All Chapters of ثـمـن الـكــبـريـــاء: Chapter 1 - Chapter 8

8 Chapters

الفصل الأول: "ميثاق الصمت والكبرياء"

في تلك الغرفة الصغيرة الملحقة بقاعة عقد القِران، كان الوقت يمرّ ثقيلاً، كأنه رمالٌ تسيل في ساعة رملية معطلة. لم تكن سديم ترى في جدران الغرفة العاجية سوى حدود زنزانة فخمة أُعدت لها بعناية. جلست فوق المقعد الخشبي، وفستانها الأسود الطويل ينسدل حولها كليلٍ لا ينتهي، أكمامه المطرزة تخفي خلفها ارتعاش يدين لم تعرفا يوماً كيف ترفضان طلباً لمن تحب. كان وجهها الشاحب خلف الطرحة السوداء يحكي قصة "العروس التي لم تبتسم". لم تكن سديم تملك رفاهية البكاء؛ فالدموع ترفٌ لمن يملكون الخيار، وهي اليوم كانت تؤدي دور "الثمن" في صفقةٍ لم تفهم كل خيوطها، لكنها أدركت قيمتها في عيني أخيها. استرجعت في مخيلتها صورة مروان؛ ذلك الطفل الذي شاخ قبل أوانه، الذي أكلت عشرون عاماً من الكدح نضارة وجهه لكي تظل هي "سيدته المحمية". همست لنفسها بصوت كاد يختنقه الدانتيل العالي لياقتها: "هذا عمرك الذي وهبتني إياه يا مروان.. أدفعه لك اليوم استقراراً." قُطع صمتها بدخول سيدة تفيض بالوقار والحدة في آن واحد. لم تكن سوى "والدة عاصف" السيدة ياسمين . مشت بخطى واثقة، وعيناها الثاقبتان تتفحصان سديم من الرأس حتى أخمص القدمين. لم تك
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الـليلـة المـوصدة

صعدت سديم درجات السلم الرخامي خلفه بخطى مثقلة بالخيبة، كان صمت القصر من حولها يبدو وكأنه يراقبها، يتربص بكل نفس تخرجه. عندما وصلا إلى الجناح العلوي، دفع عاصف الباب المزدوج الضخم ودخل، ثم وقف في منتصف الغرفة الشاسعة التي كانت تفيض بفخامة باردة، غلب عليها اللون الرمادي والأسود، تماماً كصاحبها. بقيت سديم عند العتبة، لا تجرؤ على التوغل أكثر في "منطقته". استدار عاصف ببطء، نزع سترته السوداء وألقاها على المقعد بإهمال، ثم بدأ يفك أزرار أكمامه وعيناه لا تفارقان وجهها. كانت نظراته تملك تأثيراً غريباً، كأنها تجردها من وقارها وتضعها في خانة "التابع". "لماذا تقفين هناك؟" سأل بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف، "ادخلي وأغلقي الباب خلفكِ. انتهى وقت التظاهر أمام مروان والناس." تحركت سديم وأغلقت الباب بهدوء، ثم وقفت بشموخها المعتاد رغم الانكسار الذي يعتصر قلبها. "ماذا تريد مني يا عاصف؟ لقد أوفيتُ بعهدي أمام الجميع، وأصبحتُ الآن زوجتك." ضحك عاصف ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح، وتقدم نحوها بخطوات واثقة حتى لم يتبقَّ بينهما سوى إنشات قليلة. انحنى قليلاً ليصل لمستوى أذنها، ولفحت أنفاسه الباردة وجنتها: "زوجتي؟
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

وليمة الأقنعة

أمام المرآة الكبيرة في الجناح الملكي، كانت سديم تقف كتمثال من مرمر. كانت أيادي الخادمات تتحرك حولها بسرعة، يضعن اللمسات الأخيرة على مظهرها بأمرٍ مباشر من عاصف. لم تكن سديم تملك من أمرها شيئاً؛ فالفستان ذو اللون الأزرق الليلي العميق، والمخمل الفاخر الذي يكسو جسدها بوقار تام، كان اختيار عاصف ليعكس هيبة بيته.وضع عاصف لمسته الأخيرة؛ عقد من الألماس النادر، طوق به عنقها ببرود وكأنه يضع قفلاً على ملكية خاصة. همس خلف أذنها بينما كانت الخادمات يغادرن:"الليلة يا سديم، أريد صمتكِ أن يكون أبلغ من الكلام.. ووقاركِ أن يكون أمضى من السيف."عند هبوطهما الدرج العظيم، كانت القاعة تضج بالنخبة، لكن في صدر المكان، جلست العائلتان كقطبين متنافرين. أم عاصف كانت تتوسط المجلس كملكة تراقب إمبراطوريتها، بينما كانت والدة سديم تجلس بقلق فطري، تمسك بسبحتها وتنظر لابنتها بقلبٍ لا يخدعه البريق.اقترب مروان من عاصف، ووضع يده على كتفه بزهو: "يا عاصف، أختي اليوم تبدو وكأنها ولدت في هذا القصر. شكراً لأنك جعلتها تبتسم." لم يكن مروان يدرك أن تلك الابتسامة كانت مجرد تمرين شاق أدته سديم أمام المرآة.أجابت أم عاصف بنبرة تقط
last updateLast Updated : 2026-03-12
Read more

الرهينة الصامتة

كان الصباح في القصر يلفه هدوءٌ خادع. في مكتبه، كان عاصف يرتشف قهوته وعيناه على الحديقة، يفكر في انتصاره الصغير ليلة أمس. لم يكن يرى في سديم شريكة، بل كان يراها "استثماراً ناجحاً"؛ امرأة بوقارها وصمتها وأصلها جعلت ليان تبدو ضئيلة. كان ممتناً لأمه التي اقترحت عليه سديم؛ فهو يثق بأن أخت صديقه مروان لن تخذله أبداً، ولن تفكر يوماً في التمرد عليه، فهي "مضمونة" بحكم القرابة والصداقة. خلف الأبواب الموصدة، كانت نايا تواجه والدتها ياسمين بحدة: "أمي، ما فعلناه بسديم يفوق الاحتمال ! عاصف يعاملها كأداة انتقام لأنه يظن أنها اختارت العيش هنا بمحض إرادتها.. هو لا يعلم أنها هنا لتسدد ديون مروان !" ردت الأم ببرود وهي تعدل عقدها: "وهذا هو سر قوة اختيارنا يا نايا. عاصف يحتاج لامرأة لا ترحل، وسديم لن ترحل أبداً لأنها تعلم أن رحيلها يعني ضياع أخيها مروان. صمتها هو ضمان استقرار أخيكِ عاصف، وهذا كل ما يهم." دخلت سديم الغرفة، فانسحبت الأم ونايا. اقترب عاصف منها، وبنظرة تملّك نرجسية قال: "أتعلمين لماذا اخترتكِ يا سديم؟ ليس فقط لأنكِ وقورة، بل لأنني أعلم أنكِ لن تجرئي يوماً على تركي كما فعلت ليان. أنتِ أخ
last updateLast Updated : 2026-03-13
Read more

تصدعات في جدار الثقة

كان الصمت في جناح عاصف وسديم يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم. عاصف، بنرجسيته المعهودة، لم يكن يكتفي بمجرد وجود سديم بجانبه كزوجة وقورة؛ بل كان يراقبها بعينين تترصدان أي هفوة. كان يشعر أن هناك خيطاً خفياً يربط بين موافقتها المفاجئة عليه وبين زواج أخته نايا من مروان. في صباح ذلك اليوم، التقت سديم بنايا في ممر القصر العلوي. كانت نايا تبدو شاحبة، والتوتر بادياً على ملامحها وهي تستعد للانتقال لبيت مروان بعد أيام. "سديم.. أنا خائفة،" همست نايا وهي تتلفت حولها، "مروان بدأ يتساءل لماذا أصرت أمي على زواجكما في نفس التوقيت.. بدأ يشعر أن هناك شيئاً لم نخبره به." نظرت سديم إليها بوقارها الصامد، وقالت بصوت خفيض وحازم: "نايا، مروان قضى عشرين عاماً يضحي من أجلي.. وهذا أقل ما يمكنني فعله لأجله. لا تضعفي الآن. إذا علم مروان أن زواجي من عاصف كان 'شرطاً' وضعته أمكِ، سيهدم كل شيء. لن يقبل أن يكون ثمن سعادته هو حريتي." نايا بدموع مكتومة: "وعاصف؟ هو يسألني باستمرار.. يشعر أنني أخفي عنه شيئاً." سديم: "عاصف نرجسي يا نايا، لن يصدق أبداً أن أحداً يمكن أن يخطط له حياته من خلف ظهره. هو يظن أنه هو من اختارن
last updateLast Updated : 2026-03-13
Read more

تحت مجهر الحقيقة

كانت القاعة الكبرى في الجامعة تعج بالحضور؛ أساتذة، طلاب، ورجال أعمال جاؤوا تلبيةً لـ "ندوة الصحة النفسية" التي رعاها عاصف. جلست سديم في مقعدها بين زملائها، تشعر بثقل نظرات عاصف التي كانت تلاحقها من موقعه في الصف الأول بجانب العميد. لم تكن هذه ندوة علمية بالنسبة لها فحسب، بل كانت اختباراً لصمود وقارها أمام محاولات عاصف لفرض وجوده في كل تفاصيل حياتها.التكريم المستحقبعد انتهاء الكلمة الافتتاحية، وقف العميد وقال بفخر:"والآن، يسعدنا أن نستضيف على المنصة الطالبة التي رفعت اسم كليتنا عالياً، الأولى على دفعتها لسنوات متتالية، والمتميزة ببحوثها في سيكولوجية الشخصية، الطالبة أحمد سديم. تفضلي لمشاركتنا رؤيتكِ العلمية."لم يذكر العميد أنها زوجة عاصف، فقد كانت دعوتها بناءً على استحقاقها الشخصي وتفوقها، وهو ما منح سديم شعوراً بالاستحقاق والحرية. وقفت بوقارها المعتاد، صعدت المنصة بخطوات ثابتة، وعباءتها الساترة تضفي عليها هيبة جعلت القاعة تسكن تماماً.قالت سديم بصوت واثق ورزين:"في علم النفس، ندرس أن بعض الشخصيات تبني حول نفسها أسواراً عالية من القوة والسيطرة، ليس حباً في السلطة، بل كآلية دفاعية
last updateLast Updated : 2026-03-13
Read more

بداية الحصار

استقرت عقارب الساعة على الحادية عشرة ليلاً حين توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة القصر الضخمة. ترجلت سديم بخطوات متعبة لكنها ثابتة، عباءتها السوداء كانت توحي بوقارٍ لم يهتز رغم طول النهار ومشقة المواجهة. دخلت القصر، ليكون الصمت المريب هو أول ما استقبلها؛ صمتٌ يسبق العاصفة التي تعلم أنها تنتظرها في الطابق العلوي. صعدت السلم ببطء، وحين وصلت إلى باب الجناح، ترددت للحظة، ثم فتحته. كان الجناح غارقاً في الظلام، إلا من ضوء خافت ينبعث من ركن الغرفة، حيث كان عاصف يجلس على كرسي جلدي ضخم، يضع ساقاً فوق الأخرى، ويمسك بيده سيجاراً يتصاعد دخانه ببطء. لم يلتفت إليها، بل ظل يحدق في الفراغ، وصوت أنفاسه المكتومة كان يملأ المكان توتراً. "تأخرتِ يا سديم،" قالها بصوت منخفض، يقطر بروداً وتهديداً. وضعت سديم حقيبة كتبها على الطاولة بهدوء: "أخبرتُك أن لديّ مراجعة في المكتبة، والمواصلات في هذا الوقت كانت مزدحمة." وقف عاصف فجأة، وخطا نحوها بخطوات بطيئة ومنتظمة حتى حاصرها بظله الطويل. أشعل النور فجأة، فارتجفت عيناها من شدة الضوء المفاجئ. نظر إلى ملامحها المرهقة، ثم مد يده وأمسك بذقنها ليرفع وجهها إليه بقوة. "م
last updateLast Updated : 2026-04-04
Read more

8

ركبت سديم بجانبه في السيارة، وكان الصمت بينهما أثقل من الكلام. حين وصلا إلى باب الكلية، ترجل عاصف معها، وهو أمرٌ لم يفعله من قبل. مشى بجانبها بخطوات واثقة، يوزع نظرات حادة على كل من يمر بهما، وكأنه يضع علامة ممنوع الاقتراب على حضورها. في هذه الأثناء، كان مروان يجلس في مكتبه، لكن عقله لم يكن في أوراق العمل. كانت كلمات سديم في الجامعة عن "الهروب" و"التملك" ترن في أذنيه. دخلت عليه نايا لتخبره ببعض الترتيبات، لكنها لاحظت شروده. "مروان.. مابك؟ هل هناك خطبٌ في العمل؟" سألت نايا بقلق. نظر مروان إليها مطولاً، ثم قال: "نايا.. هل سديم سعيدة مع عاصف؟" ارتبكت نايا، وحاولت جاهدة إخفاء توترها: "بالطبع.. عاصف يحبها بطريقته، وهي تحبه وتناسبه تماماً." مروان بضيق: "أعرف عاصف منذ طفولتنا، أعرف تملكه. لكنني بالأمس رأيتُ في عيني سديم شيئاً لم أعهده.. رأيتُ انكساراً تحاول ستره بوقارها. هل هناك شيء أخفيتماه عني أنتِ ووالدتكِ بخصوص هذا الزواج؟" شحب وجه نايا، وتذكرت المقايضة التي كانت ثمن زواجها بمروان. قالت بصوت مرتجف: "لا يا مروان.. هي فقط ضغوط الدراسة والمسؤولية الجديدة." مروان قام من مكتبه بغضب مكت
last updateLast Updated : 2026-04-05
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status