All Chapters of لا شيء ينخر العظام كالشوق: Chapter 11 - Chapter 20

22 Chapters

الفصل 11

فتش ساري كل موضع على واجهة الجرف، موضعا بعد موضع.وعند أسفل الجرف، لم يبال ساري بالرياح والأمواج، فركب قاربا وراح يفتش كل موضع بعناية شديدة.بل إنه ارتدى معدات الغوص ونزل بنفسه إلى البحر للبحث.لكن أينما بحث، لم يجد أي أثر يتعلق بليال.عاد إلى البيت شارد الروح، وقد بدت على وجهه أمارات الانهيار.مع أنه لم يمض سوى يومين فقط، بدا كأنه شاخ عشر سنوات.وحين رأت سهى عودته، أسرعت لاستقباله. "ساري، أعرف أنك قلق على أختي، لكن من مات لن يعود..."لم تكمل كلامها، فقد رأت عيني ساري الغارقتين في القسوة والحقد.كأنه لو تجرأت على قول كلمة أخرى، لأذاقها صنوف العذاب.تجمد جسد سهى كله، ولم تجرؤ على مواصلة الكلام، بل وقفت تحدق فيه جامدة.ظل صامتا لا يتكلم، فوقفت سهى هي الأخرى في مكانها، كأنها تكابره، من دون أن تنطق بكلمة.لو كان الأمر في السابق، لما رآها على هذه الحال إلا وبادر إلى الاقتراب منها ومراضاتها. أما الآن، فقد اكتفى بالنظر إليها بهدوء، كأنه ينتظر أن تبدأ هي بالكلام.وبعد وقت طويل، احمر محجرا عينيها، وانزلقت دمعة صافية من زاوية عينها، وسقطت على الأرض بصوت خافت.ثم استدارت ورفعت يدها لتمسح دموعها،
Read more

الفصل 12

عادت سهى إلى بيت عائلة النبهاني، وبكت أمام إخوتها الثلاثة شاكية ما حدث اليوم."إخوتي، هل ساري يلومني؟""هل عودتي جعلت ليال غير سعيدة؟ لكنني حقا لم أفكر يوما في إيذائها."...لو قالت مثل هذا الكلام في السابق، لكان إخوتها قد سارعوا جميعا إلى الدفاع عنها. أما الآن، فكان الثلاثة كأنهم لم يسمعوا ما قالته. وبعد أن أنهت كلامها، لم يقولوا إلا بجفاء فاتر:"سهى، اصعدي أولا. نحن متعبون قليلا."وفي مكان لا يرونه، امتلأت عينا سهى بالخبث.لماذا؟لماذا لا تكف عن إثارة المتاعب حتى بعد موتها؟في غرفة المعيشة، جلس الرجال الثلاثة على الأريكة، وكل واحد منهم غارق في صمته.قال أخوها الأكبر راكان وهو يدفن وجهه بين يديه، كاتما صوت بكائه: "أنا من خذل ليال وظلمها. لولاي، لما ماتت."بعد رحيل سهى، حين بدأوا يحسنون إلى ليال، كان ذلك في البداية فعلا من أجل إغاظة سهى قليلا.لكن بعد سنوات من العشرة، كان من المستحيل أن يقال إنهم لم يحملوا لها أي مشاعر.أما ليال، التي طالما تجاهلوا وجودها في بيت عائلة النبهاني، فقد كانت في الحقيقة فتاة طيبة جدا.كانت ترتبك وتفرح أمام اهتمامهم المفاجئ بها، ثم ترد لهم ذلك بلطف مضاعف.حسا
Read more

الفصل 13

حين رأت سهى حاله هذه، تصاعد في قلبها خوف هائل على نحو مفاجئ.لكنها استعادت هدوءها بعد لحظات، وقالت: "ساري، ما الذي جاء بك إلي في هذا الوقت المتأخر؟ ما حدث اليوم لم أعد ألومك عليه. أعرف أنك فعلت ذلك بسبب أختي... آه!"لكنها لم تكمل كلامها، إذ صفعها ساري على وجهها بقوة، فسقطت على الأرض.لمست سهى وجهها المتورم المحترق من أثر الصفعة، ونظرت إلى ساري غير مصدقة. وبعد قليل، امتلأت عيناها بالدموع، حتى غبشت الدموع بصرها، فلم تعد ترى ملامحه بوضوح. "ساري، كيف تستطيع أن تضربني؟"كان آخر صوتها المرتجف كأنه يروي ما تعرضت له من ظلم. لكن هذه الطريقة التي كانت تنجح في كل مرة سابقا لم تعد تجدي الآن، بل زادت غضبه اشتعالا.مد ساري يده وأمسك بعنقها، وكانت عيناه تشتعلان بغضب عارم. "حتى الآن، ما زلت تريدين المراوغة؟!"ازدادت قوة يده الكبيرة حول عنق سهى شيئا فشيئا. وراحت ترى نجوما تتراقص أمام عينيها من شدة الدوار، ودفعها الاختناق الشديد غريزيا إلى خدش يده ومحاولة إبعادها.فتحت فمها تتنفس بلهفة، لكن كل ذلك كان عبثا. لم يفدها بشيء سوى أن جعل حلقها أكثر جفافا واختناقا.لحسن الحظ، ربما لأنه رأى ألمها، وأخيرا أفلتها
Read more

الفصل 14

"إخوتي، ساري، اسمعوني، دعوني أشرح لكم. كل ما فعلته كان من أجلكم!""ما حدث قبل خمس سنوات كان خطئي فعلا. ما كان يجب أن أنخدع بذلك الشاب المنحرف وأجرح قلوبكم، لكنني الآن فهمت الأمر حقا."نظرت إلى كل واحد من الحاضرين بعينين متوسلتين تثيران الشفقة."ساري، إخوتي، أنا أعرف أنكم كنتم الأفضل معي دائما. أليس سبب إحسانكم إلى ليال أيضا هو أنا؟ كنتم تريدون أن تجعلوني أعترف بخطئي، وأن أعود إلى جانبكم من جديد.""أليست هذه النتيجة الآن هي ما كنتم تريدونه؟""ساري، سأحسن معاملتك في المستقبل. دع ما حدث في الماضي يمضي، حسنا؟ فأنت على أي حال لم تكن تحب ليال، بل كنت تعدها بديلة عني فقط.""إخوتي، ما زلت أختكم المطيعة اللطيفة. ومن دون ليال، لن يتغير أي شيء."كانت تظن أن هذا البوح الصادق قد يحرك فيهم شيئا ولو قليلا، لكن ملامح الأربعة الحاضرين لم تلن ولو قليلا. لم يبق فيها إلا شيء واحد واضح... الخيبة؟كانت عائلة النبهاني وعائلة اليافعي على صلة وثيقة منذ أجيال، وكانت علاقة أبناء العائلتين ممتازة أيضا.ومنذ صغرها، كانت سهى شديدة الانتباه إلى التفاصيل، قادرة على تذكر ما يحبه كل واحد منهم، وتفعل لهم كثيرا من الأشيا
Read more

الفصل 15

تحاملت سهى على ألمها ونهضت بصعوبة، ثم مسحت الدموع من زاوية عينيها. وحين نظرت إليهم، لم يبق في عينيها إلا الحقد والسخرية. "يا ساري، تقول إنني شريرة خبيثة النية. وهل تظن نفسك أفضل مني؟""حين رحلت قبل خمس سنوات، كنت مع ليال. ألم يكن ذلك بسبب الشبه بين وجهي ووجهها؟ اسأل نفسك بصدق: ألم تكن تعتبرها بديلة عني؟""خمس سنوات. خمس سنوات كاملة لم تكن مستعدا لأن تسجل زواجك من ليال، لكنك، لمجرد كذبتين قلتهما لك، ذهبت معي إلى مكتب الشؤون المدنية عن طيب خاطر.""أهذا هو الحب العميق الذي تتحدث عنه؟""هذا الغضب الأناني الذي يعتريك الآن لا ينبع في الحقيقة من حبك لليال، بل من عجزك عن تقبل أنك خُدعت على يد امرأة مثلي. وكل ما تفعله الآن لا علاقة له بحبك لليال، بل هو مجرد محاولة لتخفيف شعورك بالذنب.""أنت الشخص الأناني المنافق الحقيقي. أنت الشخص المقزز حقا."ثم حولت سهى نظرها إلى الإخوة الثلاثة الواقفين بجانبه."وأنتم كذلك، أنانيون ومنافقون، وحمقى إلى أبعد حد.""عشنا معا أكثر من عشرين عاما. هل حقا لم تعرفوا شيئا مما كنت أفعله بليال؟ هل كنتم لا تعرفون فعلا، أم أنكم لم تريدوا أن تعرفوا؟ أنتم أدرى من غيركم بالإج
Read more

الفصل 16

كان القبو غارقا في ظلام دامس، ولا ينبعث إلا ضوء خافت من المصباح عند الباب.تردد وقع خطوات ساري في السلم. وكانت سهى منكمشة في زاوية الجدار، ترتجف في كل جسدها."طَق!"انفتح الباب.التقت عينا سهى بعيني ساري الحمراوين، فازدادت ارتجافا."ماذا تريد أن تفعل؟"لم يجبها ساري، بل تراجع إلى الخارج، وترك الحراس خلفه يدخلون.كان عدد من الحراس يحملون أكياسا. وسرعان ما بدأ يتردد في القبو الخالي الغارق في الصمت فحيح خافت.وفي اللحظة التالية، أطلق الحراس عدة أكياس من الأفاعي، فأخذت تزحف باتجاه سهى."آه!""لا تقتربوا!""أنقذوني!"أرادت سهى أن تهرب، لكن القبو كله كان قد امتلأ بالأفاعي.التفت تلك الأفاعي حول ذراعي سهى وساقيها، ثم واصلت الزحف إلى الأعلى، حتى غطت جسدها كله.جعلها ذلك الملمس البارد ترتجف من رأسها إلى قدميها، لكنها لم تجد أي مكان تهرب إليه."آه!"أطلقت سهى صرخة حادة، ثم توالت أصوات الأفاعي وهي تغرز أنيابها في جلدها.وقف ساري في الخارج، ينظر ببرود إلى ذلك المشهد المرعب. وجاء صوته باردا إلى حد يقشعر له البدن: "اطمئني، إنها غير سامة. ما زلت لا أريد أن تموتي بهذه السهولة."وعندما أُخرجت تلك الأفا
Read more

الفصل 17

كانت ليال قد عاشت على هذه الجزيرة المنعزلة عدة أشهر. وباستثناء سفينة التموين التي تأتي أحيانا، لم يكن في هذا المكان أحد تقريبا.لم يكن يرافقها كل يوم سوى ريح البحر المالحة، وطيور بحرية تمر أحيانا خارج نافذتها.كانت أيامها وحدها هادئة إلى حد لا بأس به. في البداية، كانت ليال تتذكر أحيانا ما عاشته في عائلة النبهاني. ثم بدأت تنسى ذلك شيئا فشيئا، كأن تلك الذكريات غير السعيدة دُفنت في مكان بعيد.كل ما حدث بينها وبين عائلة النبهاني، وبينها وبين ساري، بدا كأنه وقع في حياة سابقة.نظرت ليال إلى تحذير الإعصار المنشور على هاتفها، ثم أغلقت أبواب ونوافذ الفيلا الواقعة في قلب الجزيرة، وجلست تنتظر انقشاع السماء.وكان يوما مشمسا نادرا بالفعل.نظرت ليال إلى السماء الصافية التي لا غيمة فيها، فخطر لها أن تخرج للتنزه.كانت مياه البحر هنا زرقاء جدا. وكثيرا ما كانت ليال تشعر كأنها وصلت إلى نهاية العالم.وفجأة، لفت شيء على الشاطئ البعيد انتباهها.سارت إليه، فاكتشفت رجلا منكمشا على الرمال.كان مبتلا بالكامل، والرمال تحته ملطخة بالدم. لا بد أن إعصار الليلة الماضية حمله إلى هذه الجزيرة.قرفصت ليال، وتفقدت حالته،
Read more

الفصل 18

بعد أن جاء يامن إلى هنا، تغيرت حياة ليال فعلا كثيرا.في السابق، كانت تشعر دائما كأن جزءا من قلبها فارغ.لكن بعد أن جاء يامن، صار الاثنان يتحدثان أحيانا. وحتى إن لم يتكلما، كان يأتي إلى جانبها ويقف معها قليلا.وضعت ليال يدها على صدرها، فاكتشفت أن ذلك الشعور السابق بالفراغ والضياع لم يظهر منذ وقت طويل.وفي تلك اللحظة فقط، أدركت ليال فجأة أن السبب في شعورها بأن جزءا من قلبها فارغ، هو أن الهدوء كان شديدا حين تكون وحدها.فالإنسان كائن اجتماعي. وما دام إنسانا، فسيميل إلى الجماعة. وإن ابتعد عن الجماعة طويلا، فسيشعر بالوحدة حتما.كانت قد فكرت يوما في أن تقضي ما تبقى من حياتها على هذه الجزيرة النائية الخالية من الناس، لكن ليال غيرت رأيها الآن.لقد مرت أشهر، لابد أنهم نسوها بالفعل.وما دامت قد "ماتت" مرة، فلم يعد هناك داع لأن تقسو على نفسها أو تظلمها بعد الآن.عند هذا الخاطر، لم ترفض ليال اقتراح يامن.قالت: "سأغادر غدا أيضا. لكن لا داعي لأن ترافقني في جولة. نحن مجرد غريبين جمعتهما الصدفة، وبعد أن نخرج من هنا، لا داعي لأن نلتقي مرة أخرى.""أما عن رد جميل إنقاذك، فإن كنت تريد حقا أن ترد لي هذا الج
Read more

الفصل 19

في هذه الفترة، ظلت ليال تسافر بين أماكن مختلفة، إلى أن استقرت أخيرا في مدينة حدودية تشتهر بالزهور.كانت ليال تتجول في الشارع بلا هدف، وترفع الكاميرا بين الحين والآخر لتلتقط بعض الصور."ليال!"حين سمعت من ينادي اسمها، التفتت ليال لتنظر.مع أنه لم يكن سوى ظل باهت، فإنها عرفته من النظرة الأولى. كان ساري.لم تستطع إلا أن تقطب حاجبيها. لقد طال الوقت منذ رأت أي شخص له علاقة بساري، حتى كادت تنسى كل شيء.لم تفهم ليال. ما دام لا يحبها، وما دامت هي قد رحلت من تلقاء نفسها، فلماذا ما زال يطاردها ويتشبث بها؟كلما فكرت في ساري، تذكرت تلك الأيام التي عاشتها في عائلة النبهاني.كان الطقس هنا دافئا، ولم يؤلمها موضع كسر أضلاعها منذ زمن طويل.لكن ما إن رأت ساري، حتى عاد ألم تلك الجراح القديمة ليتقلب في صدرها من جديد.أسرعت ليال خطواتها لتغادر، وفصلتها الجموع والأزقة عن ساري.أما ساري، ففي اللحظة التي رأى فيها ليال، كاد لا يصدق عينيه. ثم اجتاحته فرحة هائلة.إنها لم تمت، ليال ما زالت حية!ظنت ليال أن الأمر لم يكن سوى لقاء عابر، لكنها لم تتوقع أن يظهر ساري في اليوم التالي عند باب النزل الذي تقيم فيه.حين رأت
Read more

الفصل 20

لم تتكلم ليال، وساد الصمت بينهما.ظل ساري يحدق فيها، آملا أن يجعلها اعترافه هذا تلين ولو قليلا.قالت وهي تهز رأسها: "ساري، لماذا تفعل هذا بنفسك؟" ثم رفضته بلا أدنى مجاملة: "ينبغي أن تعرف أنه لا يوجد في هذا العالم دواء للندم.""ولو كان هناك دواء للندم، فأكثر ما أندم عليه هو أنني ولدت في عائلة النبهاني. ثم يأتي بعد ذلك زواجي منك قبل خمس سنوات."لم تكن ليال تريد أن تواصل التشابك معه. "ساري، حين عُلقت على حافة الجرف، كنت قد مت مرة بالفعل. اعتبر الأمر كذلك، ودعني وشأني، حسنا؟"أرادت أن تستدير وترحل، لكن ساري أمسك معصمها."لا، ليس حسنا، ليال. أنا أخطأت حقا، وندمت حقا. ألم يكن أكثر ما تتمنينه دائما أن تتزوجيني؟ عودي معي، وسأذهب معك إلى مكتب الشؤون المدنية لنسجل زواجنا رسميا، حسنا؟"كلما قال مثل هذا الكلام، ازداد اشمئزاز ليال منه.وفي اللحظة التي لم تستطع فيها الإفلات منه، امتدت يد وحررت معصمها من يد ساري.التفتت ليال، ولمع في عينيها ضوء خافت، وجاء صوتها بشيء من المفاجأة السعيدة:"يامن، كيف أتيت إلى هنا؟"قال: "هناك مناقصة لمشروع في هذه المنطقة، فجئت من أجلها. وصادف أن قابلتك بالقرب من هنا."ن
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status