All Chapters of قصر الظلال : Chapter 81 - Chapter 90

105 Chapters

البارت الحادى والثمانين

فزعت سلمى من طرف الخط الآخر لتلك الصرخات المدوية التي قطعت نياط قلبها، وترددت بنبرة يملؤها الخوف والارتجاف - مالك يا بنتي بتصرخي كدة ليه؟ إيه اللّي حصل يا رنيم طمنيني؟ وهنا، وفي ثوانٍ معدودة، قفز يحيى من مقعده في المكتب كالمنفلت من عقاله، والتسجيل الصوتي لصرخة رنيم يتردد في أرجائه. اندفع نحو والدته وانتزع الهاتف من يدها بعنف، وصاح بلهفة عاشقة وجنون برزت معه عروق عنقه - رنيم... رنيم سامعاني؟ فيه إيه عندك.. إيه اللّي حصل؟ أجابت رنيم من بين شهقاتها ونحيبها المرير، وصوتها يرتجف رعباً - يحيى.. أمل.. دخلت الشقة لقيت أمل واقعة على الأرض مش بتحس بحاجة، وجسمها كله عرقان وتلج ومش بترد عليا خالص.. أنا خايفة تضيع مني يا يحيى ركض يحيى وهو يلتقط مفاتيح سيارته وهاتفه الخاص، وصوته الأجش والقوي يخترق أذنها بـأمان افتقدته لسنوات، ليخبرها بـحزم وطمأنينة رجولية - رنيم، اسمعيني كويس واهدي.. الإسعاف في طريقها ليكي حالا، أنا هكلمهم بنفسي، وأنا جاي وراهم وطاير في الطريق.. متخافيش طول ما أنا معاكي، فاهمة؟ خليكي جنبها واهدي. أغلقت الخط، وجلست رنيم على ركبتيها بجوار شقيقتها تحتضن رأسها وتدعو ببكاء،
Read more

البارت الثانى والثمانين

دلف يحيى إلى ردهة القصر الفاخر بخطى ثقيلة، يجر وراءه خيبات دهر كامل، وكان يشعر بالإختناق الشديد وكأن جدران القصر العالية تطبق على أنفاسه. صعد إلى جناح الخاص، ووقف أمام الشرفة يتطلع إلى الفراغ، والوجع يعتصر صدره؛ كان يشعر وكأن قلبه محطم إلى أشلاء لا يمكن جمعها. كيف هان عليها؟! كيف طاوعها قلبها الناعم أن تخفي عنه تلك الحقيقة البالغة الأهمية، وتحرمه طوال أربع سنوات من ابنه وفلذة كبده؟ الطفل الذي طالما تمناه في حياته، وحلم أن يحمله على ذراعه ويمنحه اسمه. دارت الفرضيات في عقله كالإعصار، وراح يردد في نفسه بمرارة ربما لو كانت أفصحت لي بوجود طفلي.. لو أنها فقط جابهتني به وقالت لي أنا أحمل قطعتك في رحمي، لكان كل هذا العذاب قد انتهى منذ فترة طويلة! لكانت إنكشفت تلك الخدعة الملعونة في مهدها، وعادت هي مكرمة لأحضاني دون أن نذوق مرارة الغربة والشك. في تلك اللحظة، شعر يحيى أن المؤامرات الخبيثة تحيط به من كل جانب كشباك العنكبوت؛ فجده يحيى خدعه بقصة الشيكات ليبعده عن حبيبته ويهدم بيته، ولكن جرم رنيم في نظره الآن بات يضاعف جرم جده بمئات المرات فجده سرق منه ماضيه، أما رنيم فقد أخفت عنه مستقبله.. أخفت
Read more

البارت الثالث والثمانين

دلفت رنيم من بوابة القصر الحديدية الضخمة، لتتوقف خطى ساقيها المرتجفتين رغماً عنها. وقفت لـلحظات طويلة تتأمل الواجهة الرخامية الشامخة، وتحتضن تفاصيل المكان بـعينيها الذابلتين؛ فكل ركن، وكل زاوية، وكل شجيرة هنا تحمل منها ذكرى قديمة، ومحفور في أرجائها لمحة من ماضٍ دافئ عاشته ذات يوم كملكة متوجة. شعرت لـوهلة وكأن زهور الحديقة الملونة تبتسم لها مرحبة بعودتها، كأنها تعاتبها على طول الغياب. تحاملت على كبريائها الجريح، وبدأت تسير بخطوات واهنة، بائسة، وسط تلك الممرات الخضراء؛ كان صدرها يعتمل بـخوف حقيقي من المواجهة القادمة مع إعصار القيصر، وفي الوقت ذاته، كانت تموت شوقاً ولهفة لـرؤية ابنها سليم. بالرغم من أنها لم تفارقه سوى ساعات معدودة، إلا أنها مرت على قلب الأم وكأنها أعوام طويلة وثقيلة من العذاب والانتظار. وفي نفس التوقيت، كان يحيى يقف خلف زجاج شرفته، يشعر بـقلبه يتمزق أشلاءً بسبب عناد تلك القابعة في الأسفل، والتي لم تلبِّ رغبته ولم تعد إليه طواعية بل جاءت مجبرة لأجل طفلها. تملكه الغيظ والقهر، فقام بـتكوير قبضته القوية ليضرب بها بـعنف فوق موضع قلبه النابض، مردداً بغضب حارق ونبرة يملؤها ال
Read more

البارت الرابع والثمانين

تلقته رنيم بين أحضانها بـتلهف وجنون، وهوت على ركبتيها تضمه إلى صدرها بـقوة وتشم رائحته، وجعلت تقبل كل إنش من جسده الصغير بـإشتياق جارف أسال دموعها. ومن فرط قوة ضمتها وقبلاتها المتتالية، صرخ سليم بـضحكة طفولية مرحة - خلاص يا ماما.. حرام عليكي كدة هتخلصيني وتموتيني من كتر البوس ضحك يحيى رغماً عنه وعن قسوته المصطنعة على كلمات ذلك الطفل الشقي الذي يشبهه تماماً؛ نهض واقفا بـكامل طوله وهيبته، واقترب منهما بخطى وئيدة، ثم ردد بـتأكيد وهدوء رجولي - يالله يا سليم يا بطل.. خد ماما من إيدها وفرجها على أوضتك الجديدة واللّعب اللّي جيبتهالك.. هي كدة كدة عارفة أوضتنا الأساسية ومش تايهة عنها. ثم انحنى قليلاً ومال على أذن رنيم، وهمس بـصوت خافت ودافئ، حمل نبرة آمرة حانية - خلينا نصفي أي خلاف أو كلام بيننا بعيد عن الولد عشان نفسيته.. اسمعي الكلام واطلعي معاه دلوقتي، وبعدين هنقعد بروقان ونتفق على كل حاجة تريحنا. نقلت رنيم عينيها الحائرتين ما بين جمود يحيى ونظراته الغامضة، وما بين فرحة ابنها وبراءته، لتردد بـنبرة تملؤها الحيرة والشرود - وإخواتي.. أمل وعمر؟ هسيبهم إزاي لوحدهم هناك والشقة فاضية عل
Read more

البارت الخامس والثمانين

تدور سارة في أرجاء الشقة بسعادة غامرة وخفة لا تسعها الأرض، كـفراشة ربيع زاهية تتنقل بين الأزهار لترتشف من عبيرها الحاني، أو كـعصفور حر طليق غادر قفص الحزن ليغرد بأجمل ألحانه على أفنان قلبٍ التهب بنيران العشق الحقيقي. كان عليّ يدور خلفها خطوة بخطوة، يتابع حركات عفوية آسرة، ويعشق كل خلجة من خلجات وجهها المشرق، بينما هي تشير بيديها بطفولية بالعامية المصرية إلى الأركان والزوايا وتردد بسعادة طفولية: * الشقة حلوة أوي يا علي.. بجد ذوقها يجنن! بص.. هنا هتبقى أوضة النوم الرئيسية، وهنا أوضة الأطفال إن شاء الله.. وهنا بقى، في الركن ده، نعمل مكتبة خشب كبيييرة كدة، نصها يبقى كتب طبية عشانك، والباقي روايات وقصص ليا، والرف ده كله نخليه للكتب الدينية والمصاحف.. وهنا.. وهنا بقى.. ولم تدعها أنفاسها الملهوفة تكمل؛ ففي لمحة بصر، خطفها عليّ من خصم أفكارها وضبب المسافات بينهما محتضناً إياها بقوة، لتغرق سارة في بحور عينيه اللامعتين. شعر بـارتجافة جسدها وبخجلها الأنثوي الطاغي الذي صبغ وجنتيها بالقرمزي، ولكنه لم يكن ليفلتها هذه المرة؛ فقد حركت مع خطواتها الراقصة كل مشاعره الساكنة وسلبت لُبّه، ليردد بهيام ج
Read more

البارت السادس والثمانين

مرت الساعات ثقيلة، هادئة، ولا يسمع في الجناح سوى دقات الساعة وصوت أنفاسهما. تطلع يحيى نحوها بعد فترة، فـوجدها قد غطت في نوم عميق وراحت في سبات تام؛ فالأيام السابقة كانت مرهقة وشاقة للغاية على جسدها وأعصابها المنهكة. أغلق يحيى حاسوبه ببطء ووضعه جانباً، ثم استدار بـجسده بالكامل نحوها؛ تلاشت نظرة القسوة والجمود، وحلت محلها نظرات تفيض بالعشق الجارف، والحنان الطاغي، والندم الحارق. ظلت عيناه مسلطتين على تفاصيل وجهها الملائكي، يتشرب ملامحها الشاحبة، ويهيم في تفاصيل شفتيها المضمومتين بـحزن، ليردد في سِرّه بـلوعة وصوت باكي - يااااه يا رنيم.. كنا زمان بنموت وبنتمنى لحظة واحدة تجمعنا، ودلوقتي.. أهو إحنا نايمين في أوضة واحدة، وعلى سرير واحد، وبس بيننا سدود وموانع أنا اللّي بنيتها بغبائي.. آه لو تعرفي أنا بعشقك قد إيه..... ونفسي أد إيه أحسك بين إيديا وأضمك لصدري وأمحي كل الوجع ده.. لو تعرفي إن عمر عشقك في قلبي ما قل ولا اتهز.. بالعكس، ده كان في البُعد بيزيد وبياكل في روحي.. ربنا يقدرني وأرجع لك ثقتك فيا تاني، وترجعي لحضني اللّي ملوش أمان في الدنيا من غيرك يا حوريتي. لم يستطع يحيى الصمود أكثر أم
Read more

البارت السابع والثمانين

جلست رنيم طوال اليوم في حديقة القصر الغناء، والغيظ يأكل جدران قلبها من كلماته الصارمة وثورته العارمة في الصباح؛ فـكيف له أن يثور عليها بتلك الطريقة البدائية، ويهددها ويتوعدها أمام الجميع وكأنها ملكية خاصة له؟! تملكتها رغبة عارمة في الثأر لكرامتها الجريحة ورد اعتباره، وبدأت تنسج في مخيلتها خططاً لـعناده وتحدي جبروته. ولكن، تاهت كل تلك التوعدات النارية وتلاشت رويداً رويداً بين تفاصيل الطبيعة الساحرة المحيطة بها؛ كانت الأزهار الملونة النادرة تتمايل دلالاً مع النسيم العليل، لتهديه بعضاً من عطرها الفواح الذي ينقله الهواء في أرجاء المكان، خالقاً حالة فريدة من النشوة والجمال البكر. امتزجت أصوات العصافير المغردة بـحفيف الأشجار الوارفة، ومع تلك النسمات الرقيقة التي كانت تداعب خصلات شعرها الناري الثائر، انتشلتها الأجواء من حالة الغضب والاحتقان، لـتعيش لـوهلة حالة من السعادة الصافية والسكينة المفتقدة طيلة أربع سنوات عجاف؛ فـبساط الخضرة والبيئة الخلابة التي تحيط بها تسحر النفس البشرية بجمالها وتجبرها على الهدوء. لم تدم خلوتها طويلاً؛ إذ استفاقت من شرودها على صوت الصغير سليم وهو يهتف بـاسمها بـ
Read more

البارت الثامن والثمانين

كان يحيى يقف في شرفة جناحه الشامخ، يتابعها بعينين تلتمعان بشغف دفين وهي تركض بخفة ودلال في الحديقة الواسعة، تلعب بالكرة مع الصغير سليم؛ وكانت معهما ظلال شخص ثالث يختفي تارة ويظهر تارة أخرى خلف الأشجار الكثيفة. في البداية، ظن يحيى أن هذا الشخص ما هو إلا عمر أو أمل، فوقف مستمتعاً بـصوت ضحكاتها الرنانة الصافية، ومرحها العفوي الذي غاب عنه لسنوات، ممتزجاً بـضحكات ابنه الصاخبة التي كانت تملأ المكان إشراقاً، وحيوية، وحياة. وفجأة، تصلب جسد يحيى وانتصب في وقفته كـالصخر الصم، واشتعلت النيران في عروقه عقب رؤيته للشخص الآخر الذي خرج من بين ظلال الأشجار؛ لم يكن عمر، بل كان حمزة! حمزة يلهو، ويركض، ويلعب بالكرة مع زوجته.. مع ملكه الخاص! رأى زوجته تضحك وتتودد في اللعب مع رجل آخر، فـأظلمت الدنيا في عينيه. لم يتمالك القيصر نفسه، وقبض على سور الشرفة الحديدي بعنف كاد يحطمه، ثم نادى عليها بصوت جهوري، هادر، زلزل أرجاء الحديقة وأدخل الرعب والارتجاف في قلب رنيم. بالرغم من تلك الرجفة التي سرت في أوصالها، إلا أنها تعمدت إبداء اللامبالاة والبرود؛ فـهي تعلم جيداً أنه الآن يستشيط غضباً وجنوناً بسبب لهوها مع حمز
Read more

البارت التاسع والثمانين

ولكن، لم يصل إلى مسامع يحيى حرف واحد مما كانت تتحدث به رنيم بـانفعال؛ فـالهانم الغاضبة، من فرط عصبيتها وثورتها، قد نسيت تماماً أنها لا ترتدي شيئاً وأن الغطاء قد سقط عنها بالكامل! فكانت تجلس أمامه بجسدها المرمري الفاتن الذي يشع أنوثة طاغية وهي تصرخ تسمرت عينا يحيى عليها؛ تلاشت كبابه من عقله، وتحول نظراته إلى نظرات عاشق جائع، ظمآن، يبحث عن إشباع اشتياقه الناري الذي لم ينطفئ بعد، وعيناه باتت مغشاة تماماً بـالرغبة العارمة والسكر من سحر تفاصيلها. انتبهت رنيم فجأة لـوضعها العاري عقب ملاحظتها لـتلك النظرات الجائعة والخطيرة في عيون يحيى؛ فـشهقت بـصدمة ودلفت سريعاً بـجسدها أسفل الغطاء محتمية به، وهي تصرخ في وجهه بـخجل قرمزي وصوت مرتجف - إنت.. إنت قليل الأدب وسافل... بتبص على إيه؟ أوعى من هنا أطلق يحيى ضحكة رجولية، مبحوحة، ومليئة بـالعشق والتدله؛ ولكن أي صبر هذا الذي يجب أن يتحمله عليكِ يا عشق القلب وحياة الروح؟! تنهد في سِرّه وهو ينظر لـخجلها الساحر.... وحياة غلاوتك عندي، سأنسج من عشقي لكِ سلاسل من الصبر الجميل حتى أحتمل ما لا تستطيع تحمله الجبال الراسيات، من أجل أن تعودي مرة أخرى بين أحض
Read more

البارت التسعون

كانت سارة تجلس في الصباح الباكر تتناول طعام الإفطار بصحبة عائلتها الصغيرة، وعيناها معلقتان بشاشة هاتفها ترقباً لـرنين مكالمة عليّ المنتظرة؛ ذلك الاتصال الذي يعني أنه وصل أسفل البناية ليصطحبها معه كالعادة إلى العمل. التفتت سارة بنظراتها نحو ريناد، ثم هبطت بعينيها بتركيز مضحك على انتفاخة بطنها البارزة، لتردد بمرح ودلال طفولي - بقولك إيه يا ست ريري.. مش ناوية تفضي البطيخة اللّي قدامك دي إمتى بقى وتريحينا؟ ده فارس موقف ميعاد فرحي أنا وعلي على ميعاد ولادتك... ذنبي إيه أنا طيب؟ أطلقت كل من الأم الحنون نبيلة وريناد ضحكات رنانة صافية من قلوبهما على كلمات سارة؛ فـكم كانت سعادتهما لا توصف وهما يريانها قد عادت من جديد إلى سابق عهدها.. عادت كـفراشة ربيع مرحة، شقية، تقبل على الحياة بنهم بعد أن تخطت أزمتها النفسية تماماً، وبددت غيوم حزنها بفضل عشق عليّ الجارف واحتوائه الدافئ لها. ابتلعت ريناد لقمتها ببطء شديد، ورسمت على وجهها ملامح برود مضحكة لتردد بلامبالاة مصطنعة تثير بها جنون سارة - لسه بدري يا سوسو، قدامي بتاع شهرين كدة ولا حاجة.. أنا يدوب في أول السابع. هنا، لم تتحمل سارة؛ فـانتفضت وا
Read more
PREV
1
...
67891011
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status