Se connecterلأجل مشروعٍ عاجلٍ في الخارج، أرجأ عامر الصاوي موعد زفافنا أسبوعًا كاملًا. فقلت له متفهِّمةً أمره، إن العمل أولى، فامضِ موفقًا وعُد سريعًا. كانت لاميس المهدي أشهر مذيعات البث المباشر في الشركة، وبعد رحيله بيومٍ واحدٍ أرسلت إليّ صورةً، ظهر فيها عامر يعانقها تحت بريق الشفق المتلألئ وسط سماء جزيرة الثلج، ويطبع على شفتيها قبلةَ اشتياق. لم أتصل به لأعاتبه، ولم أرفع الهاتف لأطالب منه تفسيرًا؛ كل ما فعلته أنني ألغيت في صمتٍ حفل العشاء قبل الزفاف الذي كنت قد حجزته منذ زمن. وفي اليوم الثاني، ظهر عامر على شاطئٍ أزرق يفيض بالرومانسية، جاثيًا على ركبةٍ واحدة، يضع في إصبع لاميس خاتم خطبةٍ مرصّعًا بماسةٍ كبيرة كانت تزن ثلاثة قراريط. أما أنا فلم أنبس ببنت شفة؛ وذهبت إلى المستشفى، وأجهضت الجنين الذي كان ينمو في أحشائي. وفي اليوم الثالث، كان عامر ولاميس يقضيان ليلتهما في نُزُلٍ ساحلي، غارقين في متاع الهوى وملذّات العشق. وحينها ذهبت إلى والدة عامر، وأخبرتها أنني لم أعد أنوي الزواج بابنها.
Voir plusقلت في دهشة:"أكان شديد القسوة إلى هذا الحد مع موظفيه؟"فأومأ زملائي جميعًا برؤوسهم في آنٍ واحد، وكأنهم يؤكدون حقيقة لا ريب فيها.عندها أدركت أن سمعته القديمة لم تكن سرابًا، لقد كان صارمًا بلا شك.ويبدو أنه كان ينتظر اليوم الذي سيجدني فيه منذ زمن بعيد.في ليلة خطبتنا، كان يلامسني كما يلامس المرء كنزًا يخشى أن يفقده.وغرقنا في تلك اللحظات الدافئة.وحين انتهى كل شيء، كنت مستسلمةً بين ذراعيه عاجزة عن الحركة.فانحنى يقبّل جبيني برقة، وهمس:"حمدًا لله أنني وجدتك، وأن الأوان لم يفت بعد".بادلته قبلته، ولأول مرة في حياتي، شعرت بدفءٍ حقيقي يحتويني.كان قلبه المتوهج يُذيب ذلك الجليد الذي ظل سنين طويلة يطوق قلبي.وقلت في نفسي، لحسن حظي لم يفت الأوان بعد.لقد كان عامر الصفحة الأكثر ظلمةً في حياتي.أما عاصم، فقد أخذ يطوي تلك الصفحة ويجبر ما كسره الماضي، حتى أعاد إليَّ نفسي التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد.ومنذ ذلك الحين، أخذت حياتي تستقيم رويدًا رويدًا، حتى عادت إلى مسارها الذي كان ينبغي لها أن تسلكه منذ البداية.وجاء يوم زفافي من عاصم.وفي وسط الاحتفال، ظهر عامر فجأة.كانت عيناه حمراوين من شدة
غادر عامر وهو يشتعل غيظًا وحنقًا، وأيقنت في نفسي أنه لن يعود مرةً أخرى.وبعد أن انصرف عامر، بقيت مستندةً إلى صدر عاصم، ولم أكن قادرةً على الابتعاد عنه بعد.كان ينظر إليّ بعينين تفيض منهما مشاعر كثيرة يعجز اللسان عن البوح بها،ثم قال بصوتٍ خفيض:"جميلة، عليكِ أن تتحملي مسؤولية ما فعلتِ".شعرت بحرارة تنبعث من وجنتيّ وكأن النيران اشتعلت بهما.فلما سمعت كلماته، عجزت عن استيعابها، وقلت في دهشة:"ماذا؟"نظر إليّ مليًا، ثم قال:"ما الذي يميزه عني؟"وسكت لحظة، ثم أردف:"أهو أكثر وسامة مني؟؟"رفعت بصري إليه.كان وجهه وسيمًا إلى حد لا يوصف، كأن يد فنانٍ رسمت ملامحه في هدوءٍ وإتقان.فهززت رأسي نفيًا.فعاد يسأل:"أم أنه أغنى مني؟"كان عاصم من أصحاب الثروات الهائلة، تتجاوز أصول ثروته مئات المليارات، فلا يمكن مقارنة عامر به في هذا الباب.فأخذت أهز رأسي مرةً أخرى بشدة دون وعي.ابتسم ابتسامةً خافتة، ثم سأل السؤال الذي شلَّ تفكيري كله:"إذًا لماذا لا تحبينني؟"وفجأة، توقفتُ عن هزّ رأسي وحدقت فيه في دهشة.أحقًا قال ذلك؟أيسألني لماذا لا أحبه؟ولم أجد فرصةً للجواب، إذ سبقني بقوله:"أنا أوفى منه، وأعرف
لم يكن عاصم رجلًا سيئًا قط على أي حال، بل كان في نظري، واحدًا من قلةٍ نادرة من أرباب العمل الذين يعرفون أن الموظف ليس آلةً صماء، وأن له قلبًا وجسدًا يحتاجان إلى الرعاية والراحة.غير أنه لم يكن كثير الابتسام، وكان دائمًا يحتفظ بمظهره الوقور.إلى أن أتى أحد الأيام، رأيته بعينيّ يعنف أحد الموظفين في مكتبه تعنيفًا شديدًا.فقلت في نفسي، لا بد أن ذلك الموظف ارتكبَ خطأً جسيمًا.ومضت الأيام، وأصبحت من الركائز الأساسية في الشركة، قادرةً على تحمل المسؤوليات الكبرى وحدي.وأخذت مسيرتي المهنية تزدهر يومًا بعد يوم، حتى غدوت من أبرز الكفاءات، وانشغلت بنجاحي عن كل ما مضى، ولم يعد اسم عامر يخطر ببالي.وكأن تلك الحقبة المظلمة لم تكن يومًا فصلًا من حياتي.إلى أن...أتى أحد الأيام، لا أدري من أين حصل على أخباري، لكنه استطاع أن يصل إلى مقر الشركة.وما إن رآني حتى أسرع نحوي وهو يقول:"جميلة، أين كنتِ طوال هذه السنوات الثلاث؟ لقد بحثت عنكِ في كل مكان".ثم تابع على عجل:"لقد تغيرت وطردت لاميس من حياتي، إن أمي تشتاق إليكِ كثيرًا.عودي معي، ولنبدأ من جديد، أرجوكِ".ولأن المشهد كان غريبًا، ولم يعتده الموظفون
"ماذا...؟"تجمد عامر في مكانه، وكأن الصاعقة قد هوت على رأسه،وحدّق بي في ذهولٍ تامٍ، يكاد لا يصدق ما سمع.ثم قال بصوتٍ مرتجف:"جميلة، إنكِ تكذبين عليّ، أليس كذلك؟إن طفلنا لا يزال بخير، أليس كذلك؟"وأسرع نحوي يريد أن يمسك بيدي، كأنه يتشبث بجواب يُطمئن قلبه.لكنني تراجعت خطوة إلى الوراء بحسم، وقلت في هدوءٍ دون اضطراب:"لا، لم أكذب عليك، كان عليك أن تدرك أنه منذ اللحظة التي سمحت بوجود امرأةٍ أخرى إلى جانبك، كنت تكتب نهاية ما بيننا".ولمّا سمعت لاميس كلامي، لمعت في عينيها فرحة لم تستطع إخفاءها.فلم يعد للطفل أي وجود، ولم يعد ثمة من يحول بينها وبين الزواج من عامر.ولم أعد أرغب في إضاعة لحظة أخرى مع هذين الاثنين، فاستدرت وهممت بالمغادرة.لكن عامر اعترضني فجأة وأمسك بذراعي من الخلف، وكانت عيناه محمرتين، كأنه يكابد غضبًا يكاد ينفجر.وقال بصوتٍ مكتوم:"جميلة، ألا زلتِ تظنين هذا العبث ممتعًا؟ أتظنين أنكِ ستجعلينني أشفق عليكِ إذا ادعيتِ الإجهاض؟"ثم قال بلهجةٍ قاطعة:"لن تغادري من هنا قبل أن تعتذري إلى لاميس".ابتسمت بسخرية.يا للروعة! ما أشد غيرته عليها وما أعظم حرصه على حمايتها!فأخرجت ورقة