جميع فصول : الفصل -الفصل 8

8 فصول

الفصل 1

قالت لي والدة عامر: "جميلة، هل أغضبكِ مرةً أخرى؟ اطمئني، سأؤدبه لكِ حين يعود".هكذا قالت والدته بلسانها، أما قلبها فلم يكن يعني أيًا مما قالته.فكانت تظن أنني قد حملت بطفل عامر، فلم يعد أمامي حلٌ غير الزواج به؛ ومن عساه يقبل بي إن لم أتزوجه؟لقد كانت تعلم منذ زمنٍ طويل العلاقة التي تجمع ابنها بـلاميس المهدي، بل إن لاميس كانت قد سبقتني وأصبحت تناديها بـ "أمي" بينما أنا خطيبته الرسمية. ولم تكن ترى في الأمر ما يستحق الاستنكار، فأي رجلٍ لا يلهو خارج بيته من حينٍ إلى حين في زمننا هذا؟! بل كانت ترى أن ابنها العزيز ساحرٌ وجذابٌ لدرجة أن امرأتين تحبانه.هززت رأسي بهدوء وقلت:"لا داعي لذلك، عامر ولاميس هما اللذان يحب أحدهما الآخر حقًّا، ولن أقف عقبة في وجههما".ولم تبد والدة عامر أدنى علامةٍ من علامات الذعر حين علمت أنني اكتشفت خيانة عامر وعلاقته الآثمة؛بل ظلت تبتسم في هدوءٍ وثقة، وكأنها تظن أنني جئت أشتكي إليها نزوة غضبٍ عابرة، وأطلب منها أن تنصفني. وقالت:"يا جميلة، إن عامر يقيم العديد من العزائم ويجامل الكثيرين بحكم عمله، ولا مفرّ أحيانًا من التظاهر والمسايرة. عليكِ أن تقدّري الجهد الذ
اقرأ المزيد

الفصل 2

كنتُ على وشك أن أنزع القناع وأصارحه بالحقيقة، غير أنه سبقني وهرب خارجًا؛إذ اندفع خارج الغرفة وأغلق الباب خلفه بضيق. وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على عبير مرق الدجاج الدافئ، وقد ملأ أرجاء البيت برائحةٍ شهيةٍ.فلما نزلت إلى الطابق السفلي، رأيت عامر ولأول مرة في حياته قد دخل المطبخ بنفسه، وأمضى وقتًا في إعداد المرق.وحين رآني، لمحت في عينيه بارقة انتظار.كان إذا أغضبني في الماضي سعى إلى استرضائي بشيء بسيط؛ كهدية صغيرة، أو لفتة عابرة، أو كلمة حانية وكنت ألين وأصفح في كل مرة.حتى ظن أنني من كثرة ما عفوت عنه، فلا أستطيع فراقه، غير أن هذه المرة لم أجد في قلبي عفو أو لين.رآني صامتة، فتغير لونه قليلًا، ثم استدار وحمل المرق الذي أعدّه إلى وعاءٍ حافظٍ للحرارة.ولما مرّ بي وهو يخرج من الباب، قال متعمدًا أن أسمعه:"إن لاميس لا تحب تناول الفطور في الصباح، لكنني واثق أن هذا المرق سيعجبها".كان يظن أن تلك الكلمات ستوقد في نفسي نار الغيرة، وأنها ستدفعني إلى الجنون أو إلى التنازل والعودة إليه، لكنني ضحكت بسخرية، يا للسخافة!كيف لا يزال يظن أن ما بيننا شجارًا عابرًا أو صراع على اهتمامه؟وفجأةً
اقرأ المزيد

الفصل 3

لو أنني ذهبت إليه أُخاصمه وأُثير معه الضجة، لوجد في ذلك ذريعةً يتسلّق بها إلى مصالحتـي واسترضائي.وحينها كان سيمضي كل شيء وكأنه لم يحدث.لكنني الآن، وقد أحاطتني الشائعات من كل صوب، لم أشعر في أعماقي بأي اضطراب، ولا اهتزّ في نفسي خاطر.جلست في صمت أكتب طلب استقالتي.فبسبب الإجازة التي اضطررت إلى أخذها هذه المرة، حُرم جميع زملائي في القسم من عطلتهم، وتأثّروا بسببي.وكان مديري في الأصل يضمر لي شيئًا من السخط وعدم الرضا، فلما وضعت استقالتي بين يديه وقّع عليها دون تردد، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.وبعد أن أنهيت جميع إجراءات المغادرة، رتّبت أغراضي، واستعددت لمغادرة الشركة نهائيًا.وصلت إلى باب الخروج، لكنني سمعت موظفة الاستقبال تتحدث بحماس بالغ مع أهلها عبر الهاتف:"بعد غدٍ سيقيم الرئيس عامر حفلة عيد ميلاد للمذيعة لاميس، وقد منح جميع موظفي الشركة إجازة!"توقفت خطواتي فجأة، كأن قوة خفية شدّتني من موضعي.فذلك اليوم... كان موعد زفافنا الذي اتفقنا عليه منذ البداية.وحين أقبل الليل، وتمددت لتوي على فراشي أستعد للنوم، عاد عامر.كانت رائحة الخمر تفوح من جسده كله، وبين ذراعيه امرأة ترتدي ثيابًا
اقرأ المزيد

الفصل 4

بدا الذهول جليًّا على وجه عامر؛ إذ أدرك لأول مرة أنه لم يعد قادرًا على تحريك مشاعري كما كان يفعل من قبل.ودبّ القلق في نفسه، فأدارني إليه بعنف، ثم انقضّ عليّ يقبّلني في جنون.فدفعته بكل ما أوتيت من قوة، وقلت ببرودٍ واحتقارٍ:" عامر، أما شبعت لتوِّك من لاميس؟ أم بقي في نفسك متسع لتأتي فتتودد إليّ بعد ذلك؟ إنك تثير اشمئزازي حقًا".فلما فضحتُ تمثيليته الواهية، انفجر غضبًا وصاح:"لقد تنازلت وحاولت استرضاءكِ، فلا تكوني جاحدة!"ثم أردف بلهجة الآمر: "إنكِ زوجتي، ومن واجبكِ أن تؤدي ما تؤديه الزوجة لزوجها!"وارتمى بجسده فوقي فجأة، ومزق ثيابي بقوة دون رحمة.وفي تلك اللحظة، اجتاح أسفل بطني ألمٌ يمزق الأحشاء.قاومته بكل ما بقي لي من قوة، لكنه ردّ مقاومتي بصفعةٍ عنيفة أطاحت برأسي.غير أن الألم الذي اشتعل في وجهي لم يكن شيئًا يُذكر إلى جانب العذاب الذي كان يمزق أسفل بطني.أخذت أرتجف من شدة الألم، وانكمش جسدي كله.وحين رآني أغرق في عرقٍ بارد من فرط الألم، عاد إليه وعيه شيئًا فشيئًا.وانقلب وجهه؛ وتبدلت ملامحه مرة بعد أخرى،ثم آثر الصمت، وأدار ظهره لي، وغادر المنزل.وقضيت الليل كله وحيدةً، أتجرع ال
اقرأ المزيد

الفصل 5

"ماذا...؟"تجمد عامر في مكانه، وكأن الصاعقة قد هوت على رأسه،وحدّق بي في ذهولٍ تامٍ، يكاد لا يصدق ما سمع.ثم قال بصوتٍ مرتجف:"جميلة، إنكِ تكذبين عليّ، أليس كذلك؟إن طفلنا لا يزال بخير، أليس كذلك؟"وأسرع نحوي يريد أن يمسك بيدي، كأنه يتشبث بجواب يُطمئن قلبه.لكنني تراجعت خطوة إلى الوراء بحسم، وقلت في هدوءٍ دون اضطراب:"لا، لم أكذب عليك، كان عليك أن تدرك أنه منذ اللحظة التي سمحت بوجود امرأةٍ أخرى إلى جانبك، كنت تكتب نهاية ما بيننا".ولمّا سمعت لاميس كلامي، لمعت في عينيها فرحة لم تستطع إخفاءها.فلم يعد للطفل أي وجود، ولم يعد ثمة من يحول بينها وبين الزواج من عامر.ولم أعد أرغب في إضاعة لحظة أخرى مع هذين الاثنين، فاستدرت وهممت بالمغادرة.لكن عامر اعترضني فجأة وأمسك بذراعي من الخلف، وكانت عيناه محمرتين، كأنه يكابد غضبًا يكاد ينفجر.وقال بصوتٍ مكتوم:"جميلة، ألا زلتِ تظنين هذا العبث ممتعًا؟ أتظنين أنكِ ستجعلينني أشفق عليكِ إذا ادعيتِ الإجهاض؟"ثم قال بلهجةٍ قاطعة:"لن تغادري من هنا قبل أن تعتذري إلى لاميس".ابتسمت بسخرية.يا للروعة! ما أشد غيرته عليها وما أعظم حرصه على حمايتها!فأخرجت ورقة
اقرأ المزيد

الفصل 6

لم يكن عاصم رجلًا سيئًا قط على أي حال، بل كان في نظري، واحدًا من قلةٍ نادرة من أرباب العمل الذين يعرفون أن الموظف ليس آلةً صماء، وأن له قلبًا وجسدًا يحتاجان إلى الرعاية والراحة.غير أنه لم يكن كثير الابتسام، وكان دائمًا يحتفظ بمظهره الوقور.إلى أن أتى أحد الأيام، رأيته بعينيّ يعنف أحد الموظفين في مكتبه تعنيفًا شديدًا.فقلت في نفسي، لا بد أن ذلك الموظف ارتكبَ خطأً جسيمًا.ومضت الأيام، وأصبحت من الركائز الأساسية في الشركة، قادرةً على تحمل المسؤوليات الكبرى وحدي.وأخذت مسيرتي المهنية تزدهر يومًا بعد يوم، حتى غدوت من أبرز الكفاءات، وانشغلت بنجاحي عن كل ما مضى، ولم يعد اسم عامر يخطر ببالي.وكأن تلك الحقبة المظلمة لم تكن يومًا فصلًا من حياتي.إلى أن...أتى أحد الأيام، لا أدري من أين حصل على أخباري، لكنه استطاع أن يصل إلى مقر الشركة.وما إن رآني حتى أسرع نحوي وهو يقول:"جميلة، أين كنتِ طوال هذه السنوات الثلاث؟ لقد بحثت عنكِ في كل مكان".ثم تابع على عجل:"لقد تغيرت وطردت لاميس من حياتي، إن أمي تشتاق إليكِ كثيرًا.عودي معي، ولنبدأ من جديد، أرجوكِ".ولأن المشهد كان غريبًا، ولم يعتده الموظفون
اقرأ المزيد

الفصل 7

غادر عامر وهو يشتعل غيظًا وحنقًا، وأيقنت في نفسي أنه لن يعود مرةً أخرى.وبعد أن انصرف عامر، بقيت مستندةً إلى صدر عاصم، ولم أكن قادرةً على الابتعاد عنه بعد.كان ينظر إليّ بعينين تفيض منهما مشاعر كثيرة يعجز اللسان عن البوح بها،ثم قال بصوتٍ خفيض:"جميلة، عليكِ أن تتحملي مسؤولية ما فعلتِ".شعرت بحرارة تنبعث من وجنتيّ وكأن النيران اشتعلت بهما.فلما سمعت كلماته، عجزت عن استيعابها، وقلت في دهشة:"ماذا؟"نظر إليّ مليًا، ثم قال:"ما الذي يميزه عني؟"وسكت لحظة، ثم أردف:"أهو أكثر وسامة مني؟؟"رفعت بصري إليه.كان وجهه وسيمًا إلى حد لا يوصف، كأن يد فنانٍ رسمت ملامحه في هدوءٍ وإتقان.فهززت رأسي نفيًا.فعاد يسأل:"أم أنه أغنى مني؟"كان عاصم من أصحاب الثروات الهائلة، تتجاوز أصول ثروته مئات المليارات، فلا يمكن مقارنة عامر به في هذا الباب.فأخذت أهز رأسي مرةً أخرى بشدة دون وعي.ابتسم ابتسامةً خافتة، ثم سأل السؤال الذي شلَّ تفكيري كله:"إذًا لماذا لا تحبينني؟"وفجأة، توقفتُ عن هزّ رأسي وحدقت فيه في دهشة.أحقًا قال ذلك؟أيسألني لماذا لا أحبه؟ولم أجد فرصةً للجواب، إذ سبقني بقوله:"أنا أوفى منه، وأعرف
اقرأ المزيد

الفصل 8

قلت في دهشة:"أكان شديد القسوة إلى هذا الحد مع موظفيه؟"فأومأ زملائي جميعًا برؤوسهم في آنٍ واحد، وكأنهم يؤكدون حقيقة لا ريب فيها.عندها أدركت أن سمعته القديمة لم تكن سرابًا، لقد كان صارمًا بلا شك.ويبدو أنه كان ينتظر اليوم الذي سيجدني فيه منذ زمن بعيد.في ليلة خطبتنا، كان يلامسني كما يلامس المرء كنزًا يخشى أن يفقده.وغرقنا في تلك اللحظات الدافئة.وحين انتهى كل شيء، كنت مستسلمةً بين ذراعيه عاجزة عن الحركة.فانحنى يقبّل جبيني برقة، وهمس:"حمدًا لله أنني وجدتك، وأن الأوان لم يفت بعد".بادلته قبلته، ولأول مرة في حياتي، شعرت بدفءٍ حقيقي يحتويني.كان قلبه المتوهج يُذيب ذلك الجليد الذي ظل سنين طويلة يطوق قلبي.وقلت في نفسي، لحسن حظي لم يفت الأوان بعد.لقد كان عامر الصفحة الأكثر ظلمةً في حياتي.أما عاصم، فقد أخذ يطوي تلك الصفحة ويجبر ما كسره الماضي، حتى أعاد إليَّ نفسي التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد.ومنذ ذلك الحين، أخذت حياتي تستقيم رويدًا رويدًا، حتى عادت إلى مسارها الذي كان ينبغي لها أن تسلكه منذ البداية.وجاء يوم زفافي من عاصم.وفي وسط الاحتفال، ظهر عامر فجأة.كانت عيناه حمراوين من شدة
اقرأ المزيد
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status