LOGINطوال خمس سنوات من حياتهما كزوجين، لم يسجل ساري اليافعي زواجه رسميا من ليال النبهاني. كان يقول لها دائما إن أعمال الشركة كثيرة، وإنه لا يجد وقتا لذلك، وإن تسجيل الزواج رسميا أو عدم تسجيله لا يغير شيئا. فصدقت ليال كلامه. إلى أن جاء هذا اليوم. رأت بعينيها ساري يخرج من مكتب الشؤون المدنية مع أختها الكبرى سهى النبهاني، التي اختفت منذ خمس سنوات، بعدما سجلا زواجهما رسميا. ألقت سهى بنفسها إلى حضن ساري، وعيناها محمرتان، وهي تقبض بقوة على شهادة الزواج الفاقعة التي تخطف البصر. قالت سهى: "ساري، أعترف أنني أخطأت حين هربت من الزفاف في ذلك الوقت..." ثم تابعت بصوت مخنوق: "أعرف أنك وافقت هذه المرة على تسجيل زواجنا رسميا لأنني مصابة بالسرطان، لكنني ما زلت أريد أن أسألك: بعد كل هذه السنوات، هل نسيتني حقا ووقعت في حب ليال؟"
View Moreكانوا ما زالوا يتمسكون بوهمهم، ويريدون طلب مسامحتها.كانت الهدايا تصل إلى ليال كالسيل، ثم تعاد إليهم من جديد.نظر يامن إلى الطريقة التي كانت ترمي بها تلك الهدايا إلى الخارج، فلم يستطع منع نفسه من الضحك.قال: "المشروع الذي أعمل عليه هنا سينتهي قريبا. هل ترغبين في أن ترافقيني إلى مدينة الساحل؟"توقفت حركة ليال لحظة."يامن، هل تحبني حقا؟""ألن تمانع حقا كل ما مضى من حياتي؟"نظر إليها يامن بعينين ثابتتين رقيقتين، وقال: "ليال، أنا رجل بالغ. أستطيع أن أميز بين الحب والامتنان. أنا معجب بك، أحبك، وأريد أن أحميك.""أما ما مررت به في الماضي، فلن يجعلني إلا أتألم من أجلك، وأندم لأنني لم ألتق بك في وقت أبكر."كان يامن رجلا رائعا في سعيه إليها؛ يهتم بكل شيء، ويضع في كل كلمة شيئا من العناية.أما ليال، فقد تجاوزت منذ زمن مرحلة احتياجها إلى حب عاصف صاخب، قائم على عهود لا تتغير حتى الموت. أما هذا الاهتمام الهادئ المختبئ في التفاصيل، فكان أكثر ما يعلق في قلبها ولا تستطيع نسيانه."يامن، لنعد معا إلى مدينة الساحل."وقبيل رحيلهما، جاء ساري للبحث عن ليال.خلال هذه الفترة، كان قد ازداد هزالا وذبولا، وكأن جسد
أمام كل ما فعلوه، لم تشعر ليال إلا بالاشمئزاز."هناك كلام قلته بوضوح شديد من قبل. لا أريد أن أكون أختا في عائلة النبهاني بعد الآن، ولا أريد أن أكون زوجة ساري. أريد فقط أن أكون ليال.""ظهوركم أمامي الآن لا يثير فيّ إلا الاشمئزاز."حين سمعوا كلامها، ظهرت على وجوههم ملامح الحزن."ليال، نحن نعرف حقا أننا أخطأنا. كل هذا كان بسبب سهى، ولهذا ارتكبنا تلك الأخطاء."سخرت ليال، ثم رفعت ذراعها."هنا، عضتني الأفعى السامة التي وضعتها سهى في علبة الهدية. ولأنكم رفضتم علاجي، كدت أموت. وبسبب أثر السم، ما زال ذراعي يؤلمني أحيانا بألم عصبي."ثم نظرت إلى راكان، وأشارت إلى ظهرها، وقالت كلمة كلمة:"وعلى ظهري، بسبب اتهام كاذب لفّقته سهى ومثلته بنفسها، عوقبت بمائة جلدة. وحتى الآن، ما زالت الندوب هناك لا تزول."ثم أشارت إلى صدرها، "وساري، أنت صدمتني بسيارتك وكسرت ثلاثة من أضلاعي. وكلما هطل المطر، عاد الألم من جديد.""وهنا، على معصمي، هذه الندوب التي لا تختفي، تركتها الحبال الخشنة حين ربطتموني بأيديكم عند حافة الجرف."كان جسدها ممتلئا بندوب كبيرة وصغيرة. وكل ندبة منها تحمل ذنبهم."أنا أيضا أريد أن أنسى. تلك الذ
لم تتكلم ليال، وساد الصمت بينهما.ظل ساري يحدق فيها، آملا أن يجعلها اعترافه هذا تلين ولو قليلا.قالت وهي تهز رأسها: "ساري، لماذا تفعل هذا بنفسك؟" ثم رفضته بلا أدنى مجاملة: "ينبغي أن تعرف أنه لا يوجد في هذا العالم دواء للندم.""ولو كان هناك دواء للندم، فأكثر ما أندم عليه هو أنني ولدت في عائلة النبهاني. ثم يأتي بعد ذلك زواجي منك قبل خمس سنوات."لم تكن ليال تريد أن تواصل التشابك معه. "ساري، حين عُلقت على حافة الجرف، كنت قد مت مرة بالفعل. اعتبر الأمر كذلك، ودعني وشأني، حسنا؟"أرادت أن تستدير وترحل، لكن ساري أمسك معصمها."لا، ليس حسنا، ليال. أنا أخطأت حقا، وندمت حقا. ألم يكن أكثر ما تتمنينه دائما أن تتزوجيني؟ عودي معي، وسأذهب معك إلى مكتب الشؤون المدنية لنسجل زواجنا رسميا، حسنا؟"كلما قال مثل هذا الكلام، ازداد اشمئزاز ليال منه.وفي اللحظة التي لم تستطع فيها الإفلات منه، امتدت يد وحررت معصمها من يد ساري.التفتت ليال، ولمع في عينيها ضوء خافت، وجاء صوتها بشيء من المفاجأة السعيدة:"يامن، كيف أتيت إلى هنا؟"قال: "هناك مناقصة لمشروع في هذه المنطقة، فجئت من أجلها. وصادف أن قابلتك بالقرب من هنا."ن
في هذه الفترة، ظلت ليال تسافر بين أماكن مختلفة، إلى أن استقرت أخيرا في مدينة حدودية تشتهر بالزهور.كانت ليال تتجول في الشارع بلا هدف، وترفع الكاميرا بين الحين والآخر لتلتقط بعض الصور."ليال!"حين سمعت من ينادي اسمها، التفتت ليال لتنظر.مع أنه لم يكن سوى ظل باهت، فإنها عرفته من النظرة الأولى. كان ساري.لم تستطع إلا أن تقطب حاجبيها. لقد طال الوقت منذ رأت أي شخص له علاقة بساري، حتى كادت تنسى كل شيء.لم تفهم ليال. ما دام لا يحبها، وما دامت هي قد رحلت من تلقاء نفسها، فلماذا ما زال يطاردها ويتشبث بها؟كلما فكرت في ساري، تذكرت تلك الأيام التي عاشتها في عائلة النبهاني.كان الطقس هنا دافئا، ولم يؤلمها موضع كسر أضلاعها منذ زمن طويل.لكن ما إن رأت ساري، حتى عاد ألم تلك الجراح القديمة ليتقلب في صدرها من جديد.أسرعت ليال خطواتها لتغادر، وفصلتها الجموع والأزقة عن ساري.أما ساري، ففي اللحظة التي رأى فيها ليال، كاد لا يصدق عينيه. ثم اجتاحته فرحة هائلة.إنها لم تمت، ليال ما زالت حية!ظنت ليال أن الأمر لم يكن سوى لقاء عابر، لكنها لم تتوقع أن يظهر ساري في اليوم التالي عند باب النزل الذي تقيم فيه.حين رأت





