جميع فصول : الفصل -الفصل 120

141 فصول

111

عدّل الطبيب من نظاراته الطبية بـحرج واهتزاز؛ فـقد أخطأ تقدير الموقف وظن أن رجال الأعمال لا تهمهم سوى الأنساب والورثة، فشعر بـبعض الخجل من قوة عشق هذا الرجل، ونظف حلقه بـتنحنح متداركاً، ثم رد بـعملية وجدية - المدام كويسة وبـألف خير يا فندم.. كل الموضوع إن رجليها إنجرحت بـآلة حادة أو زجاج والجرح كان غائر جداً، ده غير كدمة بسيطة في دماغها أثر سقوطها.. الجرح ده للأسف تسبب في فقدان كمية دم كبيرة وهو ده سبب النزيف المرعب اللي شوفتوه.. الحمد لله خيطنا الجرح بـمهارة ونقلنا ليها أكياس دم فوراً، فاضل لها كمية بسيطة تخلص وتخرج لـغرفة عادية. تنفست كايلا الصعداء وشكرت الطبيب بـامتنان وهي تتطلع لـشقيقها سادن؛ الذي ما إن استمع لـكلمات الطبيب، حتى أغمض عينيه بـألم ووجع، كان أضعاف أضعاف ما عانته فيروز من ألم إثر جرحها الغائر. حاول عقله المجهد أن يستنتج أو يربط الخيوط بـبعضها لـيعرف سبب ذلك الجرح الدامي وتلك الكدمة في منزله الحصين، ليشعر فجأة بـأن رأسه كادت أن تنفجر من فرط التفكير والتعب الجسدي والنفسي الذي عاناه طوال الساعات الماضية. بدأت الرؤية تنعدم أمام عينيه رويداً رويداً بـشكل مخيف، وراحت تلك
اقرأ المزيد

112

بعد فترة مرت كـالدهر، انفتح الباب الخارجي بـبطء، وخرجت فيروز على تلك النقالة المتحركة . بـمجرد رؤيتها، ركض سادن نحوها بـخطوات مجنونة، واحتضن كفها بـلهفة وعيناه تتفحصان وجهها، وهو يهتف بـاسمها بـلوعة: "فجري.. فيروز!" لـتسرع الممرضة بـطمأنته بـصوت خافت - متقلقش يا سادن بيه، المدام بـخير بس لسة تحت تأثير البنج دقايق وتفوق. تم نقلها إلى غرفتها الخاصة بـالعناية، وقامت الممرضة بـتوصيل المحاليل بـيدها الرقيقة ودثرتها بـالأغطية الثقيلة جيدا لـتدفئتها، ثم دعت العائلة لـالتزام الهدوء وغادرت الغرفة. اقترب سادن من السرير واحتضن كف فيروز بـتملّك وعشق أسطوري، ودفن وجهه بـجانبها وهو يردد بـحزن غامر ودموع متحجرة - فجري.. فوقي يا حبيبتي أرجوكي.. وحشتيني أوي يا فجر عمري.. كدة؟ كدة يهون عليكي تسيبي سادن لوحده وتوجعي قلبي بـالشكل ده؟ كانت كلماته العذبة مطعمة بـدموعه الساخنة التي يراها الجميع للمرة الأولى في حياتهم تسيل على وجه هذا الرجل الحجري. وعلى الجانب الآخر من الغرفة، وقفت فريدة وحياة يذرفان الدمع بـصمت إشفاقاً على حالهما. لم يعلموا كم من الوقت مر عليهم وهم بـتلك الحالة من الترقب، ملتفين حول فر
اقرأ المزيد

113

صمتٌ مطبق يعم أرجاء المكان، كأن على رؤوس الحاضرين الطير؛ اتسعت العيون على آخرها، وتجمدت الأنفاس في الصدور، يتطلعون جميعاً بـذهول وصدمة مروعة إلى فيروز، التي قذفت بـكلماتها الأخيرة كـقنبلة موقوتة شطرت سكون الغرفة إلى أشلاء. اعتدل سادن في جلسته بـبطء، وعيناه الرماديتان تسبران أغوار وجهها الشاحب بدهشة عارمة تزلزل كيانه. حاول بـشتى الطرق أن يقنع عقله المجهد أنه توهم الحديث، أو أن بقايا المخدر هي ما تجعلها تهذي بـمثل هذا السيناريو المرعب. تقدم نحوها بـحذر، وطلب منها بـنبرة متحشرجة، خفيضة أن تعيد ما قالته لتوها، لـتردد بتأكيد حاسم وهي تجاهد بـألم لـتعتدل في فراشها - أيوه يا سادن، ده اللي حصل ومش بتهيالى... أنا كنت نازلة من على السلم عشان أستناك بعد ما كلمتني، فجأة حسيت بـإيد غريبة بـتزقني بـقوة من ظهري.. من خوفي مسكت جامد في ترابزين السلم، ولسة بـلف عشان أشوف مين اللي ورايا، لقيت الإيد دي زقتني تاني جامد..... رجلي اتكعبلت وخبطت بـقوة في الحديدة المكسورة اللي تحت، ومن كتر الوجع محستش بـالدنيا بعدها وغبت عن الوعي. لم يكن رد فعل سادن الأولي سوى ذهول شلّ أطرافه؛ فـكيف لأحدهم أن يتجرأ، مجرد ا
اقرأ المزيد

114

منذ مغادرة إلهام الغرفة عقب نطقها بتلك الكلمات المسمومة، والوجوم يخيم على ملامح كايلا؛ جلست شاردة الذهن، غائبة عن الوجود، ولم تفلح محاولات الجميع المستميتة في تبديل مواضيع الحديث لانتشالها من تلك الغيمة السوداء التي لفت روحها إحراجاً وحزناً. وفجأة، اتجهت أنظار الحاضرين نحو باب الغرفة الذي انفتح بلهفة، ليدلف منه ماجد الأسيوطي بملامح مخطوفة وعينين يملؤهما الهلع؛ تقدم بـخطوات متعثرة وهو يسأل بصوت لاهث - في إيه يا سادن؟ طمنوني.. مالك يا فيروز يا بنتي؟ أنتِ كويسة؟ كانت كلماته تفيض بـخوف حقيقي صبغ وجهه بـشحوب الموتى. اقترب من فراشها بـسرعة، لتجيبه فيروز بـصوت واهن متهدج، مشوب بـابتسامة ضعيفة حاولت بها طمأنت قلب والد زوجها - أنا كويسة يا بابا.. الحمد لله، متقلقش عليا. تطلعت عينا ماجد بـألم وشفقة نحو قدمها الملفوفة بـرباط ضاغط طبي سميك والمرفوعة بعناية فوق عدة وسائد، فـشعر بغصة حانية تجاه هذه الفتاة الرقيقة، وسألها بـلهفة مضافة - والجنين يا بنتي؟ البيبي كويس وضعت فيروز كفها تلقائياً فوق بطنها بـحركة غريزية، وكأنها تطمئن نبضات قلبها أولاً أن ثمرة عشقها ما زالت تنبض بـالحياة، ثم أجابته ب
اقرأ المزيد

115

عاد هشام من عمله بـالشركة، والإنهاك يبدو جلياً على تقاطيع وجهه المجهد؛ ألقى بـمفاتيحه وهاتفه جانباً على الطاولة بـإهمال، ثم ارتمى بـكامل ثقل جسده على الأريكة الوثيرة، مغمضاً عينيه بـتعب شديد، وهو يأخذ نفساً عميقاً يزيح به هموم يومه الحافل، ليردد بـنبرة خافتة مستهلكة - دينا.. قولي لـحد من الشغالين يحضر العشا بـسرعة.. أنا راجع من الشغل هلكان ومش قادر أقف على رجلي. على الجانب الآخر، كانت دينا تجلس على إحدى المقاعد المخملية، واضعة ساقاً فوق الأخرى بـعجرفة وتعالٍ لا يليق بـزوجة؛ تطلعت إليه من أعلى لأسفل بـنظرات تقطر ازدراءً واشمئزازاً من مظهره المنهك وجسده الممتلئ، ثم نهضت من مكانها بـخطوات ثائرة، ورددت بـحدة وصوت لاذع - هو أنت مفيش وراك غير الاسطوانة دي؟ كل يوم ترجع من الشركة تتعشى وتنام.. تنام وتتعشى أنا عاوزة أخرج.. عاوزة أسهر وأتفسح وأعيش سني! حسسني بـأنوثتي المهدورة معاك دي.. أنا مش حاسة إني متجوزة راجل أصلاً، أنا عايشة في سجن لقد سئم هشام بـالفعل من تلك الكلمات الجارحة التي دأبت على ترديدها بـإلحاح ونكَد منذ بداية زواجهما المشوه؛ فـدائماً ما كانت تنتقد سلوكه، ومظهره، وطريقة حياته
اقرأ المزيد

116

تسببت كلمتها تلك في صدمة لاهبة ألجمت لسانه؛ فكيف لها أن تسمح لشكوگها بأن تصل إلى ذلك الحد المرعب والمظلم؟ كيف لقلبها النابض بالبراءة أن يحتمل فكرة غدر أمها؟ اعتدل طارق في جلسته والتف بجسده بالكامل حتى أصبح مواجهاً لها تماماً، يطوقها بنظراته الرمادية الحذرة التي تعبر عن حجم المفاجأة، وردد بنبرة منخفضة متهدجة - كايلا.. الكلام اللي بتقوليه ده خطير أوي، وممكن يقلب العيلة كلها جحيم.. أنتِ متأكدة من الشكوك دي؟ متأكدة يا حبيبتي؟ استندت كايلا برأسها المجهد على مقعد السيارة، وأغمضت عينيها بقهر وهي تأخذ نفساً عميقاً يرتجف له صدرها، ثم رددت بنبرة تقطر ألماً وحسرة - يا ريت يبقى كلامي كله غلط.. يا ريت أطلع أنا اللي ظالماها وموهومة.... بس أنا عشت مع فيروز وعاشرتها وعارفاها كويس، فيروز مستحيل تتبلى على حد أو تكدب في موقف زي ده.. غير كدة، زيارة ماما فجأة كده للمستشفى، وتأنيبها لفيروز، ومحاولتها المستميتة إنها تلبسني التهمة عشان تقلب سادن عليا.. كل ده هو اللي صحى الشك جوة قلبي وأكدلي إنها بتداري مصيبة. صمتت لثوانٍ معدودة، تحاول بشتى الطرق أن تهدأ وتلتقط أنفاسها الضائعة، ثم استأنفت حديثها بصوت مختن
اقرأ المزيد

117

استيقظ سادن منذ فترة ليست بـالقصيرة، ولكنه كان يخشى أدنى حركة قد تتسبب في إيقاظها وسلبها تلك الراحة التي تضمد جراحها؛ لذلك ظل ساكناً في مكانه كـتمثال صخري، مكتفياً بـأن يتطلع إليها بـشغف هائم، وكأنه يتشرب ملامحها الطفولية النقية، ويطبع تفاصيل وجهها الشاحب في أعماق ذاكرته لـيعوض رعب الليلة الماضية. انقطع هذا السكون المقدس عندما دلفت الممرضة بعد طرقات خفيفة، خجولة على الباب. توقفت الممرضة لـوهلة عند العتبة، وشعرت بـالاحراج وهي تراه مستلقياً بـجوارها يحيطها بـذراعيه بـشكل يفيض بـالعشق والخصوصية، لـتردد في خجل خفيض - صباح الخير يا فندم.. معلش أنا آسفة، بس ميعاد العلاج والمحاليل جه ولازم المدام تاخده أومأ لها سادن بـرأسه في هدوء وقار، ثم انحنى قليلاً وراح يهتف بـنبرة دافئة باسم "فجره"، لكن فيروز بدلاً من أن تستيقظ، دست وجهها أكثر وأكثر بـين ثنايا أحضانه العريضة، وتعلقت بـثيابه كـطفلة تتشبث بـأبيها، ورددت بـصوت ناعس، رخو، ممتلئ بـالدلال وهي ما زالت غافية بـالكامل - سدوني.. سيبني شوية كمان يا حبيبي.. مش عاوزة أصحى دلوقتي، سيبنى يا سدونى شعر الجبل، سادن الأسيوطي، بـالحرج المباغت يجتاح مل
اقرأ المزيد

118

لم يسترسل في أفكاره الدموية؛ إذ أفاق سادن فجأة على تلك الشهقة المذعورة والمكتومة التي صدرت من خلفه. التفت بـحركة سريعة كـالفهد، لـيجد شقيقته كايلا تقف عند عتبة المكتب بـملامح بيضاء كـالجبس، والدموع تحجر في عينيها؛ فـقد دلفت بـخطوات خافطة لـتبحث عنه، وصعقها رؤية ذلك التسجيل الدامي. بـمجرد أن التفت إليها وعلمت أنه كشف المستور، انهار الحصن بـالكامل، وأجهشت كايلا بـالبكاء المرير اللاهث، وتقدمت نحوه وتردد من بين شهقاتها الممزقة - ليه بـيعملوا كدة؟! ليه مصممين يفرقونا ويهدوا البيت فوق دماغنا بـالغل ده؟.. ليه بـيعملوا فينا كدة يا سادن؟ أنا ماليش ذنب في شرهم ارتمت كايلا بـين أحضانه وهي تنشج بـعنف، فشعر سادن بـانهيارها التام بـين يديه. راح يحاول تهدئتها بـربتات حانية، ولكنها كانت تزداد انهياراً بـسبب بشاعة الموقف وبشاعة الجرم الصادر من دمها (والدتها وشقيقتها). (على لسان سادن) - في اللحظة دي، كنت حاسس بـعقلي بـيتشد بـين ناريين مفيش أرحم من التانية.. كنت محتار بين أختي الوحيدة المنهارة بـالكامل بـين إيديا وصعبانة عليا، وبين مراتي وفجري اللي كانت ضحية مؤامرة قذرة وغدر بغيض كاد ينهي حياتها..
اقرأ المزيد

119

وجدت نفْسها حبيسة جدران تلك الغرفة المظلمة، المعتمة كـقبر مهجور في أقبية القصر؛ كانت الأنفاس تضيق في صدرها، وسكون المكان المخيف لا يقطعه سوى أصوات فحيح وزحيف لبعض الزواحف واليرقات التي لا تراها بـسبب السواد الحالك الذي يلف عينيها، مما ضاعف من رعبها وجعل الشلل يصيب أطرافها. تعالت صرخاتها المبحوحة، المستغيثة بـلا مجيب، لتنهار باكية في زاوية الغرفة الرطبة وهي تشعر بـحشرات مقززة تسير بـبطء على أقدامها الحافية، وربما كانت بعض الفئران الكبيرة التي راحت تلامس جلدها بـجرأة مرعبة. استمر هذا الجحيم النفسي والجسدي لـما يقرب من ثلاث ساعات متواصلة من الرعب الخالص، حتى خانتها قواها، وغابت عن الوعي بـالكامل أثر صدمة الخوف العصبية. وفجأة.. لم تفق إلا على دلو من الماء المثلّج يُسكب بـعنف وقسوة فوق رأسها وجسدها المرتجف؛ فتحت عينيها بـفزع وهلع شديد، لتتراجع بـشهقة لاهثة وهي تجد نفسها قابعة تحت أقدام سادن الأسيوطي، الذي كان يجلس أمامها على مقعد جلدي فخم، واضعاً ساقاً فوق الأخرى بـبرود مرعب، وعيناه الصقريتان تطلقان شرارات من الغضب والوعيد القاتل الذي يلف المكان بـهالة من الموت. انتفضت الخادمة سريعاً بـ
اقرأ المزيد

120

تذمّرت فيروز مع إشراقة الصباح بـعناد طفولي حانٍ وهي ترمق جلسته الثابتة بـجوارها فوق حافة الفراش؛ فـهو لم يطأ قدمه مقر شركته ولم يلتفت لـإمبراطوريته المالية منذ يوم الحادث المشؤوم. تملّكها الخوف والقلق من أن تتسبب وعكتها في خسائر فادحة لـأعماله، فـنظرت إليه بـعتاب رقيق، تطالبه بـالالتفات لـمستقبله. لكن سادن بـملامحه الحصينة التي لا تلين إلا أمامها، انحنى نحوها وأمسك كفها المرتجف، لـيخبرها بـنبرة رجولية دافئة، تفيض بـعشق يزلزل الكيان، أنها أغلى وأثمن ما يملك في هذا الوجود، فـكيف لـعاقل أن يترك روحه وفجره تتألم بـمفردها لـيلتفت لـحطام الدنيا وأموالها؟ وبينما هما غارقان في تبادل ذلك الحديث الدافئ، ونظراتهما تتمازج بـوعود الحب والأمان؛ انشق سكون الجناح الملكي فجأة، ودلفت من الباب قامة مألوفة وهي تلهث بـأنفاس مقطوعة، وتهتف بـفزع ولوعة هزت أركان الغرفة - فـيـروز تسمّرت الكلمات في حنجرة فيروز، وجمدت الدماء في عروقها؛ فـاتسعت عيناها النيلتية على آخرها بـذهول وصدمة مروعة تملكت أوصالها، وشخصت بـبصرها نحو القادمة وكأنها ترى شبحاً غير متوقع بـتاتاً في هذا التوقيت ✨✨✨✨✨✨✨ ركض فهد نحوها بـمرح
اقرأ المزيد
السابق
1
...
101112131415
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status