحدي أضيع عشر سنوات من عمري هباءً، لينتهي بي المطاف منبوذة من الجميع ومحط ازدراء الكل.

ما زلت أذكر بوضوح، عندما ذهبت خلسة لزيارته في الحدود، سمعته وهو مخمور يتحدث مع رفيق سلاحه بجانبه.

"ما كان يجب أن أتزوج ندى، وما كان يجب أن أستمع لرأي والديّ المتعنت، والأهم من ذلك، ما كان يجب أن أغيب عن جمانة في الوقت الذي كانت فيه بأمس الحاجة إليّ."

"أنا نادم بشدة..."

وتلك الجملة التي قالها قبل موته، حين طلب مني ألا ألاحقه مجددًا، كانت القاضية التي حطمتني تمامًا.

اتضح أن حبي له طوال تلك السنوات العشر، كان عذابا له طوال السنوات العشر أيضا.

كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته هو لقاؤه بي.

لحسن الحظ، منحني القدر فرصة أخرى للبدء من جديد.

هذه المرة، لن أدعه يموت بسببي.

سأحقق له مراده، وسأعتبر ذلك ردا لجميله حين أنقذ حياتي في الماضي.

وبعد إنهاء كل هذا، سيذهب كل منا في حال سبيله.

ولن أعود لملاحقته ما حييت.

التقطتُ طلب الزواج من على الأرض، وفي خانة اسم الزوجة، كتبتُ اسم جمانة التميمي.

ثم توجهت إلى البوابة الرئيسية، واستعددت لركوب السيارة.‬
Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   ‫الفصل 10‬‬

    قلت بنبرة هادئة."أنا وهو لم نتزوج قط، ولا توجد بيننا أي علاقة، لذا فإن احتجازكم لي لن يجدي نفعا.""هاه، يا حقيرة، لسانكِ ما زال قاسيا!"ضحك أحد الرجال الضخام البنية بسخرية."لدينا مصادرنا الخاصة، وقد أخبرتنا أن سيف لا يحب أحدا في الدنيا بقدر ما يحبك.""واليوم، أريد أن أرى بأم عيني إلى أي مدى يمكن أن يضحي قائد السرية سيف من أجل امرأته!"بدا وكأن التاريخ يعيد نفسه.حاولت المقاومة، ولكن دون جدوى، فحسمت أمري.إذا حضر سيف لإنقاذي مرة أخرى، فإنني أفضل الموت بيدي على أن أكون مدينة له بأي شيء.لكن ما لم أتوقعه هو أن أول من وصل إلى المكان كان زياد.وبينما كان الخاطفان يسبّان ويشتمان، تسلّل زياد من الخلف ثم انقضّ عليهما.ونشب عراك عنيف بين الطرفين.وعندما أدرك أحد الخاطفين أنهما سيخسران، استل سكينا فجأة وانقض عليّ بشراسة."إذا كان لا بد من الموت، فسآخذكِ معي!"راقبت نصل السكين وهو يقترب مني شيئا فشيئا، فأغمضت عينيّ في يأس.ومع ذلك، لم أشعر بالألم الذي توقعته.فتحت عينيّ، لأكتشف أن سيف قد ظهر فجأة من حيث لا أدري، ووقف أمامي كدرع بشري.كان نصل السكين قد انغرس في ظهره مخترقا قلبه.وبدأ يبصق الدم ب

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   ‫الفصل 9‬‬

    رفع رأسه، وعيناه تفيضان بالترقب والأمل.هززتُ رأسي ببطء."أنت تدين لي بحياة، فكيف يمكنك تعويض ذلك؟"عند سماع هذه الكلمات، انهار سيف تماما."أنا آسف يا ندى، أنا آسف..."لم أُعره أي اهتمام، واستدرت وغادرت غرفة المريض.في الأيام التالية، كنت أتعمد تجنب سيف.لاحظ زياد، الذي كان يأتي لرؤيتي كثيرًا، هذا الأمر ولم يستطع كبح فضوله."ما صلتك بذلك الشخص المصاب؟"هززتُ رأسي بخفة."شخص من الماضي، لا أريد الحديث عنه."زم زياد شفتيه، وتنحنح محاولا تغيير الموضوع."يا ندى، نحن نعرف بعضنا منذ فترة طويلة، في الحقيقة أنا معجب بك منذ وقت طويل، هل تقبلين..."عند رؤية مظهره المرتبك والمتحفظ قليلا، لم أتفاجأ على الإطلاق.في هذا العالم، لا أحد يعاملك بلطف دون سبب.خلال هذين العامين، اعتنى بي زياد في كل شاردة وواردة.بالطبع، كنت قد خمنت نواياه منذ وقت طويل.لكن بين حياتي السابقة والحالية، كنت مثخنة بالجراح العاطفية.وليس لدي حقًا أي رغبة في بدء علاقة عاطفية جديدة.يبدو أنه لاحظ ترددي، فلوح زياد بيده بسرعة."يا ندى، لا تحرجي نفسك، إعجابي بك هو شأني الخاص، لا تشعري بأي عبء نفسي.""لا أحد يعرف ما يخبئه المستقبل،

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   ‫الفصل 8‬‬

    لكنه في هذه اللحظة كان يبكي بحرقة والدموع تنهمر من عينيه."هذا رائع، ندى، أنتِ لا تزالين على قيد الحياة..."قطبتُ حاجبيّ قليلا."اترك يدي يا سيف، لقد انفتح جرحك!"لكن مهما حاولتُ بقوة، لم أتمكن من سحب يدي.شعرتُ ببعض نفاد الصبر، وارتفعت نبرة صوتي كثيرا."قلتُ لك اترك يدي!"ذُهل سيف، وأفلت يدي وهو في حالة شرود.حركتُ معصمي قليلا، ثم غيّرتُ الموضوع."لماذا جئتَ إلى هنا؟""أنا... جئتُ إلى هنا لمكافحة قطاع الطرق... لكنني وقعتُ في فخ...""ظننتُ أنكِ متِّ، وكنتُ أفكر دائما في فعل شيء من أجلك.""لأمنع تعرضكِ لحادث مرة أخرى كما حدث في الحياة السابقة، لهذا السبب أنا..."عند سماع ذلك، أدركتُ فورا أنه قد عاد للحياة من جديد أيضا.عندما رأى رد فعلي، تحدث بحذر شديد."ندى، هل... هل عدتِ أنتِ أيضا؟"حافظتُ على وجه خالٍ من التعبير، وبدّلت له الضماد بمهنية تامة."لا تقم بحركات عنيفة، يجب ألا يلمس الماء الجرح، وحاول أن يكون طعامك خفيفا..."انطفأ بريق عيني سيف شيئا فشيئا.وبينما كنتُ أستعد للاستدارة والمغادرة، ناداني فجأة."ندى، أليس... أليس لديكِ ما تقولينه لي؟"توقفت خطواتي، وبعد فترة صمت، تحدثتُ ببطء.

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   ‫الفصل 7‬‬

    كان والداي حين كانا على قيد الحياة يتمنّيان أن أدرس الطبّ لأداوي الناس وأخفّف آلامهم. واليوم أسير بالفعل نحو هذا الهدف. وبفضل أساسياتي المتينة وما صقلته تجارب حياتين من رباطة جأش، التحقتُ بالمستوصف.كل يوم، منذ أن أفتح عيني، أنشغل بتشخيص المرضى وعلاجهم، ودراسة الوصفات الطبية، ووضع خطط علاجية متنوعة.رغم رتابة الحياة، فإنها كانت على الأقلّ مشغولة ومُجدية.لكن المواصلات هنا غير مُيسّرة، وأحيانًا أضطر إلى الذهاب إلى بيوت القرويين لعلاجهم.في إحدى المرات تأخرت كثيرًا، وعندما غادرت، كان الظلام قد بدأ يخيم على المكان.وفي طريق العودة، شعرت برهبة وكآبة تحيط بي من كل جانب.ظننت في البداية أن السبب هو الفارق الكبير في درجات الحرارة بين الليل والنهار.حتى رأيت نقاطا من الضوء الأخضر تقترب خطوة بخطوة في الظلام، فتجمد الدم في عروقي لحظتها.إنها قطيع من الذئاب!لم أدرك أنني قد حوصرت من قبل الذئاب دون أن أشعر!وبينما كان اليأس يتسلل إلى قلبي، اندفع نحوي ظل شخص يحمل شعلة نار بسرعة.إنه زياد.وقف أمامي كدرع حصين، وسحب خنجره من خصره، وواجه قطيع الذئاب المحيط بنا بمفرده.شنت الذئاب الجائعة هجومها.راح

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   ‫ الفصل 6‬‬

    "اصمتي!" صرخ سيف وعيناه محتقنتان بالدماء، بينما كانت قبضة يده تزداد إحكاما حول عنقها."ندى لم تمت، إنها غاضبة فقط واختبأت في مكان ما!""كل هذا بسببكِ أيتها الحقيرة، لولا إغواؤكِ المستمر لي..."توقف عن الكلام فجأة.فقد أدرك هو نفسه كم هو مضحك وواهٍ هذا العذر.عندما شعرت جمانة أن أنفاسها بدأت تتلاشى، تملّكها الرعب أخيرا.بدأت تتلوى بين يديه وهي تتوسل إليه أن يصفح عنها."أنا.. أنا مخطئة يا سيف، أرجوك. ارحمني هذه المرة..."في تلك اللحظة، دوى صوت رجولي خشن من الخارج."جمانة!""لا تظني أنني لا أعرف أنكِ تختبئين هنا!""أيتها الساقطة، تأخذين أموالي ثم تذهبين لتبحثي عن رجال آخرين؟!"كان القادم هو مبروك الدليمي، ابن صاحب المصنع في البلدة. ركل الباب بقدمه ليفتحه على مصراعيه، وعندما رأى المشهد أمامه، رفع حاجبيه بتهكم."أوه، يبدو أن القائد سيف يهوى نساء الآخرين أيضا؟""أنت رجل على وشك تكوين أسرة، ألا تخشى الفضيحة؟""وإذا كنت تشتهي هذا النوع، ألم يكن من الأسهل أن تدفع ثمنه؟ ثلاثة دولارات للمرة الواحدة وتنتهي القصة، هل يستحق الأمر كل هذا العناء لتخطفها مني؟"وبدافع العادة والواجب، اندفع سيف لحمايته

  • هذا العمر بلا شغف بليلة هانئة   الفصل 5‬‬

    بعد تردد طويل، تحدث أخيرا."أيها القائد، لقد تم التحقق من الأمر، عند انهيار الجسر، كانت هناك سيارة خارجة...""الآنسة ندى هي... كانت أيضا في تلك السيارة..."قُدِّمت له شهادة وفاة مختصرة وطلب الزواج الذي أُعيد.تسلمهما سيف بذهول، ولكن عندما رأى اسم جمانة التميمي مكتوبا أسفل الطلب، اتسعت حدقتا عينيه في لحظة.تمتم بغير تصديق: "لا، هذا مستحيل، من الواضح أنها كانت تحبني كثيرا..."انحدرت الدموع على وجنتيه، وسقطت على وثيقة الزواج، فأسالت الختم القاني وطمست حوافه.تلك الورقة الرقيقة في يده، بدت في هذه اللحظة ثقيلة كالجبال.لم يعد قادرا على التحمل، فتقيأ دما وسقط مغشيا عليه على السرير.رأى سيف حلما طويلا جدا.في الحلم، لم تمت ندى، وقد أتمّا زواجهما بسلاسة.لكن الحياة بعد الزواج لم تكن سعيدة، ففي الحلم لم يكن يرغب في رؤية ندى، فقط لأنها تسببت في موت المرأة التي أحبها، جمانة.أضاع الاثنان عقدا كاملا هباءً.في النهاية، عندما علم باختطافها، لم يبالِ بالخطر في حلمه، وضحى بحياته مقابل فرصة لنجاتها."إذا كانت هناك حياة أخرى، أرجوكِ، لا تلاحقيني مجددا..."اتسعت عينا سيف بذهول.لم يفهم لماذا قال مثل هذا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status