Share

الـليلـة المـوصدة

Author: _noubella_
last update publish date: 2026-03-12 22:19:43

صعدت سديم درجات السلم الرخامي خلفه بخطى مثقلة بالخيبة، كان صمت القصر من حولها يبدو وكأنه يراقبها، يتربص بكل نفس تخرجه. عندما وصلا إلى الجناح العلوي، دفع عاصف الباب المزدوج الضخم ودخل، ثم وقف في منتصف الغرفة الشاسعة التي كانت تفيض بفخامة باردة، غلب عليها اللون الرمادي والأسود، تماماً كصاحبها.

بقيت سديم عند العتبة، لا تجرؤ على التوغل أكثر في "منطقته".

استدار عاصف ببطء، نزع سترته السوداء وألقاها على المقعد بإهمال، ثم بدأ يفك أزرار أكمامه وعيناه لا تفارقان وجهها. كانت نظراته تملك تأثيراً غريباً، كأنها تجردها من وقارها وتضعها في خانة "التابع".

"لماذا تقفين هناك؟" سأل بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف، "ادخلي وأغلقي الباب خلفكِ. انتهى وقت التظاهر أمام مروان والناس."

تحركت سديم وأغلقت الباب بهدوء، ثم وقفت بشموخها المعتاد رغم الانكسار الذي يعتصر قلبها. "ماذا تريد مني يا عاصف؟ لقد أوفيتُ بعهدي أمام الجميع، وأصبحتُ الآن زوجتك."

ضحك عاصف ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح، وتقدم نحوها بخطوات واثقة حتى لم يتبقَّ بينهما سوى إنشات قليلة. انحنى قليلاً ليصل لمستوى أذنها، ولفحت أنفاسه الباردة وجنتها:

"زوجتي؟ هذا اللقب للناس يا سديم. هنا، خلف هذه الأبواب، أنتِ 'ثمن'. ثمن كبرياء رجلٍ ظن الجميع أنه انكسر برحيل تلك الحمقاء التي سبقتكِ. لقد أردتُ امرأة بوقاركِ، بصمتكِ، وبأصلكِ.. لكي أثبت لهم أن عاصف يختار الأفضل، حتى وهو في قمة غضبه."

رفعت سديم عينيها إليه، ورغم ارتجاف جفونها، قالت بثبات: "أنا لستُ أداة لتغيظ بها أحداً، ولستُ ثأراً تأخذه من ماضيك."

فجأة، قبض عاصف على معصمها، لم تكن قبضة مؤذية جسدياً، لكنها كانت محكمة لدرجة شعرت معها أن إرادتها سُلبت. "بل أنتِ كذلك. مروان حصل على حلمه بنايا، وأمي حصلت على هدوئها.. أما أنا، فقد حصلت عليكِ. سأكون ظلكِ، سأتحكم في كل همسة تخرج من شفتيكِ، وفي كل مكان تذهبين إليه."

ثم صمت للحظة، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر جفاءً وحِدّة:

"لكن لا تتوهمي يا سديم.. لا تظني أن هذا الفستان أو هذا الجمال سيجعلني أنسى حقيقتي. كبريائي الذي كُسر برحيل غيركِ، لن يُرممه وجودكِ في سريري. أنتِ هنا لتكوني الواجهة فقط."

مد يده ورفع طرف طرحتها السوداء ببرود، ثم تركها تسقط مرة أخرى كأنه يعاين بضاعة اشتراها ولم يعد راغباً في استخدامها.

"سأنام في غرفة المكتب الملحقة،" أكمل عاصف وهو يتجه نحو الباب الداخلي، "لا أريد تمثيلاً، ولا أريد دموعاً. غداً أمام مروان والخدم، نحن الزوجان المثاليان.. أما هنا، فأنتِ مجرد ضيفة ثقيلة الظل دفعتُ ثمنها غالياً لأجلي، لا لأجلكِ."

ترك يدها فجأة وابتعد عنها بضع خطوات، معطياً إياها ظهره:

"الآن.. اذهبي وغيري هذا الفستان. لا أريد أن أرى ملامح الحزن هذه على وجهكِ غداً أمام الخدم. وفي هذا القصر، تذكري قاعدة واحدة: لا أسئلة، لا اعتراض، ولا حديث عن الماضي. أنتِ الآن تبدئين حياتكِ من الصفر.. معي أنا فقط."

أغلق باب المكتب خلفه بقوة، تاركاً إياها وحيدة في تلك الغرفة الواسعة بفستانها الذي أصبح يشبه الكفن. جلست سديم على طرف السرير الضخم، تشعر ببرودة المكان تتغلغل في عظامها. لم تبكِ، بل كانت تنظر للفراغ بذهول.

لقد ضحت بكل شيء، قدمت نفسها قرباناً لسعادة أخيها مروان، لتكتشف أن الرجل الذي تزوجته يراها "أداة عرض" لا أكثر، وأنه يرفضها كامرأة ليعاقب فيها طيف امرأة أخرى رحلت. نظرت إلى عاصف من خلال الباب المغلق، وأدركت أن هذه الغرفة ليست مكاناً للنوم، بل هي ساحة معركة ستخوضها كل ليلة ضد نرجسية رجل يرى فيها "نصراً" لا "إنساناً".

مرت الساعات وهي جالسة بملابسها، تسمع صوت أنفاس القصر الموحش، وتدرك أن "ثمن الكبرياء" لم يكن فقط في زواجها، بل في كونها ستعيش "منبوذة" داخل قفص ذهبي، تحت رحمة عاصفة لا تهدأ.

بدأت شمس الصباح تتسلل عبر الستائر الثقيلة، لكنها لم تجلب معها الدفء الذي كانت سديم تأمله. استيقظت لتجد نفسها في جناحٍ غريب، بارد برغم فخامته، وعاصف لم يكن بجانبها؛ بل كان يقف أمام المرآة يرتدي ساعته ببرود وكأن ليلة أمس لم تكن سوى حلمٍ عابر.

نزل الاثنان إلى مائدة الإفطار، حيث كانت أم عاصف تجلس برأس مرفوع في صدارة الطاولة. وبمجرد دخول الخدم، تغيرت ملامح عاصف تماماً؛ وضع يده خلف ظهر سديم بحركة توحي بالرعاية والحماية، ورسم ابتسامة هادئة ومقنعة.

قالت أم عاصف وهي تراقب سديم بعينين فاحصتين:

"صباح الخير يا عروس.. أتمنى أن يكون جناحكِ الجديد قد نال إعجابكِ. في هذا البيت، النظام هو كل شيء، وعاصف يحب أن يرى كل شيء في مكانه."

رد عاصف وهو يسحب المقعد لسديم بنرجسية مغلفة بالذوق:

"سديم ستعتاد سريعاً يا أمي، أليس كذلك يا عزيزتي؟"

نظرت إليه سديم؛ كان صوته دافئاً أمام الخدم، لكن عينيه كانتا ترسلان تحذيراً واضحاً بأن تؤدي دورها بإتقان. أجابت بوقارها المعهود: "بالتأكيد، طالما أنني أعرف ما المطلوب مني."

بمجرد أن خرج الخدم، عاد البرود ليحتل المكان. ترك عاصف يدها، وانشغل بهاتفه، بينما همست أمه: "مروان اتصل ليطمئن.. أخبرته أنكِ بخير، لا داعي لأن تشغليه بتفاصيل لا تهمه الآن، هو لديه ترتيبات خطبته مع نايا."

بعد الإفطار، انسحب عاصف لمكتبه، وبقيت سديم في ركن بعيد من الحديقة الشاسعة، تحاول استنشاق القليل من الحرية. فجأة، اهتز هاتفها في جيب ثوبها الساتر. كانت رسالة نصية من رقم لم تعرفه في البداية، لكن الكلمات كشفت صاحبتها.

نايا:

"سديم.. أنا أسفة لأنني لم أستطع التحدث إليكِ طويلاً بالأمس. مروان سعيد جداً، وهو يظن أنكِ في قمة سعادتكِ أيضاً. أرجوكِ، أخبريني الحقيقة.. هل عاصف يعاملكِ جيداً؟ أنا أعرف أخي، وأعرف صمته القاتل. لا تحملي الهم وحدكِ، أنا هنا، وسأحاول زيارتكِ قريباً تحت ذريعة ترتيبات زفافي."

قرأت سديم الرسالة وقلبها يخفق. نايا هي الخيط الوحيد الذي يربطها بالخارج، وهي الوحيدة التي تفهم طبيعة عاصف. لكنها كانت تعلم أيضاً أن عاصف يراقب كل شيء، حتى أنفاسها.

بينما كانت سديم تهم بالرد، ظهر عاصف فجأة من خلف الأشجار، كان يرتدي نظارته الشمسية ويمشي بخطى واثقة.

"مع من تتحدثين؟" سأل بنبرة جافة.

حاولت سديم إخفاء توترها: "إنها نايا.. تطمئن عليّ."

مد عاصف يده بحركة آمرة: "أعطني الهاتف."

ترددت سديم للحظة، لكن نظراته لم تترك لها خياراً. أخذ الهاتف، قرأ الرسالة ببطء، ثم مسحها تماماً وأعاد الهاتف إليها. اقترب منها حتى شعرت بظله يغطيها بالكامل.

"نايا عاطفية أكثر من اللازم، ومروان يجب أن يظل سعيداً لكي تتم خطبتهما بسلام،" قال عاصف ببرود مخيف، "أي شكوى، أو أي تلميح لعدم رضاكِ، سيعكر صفو مروان.. وأنتِ لا تريدين ذلك لأخيكِ، صح؟"

صمتت سديم، وعلقت الكلمات في حنجرتها.

لقد استخدم نقطة ضعفها الوحيدة مروان ليضمن صمتها.

"عودي للداخل،" أكمل عاصف وهو يبتعد،

"لدينا ضيوف في المساء، وأريد 'ثمن الكبرياء' أن يكون في أبهى صوره."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   8

    ركبت سديم بجانبه في السيارة، وكان الصمت بينهما أثقل من الكلام. حين وصلا إلى باب الكلية، ترجل عاصف معها، وهو أمرٌ لم يفعله من قبل. مشى بجانبها بخطوات واثقة، يوزع نظرات حادة على كل من يمر بهما، وكأنه يضع علامة ممنوع الاقتراب على حضورها. في هذه الأثناء، كان مروان يجلس في مكتبه، لكن عقله لم يكن في أوراق العمل. كانت كلمات سديم في الجامعة عن "الهروب" و"التملك" ترن في أذنيه. دخلت عليه نايا لتخبره ببعض الترتيبات، لكنها لاحظت شروده. "مروان.. مابك؟ هل هناك خطبٌ في العمل؟" سألت نايا بقلق. نظر مروان إليها مطولاً، ثم قال: "نايا.. هل سديم سعيدة مع عاصف؟" ارتبكت نايا، وحاولت جاهدة إخفاء توترها: "بالطبع.. عاصف يحبها بطريقته، وهي تحبه وتناسبه تماماً." مروان بضيق: "أعرف عاصف منذ طفولتنا، أعرف تملكه. لكنني بالأمس رأيتُ في عيني سديم شيئاً لم أعهده.. رأيتُ انكساراً تحاول ستره بوقارها. هل هناك شيء أخفيتماه عني أنتِ ووالدتكِ بخصوص هذا الزواج؟" شحب وجه نايا، وتذكرت المقايضة التي كانت ثمن زواجها بمروان. قالت بصوت مرتجف: "لا يا مروان.. هي فقط ضغوط الدراسة والمسؤولية الجديدة." مروان قام من مكتبه بغضب مكت

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   بداية الحصار

    استقرت عقارب الساعة على الحادية عشرة ليلاً حين توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة القصر الضخمة. ترجلت سديم بخطوات متعبة لكنها ثابتة، عباءتها السوداء كانت توحي بوقارٍ لم يهتز رغم طول النهار ومشقة المواجهة. دخلت القصر، ليكون الصمت المريب هو أول ما استقبلها؛ صمتٌ يسبق العاصفة التي تعلم أنها تنتظرها في الطابق العلوي. صعدت السلم ببطء، وحين وصلت إلى باب الجناح، ترددت للحظة، ثم فتحته. كان الجناح غارقاً في الظلام، إلا من ضوء خافت ينبعث من ركن الغرفة، حيث كان عاصف يجلس على كرسي جلدي ضخم، يضع ساقاً فوق الأخرى، ويمسك بيده سيجاراً يتصاعد دخانه ببطء. لم يلتفت إليها، بل ظل يحدق في الفراغ، وصوت أنفاسه المكتومة كان يملأ المكان توتراً. "تأخرتِ يا سديم،" قالها بصوت منخفض، يقطر بروداً وتهديداً. وضعت سديم حقيبة كتبها على الطاولة بهدوء: "أخبرتُك أن لديّ مراجعة في المكتبة، والمواصلات في هذا الوقت كانت مزدحمة." وقف عاصف فجأة، وخطا نحوها بخطوات بطيئة ومنتظمة حتى حاصرها بظله الطويل. أشعل النور فجأة، فارتجفت عيناها من شدة الضوء المفاجئ. نظر إلى ملامحها المرهقة، ثم مد يده وأمسك بذقنها ليرفع وجهها إليه بقوة. "م

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   تحت مجهر الحقيقة

    كانت القاعة الكبرى في الجامعة تعج بالحضور؛ أساتذة، طلاب، ورجال أعمال جاؤوا تلبيةً لـ "ندوة الصحة النفسية" التي رعاها عاصف. جلست سديم في مقعدها بين زملائها، تشعر بثقل نظرات عاصف التي كانت تلاحقها من موقعه في الصف الأول بجانب العميد. لم تكن هذه ندوة علمية بالنسبة لها فحسب، بل كانت اختباراً لصمود وقارها أمام محاولات عاصف لفرض وجوده في كل تفاصيل حياتها.التكريم المستحقبعد انتهاء الكلمة الافتتاحية، وقف العميد وقال بفخر:"والآن، يسعدنا أن نستضيف على المنصة الطالبة التي رفعت اسم كليتنا عالياً، الأولى على دفعتها لسنوات متتالية، والمتميزة ببحوثها في سيكولوجية الشخصية، الطالبة أحمد سديم. تفضلي لمشاركتنا رؤيتكِ العلمية."لم يذكر العميد أنها زوجة عاصف، فقد كانت دعوتها بناءً على استحقاقها الشخصي وتفوقها، وهو ما منح سديم شعوراً بالاستحقاق والحرية. وقفت بوقارها المعتاد، صعدت المنصة بخطوات ثابتة، وعباءتها الساترة تضفي عليها هيبة جعلت القاعة تسكن تماماً.قالت سديم بصوت واثق ورزين:"في علم النفس، ندرس أن بعض الشخصيات تبني حول نفسها أسواراً عالية من القوة والسيطرة، ليس حباً في السلطة، بل كآلية دفاعية

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   تصدعات في جدار الثقة

    كان الصمت في جناح عاصف وسديم يزداد ثقلاً يوماً بعد يوم. عاصف، بنرجسيته المعهودة، لم يكن يكتفي بمجرد وجود سديم بجانبه كزوجة وقورة؛ بل كان يراقبها بعينين تترصدان أي هفوة. كان يشعر أن هناك خيطاً خفياً يربط بين موافقتها المفاجئة عليه وبين زواج أخته نايا من مروان. في صباح ذلك اليوم، التقت سديم بنايا في ممر القصر العلوي. كانت نايا تبدو شاحبة، والتوتر بادياً على ملامحها وهي تستعد للانتقال لبيت مروان بعد أيام. "سديم.. أنا خائفة،" همست نايا وهي تتلفت حولها، "مروان بدأ يتساءل لماذا أصرت أمي على زواجكما في نفس التوقيت.. بدأ يشعر أن هناك شيئاً لم نخبره به." نظرت سديم إليها بوقارها الصامد، وقالت بصوت خفيض وحازم: "نايا، مروان قضى عشرين عاماً يضحي من أجلي.. وهذا أقل ما يمكنني فعله لأجله. لا تضعفي الآن. إذا علم مروان أن زواجي من عاصف كان 'شرطاً' وضعته أمكِ، سيهدم كل شيء. لن يقبل أن يكون ثمن سعادته هو حريتي." نايا بدموع مكتومة: "وعاصف؟ هو يسألني باستمرار.. يشعر أنني أخفي عنه شيئاً." سديم: "عاصف نرجسي يا نايا، لن يصدق أبداً أن أحداً يمكن أن يخطط له حياته من خلف ظهره. هو يظن أنه هو من اختارن

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   الرهينة الصامتة

    كان الصباح في القصر يلفه هدوءٌ خادع. في مكتبه، كان عاصف يرتشف قهوته وعيناه على الحديقة، يفكر في انتصاره الصغير ليلة أمس. لم يكن يرى في سديم شريكة، بل كان يراها "استثماراً ناجحاً"؛ امرأة بوقارها وصمتها وأصلها جعلت ليان تبدو ضئيلة. كان ممتناً لأمه التي اقترحت عليه سديم؛ فهو يثق بأن أخت صديقه مروان لن تخذله أبداً، ولن تفكر يوماً في التمرد عليه، فهي "مضمونة" بحكم القرابة والصداقة. خلف الأبواب الموصدة، كانت نايا تواجه والدتها ياسمين بحدة: "أمي، ما فعلناه بسديم يفوق الاحتمال ! عاصف يعاملها كأداة انتقام لأنه يظن أنها اختارت العيش هنا بمحض إرادتها.. هو لا يعلم أنها هنا لتسدد ديون مروان !" ردت الأم ببرود وهي تعدل عقدها: "وهذا هو سر قوة اختيارنا يا نايا. عاصف يحتاج لامرأة لا ترحل، وسديم لن ترحل أبداً لأنها تعلم أن رحيلها يعني ضياع أخيها مروان. صمتها هو ضمان استقرار أخيكِ عاصف، وهذا كل ما يهم." دخلت سديم الغرفة، فانسحبت الأم ونايا. اقترب عاصف منها، وبنظرة تملّك نرجسية قال: "أتعلمين لماذا اخترتكِ يا سديم؟ ليس فقط لأنكِ وقورة، بل لأنني أعلم أنكِ لن تجرئي يوماً على تركي كما فعلت ليان. أنتِ أخ

  • ثـمـن الـكــبـريـــاء   وليمة الأقنعة

    أمام المرآة الكبيرة في الجناح الملكي، كانت سديم تقف كتمثال من مرمر. كانت أيادي الخادمات تتحرك حولها بسرعة، يضعن اللمسات الأخيرة على مظهرها بأمرٍ مباشر من عاصف. لم تكن سديم تملك من أمرها شيئاً؛ فالفستان ذو اللون الأزرق الليلي العميق، والمخمل الفاخر الذي يكسو جسدها بوقار تام، كان اختيار عاصف ليعكس هيبة بيته.وضع عاصف لمسته الأخيرة؛ عقد من الألماس النادر، طوق به عنقها ببرود وكأنه يضع قفلاً على ملكية خاصة. همس خلف أذنها بينما كانت الخادمات يغادرن:"الليلة يا سديم، أريد صمتكِ أن يكون أبلغ من الكلام.. ووقاركِ أن يكون أمضى من السيف."عند هبوطهما الدرج العظيم، كانت القاعة تضج بالنخبة، لكن في صدر المكان، جلست العائلتان كقطبين متنافرين. أم عاصف كانت تتوسط المجلس كملكة تراقب إمبراطوريتها، بينما كانت والدة سديم تجلس بقلق فطري، تمسك بسبحتها وتنظر لابنتها بقلبٍ لا يخدعه البريق.اقترب مروان من عاصف، ووضع يده على كتفه بزهو: "يا عاصف، أختي اليوم تبدو وكأنها ولدت في هذا القصر. شكراً لأنك جعلتها تبتسم." لم يكن مروان يدرك أن تلك الابتسامة كانت مجرد تمرين شاق أدته سديم أمام المرآة.أجابت أم عاصف بنبرة تقط

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status