جميع فصول : الفصل -الفصل 110

141 فصول

101

عقب عودته من العمل بـجسد مُنهك وعقل مُثقل، تناول سادن طعام العشاء بـرفقة شقيقته كايلا وزوجته فيروز. وطوال الجلسة، لم تغب عن عينيه الثاقبتين تلك النظرات المتبادلة بـين الفتاتين؛ نظرات محملة بـأسرار وهمسات نسائية مبطنة، ولكنه لم يكترث بها ولم يحاول فك رموزها. فـهو يعلم جيداً عمق العلاقة والمتانة التي تربطهما بـبعض، وبـنفس الوقت، لم تكن لديه الليلة أي مساحة لـمزيد من المناقشات أو الاستجوابات؛ فـيكفيه ما تزدحم به رأسه من خطط، وأفكار، وقرارات مصيرية تخص الشراكات الأجنبية التي تديرها مجموعته. وما إن انتهوا من تناول طعام العشاء، حتى انسحب سادن بـخطوات رصينة، ودلف إلى غرفة مكتبه الخاصة في الفيلا لـيغرق بـكامل ذهنه في دراسة أوراق صفقة استثمارية هامة. في حين جلست الفتاتان لـدقائق معدودة بـملامح قلقة، قبل أن تتوجه كل واحدة منهما إلى جناحها الخاص بـخطوات وجلة. لم يمكث سادن في مكتبه سوى ساعتين؛ فـالجهد العصبي بلع طاقته، وبات في حاجة ماسة لـأخذ معشوقته بـين أحضانه، والسكون في تجويف عنقها الدافئ، علّه يجد هناك هدنة حقيقية من ذلك الازدحام الصاخب الذي يملأ جمجمته. دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخط
اقرأ المزيد

102

خرج فهد من منزله بخطوات يملؤها العزم والأمل، متوجهاً إلى مقر عمله الأساسي؛ فاليوم سيقوم بتقديم طلب إجازة رسمية ومفتوحة من عمله الليلي الآخر، حتى يتفرغ بالكامل لمهام منصبه الجديد كمدير للمصنع، ويصب كل طاقته وفكره نحو تحقيق حلمه الهندسي الذي طالما سهر لأجله، بعد أن فتح له سادن الأسيوطي أبواب الدعم والتمويل. ودعته فريدة عند عتبة الباب بـابتسامة مشرقة كالنور، وأعطته جرعة دافئة من دعواتها الصادقة النبع، تلك الدعوات التي تهديها له يومياً كـتميمة أمان تحصن بها خطواته. وما إن غاب طيفه عن عينيها، حتى تحركت بنشاط، وقامت بتبديل ملابسها بـسرعة لترتدي ثياباً فضفاضة ومريحة تلائم حرارة الجو، واستعدت للتوجه إلى مقر محل والده، شاكر، ذلك العنوان الذي بذلت جهداً كبيراً واستعانت بشتى الطرق حتى استطاعت الحصول عليه ليلة أمس. كانت الشمس اليوم حارقة، عمودية، تصب لظاها فوق الرؤوس بلا رحمة، ونسمات الهواء العليلة قد اختفت تماماً من الأرجاء، لتحل محلها دفقات من الحر الشديد كـحمم بركانية خانقة. شعرت فريدة بأنفاسها تضيق، وأنها تجاهد بكل ذرة قوة في جسدها المثقل بالحمل لتواصل السير، ولكن كل هذا العناء والشقاء كان
اقرأ المزيد

103

لم يكن طلبها الصاعق بـالطلاق أمراً هيناً عليه بـأي حال من الأحوال؛ بل وقعت الكلمات على مسامعه كـالحديد المذاب الذي أحرق خلايا عقله. تجمد سادن في مكانه لـلحظات ثقيلة كـالدهر، وعيناه الشاخصتان نحو الفراغ تشتعلان بـشرار الموت، بينما راح يضغط على فكيه بـعنف تملك ضارٍ حتى كاد بـالفعل أن يسحق أسنانه من شدة الغضب والمهانة. شعر بـالبركان يغلي في صدره، وأدرك بـحنكته أنه لو التفت إليها الآن وصبّ جام غضبه العارم عليها، لـقال وفعل ما سيندم عليه طيلة حياته، وستندم هي أيضاً ندمًا يمزق روحها. دار بـجسده كـالإعصار، ورفع قبضته الفولاذية المضمومة لـيهبط بها بـكل قوته وجبروته على باب الغرفة الخشبي، لـيدوي صوت الضربة كـانفجار رعدي مروع أفزع فيروز، وجعل جسدها الرقيق ينتفض بـذعر وهي تضع كفيها على أذنيها. دون أن ينظر خلفه، تركها سادن وغادر الجناح بـخطوات هادرة، تتبعه أصداء أنفاسه المكتومة. لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل إلى مسامعها في جوف الليل ذلك الصرير العنيف والحاد لـإطارات سيارته وهي تحتك بـالرخام الخارجي لـلفناء. ركضت فيروز بـخطوات متعثرة، ودموعها تعمي عينيها، متوجهة صوب النافذة الضخمة المشرعة على
اقرأ المزيد

104

مرّ يومان على ذلك الجناح الملكي وكأنهما دهر من العذاب الطاحن، تجرع فيه كل من سادن وفيروز مرارة البعد والجفاء. كان سادن يغادر القصر في الصباح الباكر قبل أن تشرق الشمس، هرباً من ملامحها التي تذبحه، ولا يعود إلا بعد منتصف الليل بجسد منهك وعقل مجهد؛ يدلف بخطوات خافتة، يبدل ملابسه في عتمة الغرفة، ثم يتمدد على طرف الفراش معطياً إياها ظهره، محافظاً بصلابة كبريائه على تلك المسافة الباردة بينهما، وكأنها جدار عازل من الخرسانة. بينما كانت فيروز تمضي نهارها في صمت مميت؛ انزوت عن العالم، ولم تكن تتناول سوى لقيمات قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع، وذلك بعد إلحاح شديد ومستمر من كايلا، التي لم تكن تدرك السبب الحقيقي والخفي وراء حالة شقيقها وزوجته اللذين تبدل حالهما ما بين عشية وضحاها من قمة العشق إلى أوج الجفاء. قضت فيروز باقي يومها ساكنة، صامتة في فراشها، لا تفعل شيئاً سوى البكاء المر، حتى إذا ما شعرت بدنو موعد عودته، هبّت لتمثيل خلودها للنوم، مغمضة عينيها بادعاء باهت، لكنها كانت تتابعه بقلب يرتجف حتى يتمدد بجوارها. في جوف الليل، كانت تشعر ببرودة قاتلة تجتاح أطرافها من دونه؛ تود لو تطرح كبرياءها أرضا
اقرأ المزيد

105

وال الفترة الماضية، كانت فريدة تحاول جاهدة، وبكل ما أوتيت من صبر وحكمة، لمّ شمل فهد ووالده ورتق ذلك الصدع التاريخي الذي مزق عائلتهما. وأخيراً، اليوم فقط، وافق فهد على هذه الفكرة تحت وطأة إلحاحها العذب وعينيها اللتين لم تطالبا إلا بالخير؛ ولتتوج فريدة هذا النصر الصغير بدعوة حماها، شاكر، لتناول طعام العشاء بـصحبتهم في بيتهما الدافئ. منذ الصباح الباكر، وقفت فريدة في المطبخ بـجسدها المثقل بالحمل، تتحدى حرارة الأنفاس لتعدّ مائدة تليق بـهذه المناسبة المصيرية؛ طهت العديد من الأصناف الشهية، وتفننت في تقديم الأكلات التي تعكس كرم ضيافتها وأصلها الطيب. وما إن انتهت من وضع اللمسات الأخيرة، حتى أخذت حماماً بارداً أزال عنها عناء الوقوف طويلاً، وأعقبته بـتبديل ملابسها لـترتدي ثوباً أنيقاً ومريحاً، وجلست بـجوار زوجها تترقب نبضات الساعة بلهفة في انتظار حضور حماها. دق شاكر جرس الباب بـيد مرتعشة، يحمل في صدره رهبة اللقاء الأول بعد سنوات الجفاء. تحرك فهد بـخطوات رصينة وقام بـفتح الباب؛ تلاقت الأعين لثوانٍ اهتزت لها المشاعر، قبل أن يرحب فهد بـوالده بـأدب وقور وصوت رصين يحمل احتراماً فطرياً. دلف شاكر إلى
اقرأ المزيد

106

نهضت دينا من فوق الفراش الوثير بـحركة مفاجئة، وابتعدت عن جوار زوجها هشام وهي تزفر بـقوة، ثم التفتت لتتطلع إليه بـنظرات تقطر سخطاً، وكراهية، وتأففاً شديداً. كان يغط في نوم عميق ويصدر تلك الأصوات المزعجة والشخير الحاد الذي بات يمزق هدوء ليلها، ولم تكن الأصوات وحدها هي ما يثير حنقها ويقض مضجعها، بل إنها باتت تشعر بـالاشمئزاز والضيق من كل ما فيه؛ من ملامحه، وتصرفاته، وأفعاله، وحتى نبرة صوته وعاداته اليومية المبتذلة في نظرها. تحركت بـخطوات عاضبة نحو المرآة الكريستالية الضخمة التي تتوسط الجناح الفاخر، ووقفت تتأمل ملامحها وشبابها الضائع بـحسرة؛ فـليست هذه هي الحياة الماجنة الباذخة التي كانت تتمناها وترسمها في خيالها، ورغم الملايين والرفاهية التي تحيط بها الآن، إلا أنها إلى هذه اللحظة عاجزة تماماً عن الشعور بـأنوثتها أو الاستمتاع بـشبابها مع ذلك الفلاح كما كانت تطلق عليه دائماً في سرها وبـينها وبـين عائلتها ترفعاً عليه. شعرت بـأنها باعت نفسها في صفقة خاسرة لم تمنحها سوى الجفاء والندم. استدارت نحو السرير بـملامح متشنجة، وقررت ألا تتركه ينعم بـالنوم بينما تشتعل هي بـنيران حنقها؛ اقتربت منه وم
اقرأ المزيد

107

تجمّدت الملامح على وجه سادن الأسيوطي بـشكل صارم، وكأن كل خلية في جسده تحولت فجأة إلى تمثال من الرخام الصلد. سكنت أنفاسه تماماً، وطغت على عينيه الرماديتين نظرة غامضة، حادة، لم تستطع فيروز تفسيرها؛ ممّا بث الرعب الهلع في أوصالها. شعرت بـخوف حقيقي يجتاح كيانها من هيأته الجامدة تلك، فـتراجعت خطوتين لـلخلف بـحذر، وهي ترفع كفيها الارتجافيتين لـتضعهما بـتلقائية فوق بطنها، بـحركة غريزية دافئة وكأنها تحمي جنينها، قطعة روحها، من ردة فعله المتوقعة. حاول سادن أن يستنشق الهواء بـهدوء لـيطرد ذلك الذهول الذي شلّ تفكيره، وتطلع إليها بـنظرات التمعت بـخوف مباغت؛ خوفٍ نابع من شدة الفرح، خوفٍ من أن تكون تلك الكلمات العذبة مجرد أضغاث أحلام أو من صنع خياله الظامئ. تقدم نحوها خطوة، وردد بـنبرة رجولية مرتعشة، يملؤها الرجاء والتمني - فجري.. أنتِ قولتي إيه؟.. سمعيني تاني كدة أرجوكي. شعرت فيروز بـجفاف حاد في حلقها، وأصبح التنفس لديها أشبه بـصعود جبل شاهق؛ تلاشت الحروف من على شفتيها، وراحت تبحث عن الكلمات بـتعثر وهي تراه يتطلع إليها بـلهفة جارفة، وعيون تشتعل بـانتظار إجابتها الشافية. ابتلعت غصتها، ورددت بـتلع
اقرأ المزيد

108

ارتبطت فيروز بذاك الفراش الطبي الوثير في عيادة أكبر استشاري لأمراض النساء والتوليد بالمدينة. كانت تستعد للفحص بقلبٍ يقرع طبول الترقب، بينما كان سادن الأسيوطي، ذاك الرجل الذي يرتعد له ذوو النفوذ، يجلس بجوارها متناسياً هيبته وكبرياءه، يحتضن كفها الرقيق بين كفيه العريضتين، يغمرها بـدفء وجوده، ثم انحنى دون أدنى خجل من وجود الطبيب، ليطبع قبلة حانية، طويلة، ومفعمة بالحب على ظهر كفها، وكأنه يهمس لها بـأنه هنا، معها، ولن يتركها لحظة. بدأ الطبيب مراسم الفحص، مسح ذلك السائل الجيلاتيني البارد على أسفل بطنها، ثم مرر جهاز "السونار" فوقه. وفجأة، انبثقت على الشاشة الكبيرة صورة غائمة تتوسطها نبضة سريعة، قلب صغير ينبض بالحياة، ثمرة عشقهما الذي كاد يمزقهما القلق. تطلعت فيروز إلى وجه سادن، وكانت عيناها تلتمعان بـدموع الفرح، لترى مشهداً لم تألفه من قبل؛ عيناه الرماديتان كانتا مغرورقتين بـدموع لا يعرفها إلا العاشقون، وشبح ابتسامة دافئة، غائرة في ملامحه الرجولية، يزين شفتيه وهو يتأمل صورة جنينه، بينما صوت الطبيب الهادئ يؤكد لهما أن كل شيء على ما يرام، وأن حالة الأم والجنين في أقصى درجات الاستقرار. ساعدها
اقرأ المزيد

109

فُتح الباب ببطء، ليتسمر آدم في مكانه أثر الصدمة التي ألجمت لسانه. كانت دينا تقف أمامه بكامل فتنها الطاغية؛ فستانها القصير يلتف حول جسدها كشرنقة مثيرة، يبرز مفاتنها بسخاء صارخ وتفاصيل تخطف الأنفاس، بينما انتشرت رائحة عطرها الفرنسي الثقيل في أرجاء الردهة، لتندفع بغزارة في جوف رئتيه وتنعش حواسه الظامئة. وقفت دينا تتأمله بنظرات ناعسة مكشوفة، ثم رفعت إحدى حاجبيها بدلال وثقة عمياء، ورددت بنبرة تذوب غنجاً - إيه يا دومي؟.. هتفضل واقف متنّح كدة كتير ولا مش هتقولي اتفضلي؟ ابتلع آدم ريقه بصعوبة، وأفسح لها الطريق بـآلية وهو يتنحى جانباً، داعياً إياها للدلوف إلى عرينه. ولجت دينا إلى داخل الشقة بـخطوات بطيئة، واثقة، تتمايل فيها بجسدها بـطريقة مدروسة لتبرز أنوثتها المتفجرة أمامه. في تلك اللحظة، كان آدم يقف خلفها وعيناه تلتهمان كل إنش من قوامها؛ لقد أدرك بـمكره وهدفه الدنيء مرامها من هذه الزيارة منذ الوهلة الأولى، فـسال لعابه رغبةً وشبَقاً، ثم أغلق الباب الخارجي بـصوت خافت حمل في طياته بداية الخطيئة، وسار خلفها وهو يرحب بها بـأنفاس متهدجة. تحركت دينا نحو الصالة الفاخرة، وجلست فوق الأريكة المخملية
اقرأ المزيد

110

منذ بداية حملها، لم يتوقف سادن الأسيوطي عن تدليلها بـشغف جارف، محولاً حياتها إلى أسطورة عشق حقيقية، فكانت بين يديه كـملكة متوجة على عرش قلبه وقصره. امتد دلاله لـيتفحص كل تفاصيل يومها بـنفسه؛ يطعمها بـيده بـحنّو بالغ، ويشرف على إعطائها أدويتها ومقوياتها في مواعيدها بـدقة صارمة، كما كان يقتنص الساعات من وسط مشاغله الكثيرة لـيأخذها بـين الحين والآخر لتناول الطعام في الخارج، متلمساً أي فرصة لـيرى ابتسامتها التي تضيء عتمة أيامه. وفي ذلك المساء، رن هاتفها بـنغمته المعتادة؛ كان سادن على الطرف الآخر يخبرها بـصوته الرجولي الدافئ أنه في طريق العودة لـيأخذها في نزهتهما الأسبوعية. وبـسعادة طفلة صغيرة تنتظر والدها لـيخرج بها إلى حدائق البهجة، هتفت فيروز بـحماس ورقّة أخبرته فيها أنها انتهت بـالفعل من تبديل ملابسها وتتأهب لـلقائه، لـيغلق الهاتف والابتسامة لا تفارق شفتيه شوقاً لـرؤيتها. لحظات معدودة، ودارت سيارة سادن الفاخرة في الممر المؤدي إلى حديقة الفيلا الشاسعة. أوقف المحرك، وأمسك هاتفه لـيهاتفها مجدداً ويخبرها بـوصوله، ولكن الهاتف ظل يرن ويرن دون أي رد منها. توسعت ابتسامته بـسعادة وعشق، وهز
اقرأ المزيد
السابق
1
...
910111213
...
15
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status