Teilen

الفصل 3

النجمة الصغيرة
لو أنني ذهبت إليه أُخاصمه وأُثير معه الضجة، لوجد في ذلك ذريعةً يتسلّق بها إلى مصالحتـي واسترضائي.

وحينها كان سيمضي كل شيء وكأنه لم يحدث.

لكنني الآن، وقد أحاطتني الشائعات من كل صوب، لم أشعر في أعماقي بأي اضطراب،

ولا اهتزّ في نفسي خاطر.

جلست في صمت أكتب طلب استقالتي.

فبسبب الإجازة التي اضطررت إلى أخذها هذه المرة،

حُرم جميع زملائي في القسم من عطلتهم، وتأثّروا بسببي.

وكان مديري في الأصل يضمر لي شيئًا من السخط وعدم الرضا،

فلما وضعت استقالتي بين يديه وقّع عليها دون تردد، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.

وبعد أن أنهيت جميع إجراءات المغادرة، رتّبت أغراضي، واستعددت لمغادرة الشركة نهائيًا.

وصلت إلى باب الخروج، لكنني سمعت موظفة الاستقبال تتحدث بحماس بالغ مع أهلها عبر الهاتف:

"بعد غدٍ سيقيم الرئيس عامر حفلة عيد ميلاد للمذيعة لاميس، وقد منح جميع موظفي الشركة إجازة!"

توقفت خطواتي فجأة، كأن قوة خفية شدّتني من موضعي.

فذلك اليوم...

كان موعد زفافنا الذي اتفقنا عليه منذ البداية.

وحين أقبل الليل، وتمددت لتوي على فراشي أستعد للنوم، عاد عامر.

كانت رائحة الخمر تفوح من جسده كله، وبين ذراعيه امرأة ترتدي ثيابًا مثيرة، كانت لاميس.

قال ببرود جاف:

" اخرجي، إن لاميس ستنام هنا الليلة".

كان صوته باردًا قاسيًا، لا يخاطب به امرأة كانت على وشك أن تصبح زوجته،

بل خادمةً تعيش في كنفه لتتلقى أوامره.

وانكمشت لاميس في حضنه، ثم رفعت عينيها نحوي في سخرية وتحدٍ:

"عامر، أليست هذه غرفة نومكما؟ كيف يمكنك أن تطرد الآنسة جميلة من أجلي؟

ثم أضافت في لهجة متصنعة:

"لِمَ لا تبقى الآنسة جميلة هنا؟ فيمكنني أن أتعلم منها وأستفيد منها لكي أهتم بك جيدًا".

رفع عامر حاجبه مبتسمًا ابتسامة ماكرة، ثم مد يده وقبض بقوة على أردافها الممتلئة، وقال ساخرًا:

"وما الذي يمكن أن تتعلميه منها؟ إنها على الفراش مملة إلى حد لا يُطاق،

كلوح الجليد ليس لديها روح. أما أنتِ فمختلفة تمامًا...

فأنتِ رقيقة وفاتنة، لن تحتاجي مساعدة أحد.

نهضت من مكاني غاضبة، وأخذ جسدي يرتجف رغمًا عني.

كان الرجل الواقف أمامي غريبًا إلى حدٍ جعلني أشعر بالغثيان.

أما هو فظل ينظر إليّ باهتمام ظاهر، كأنما ينتظر ثورتي ويستمتع بما ستسفر عنها.

فضحكت لاميس باستهزاء وقالت:

"آنسة جميلة، إذا كنتِ عاجزة حتى عن إرضاء الرجل الذي تحبينه،

فلا يمكنكِ أن تلوميه إن بحث عن متعته عند امرأة أخرى".

ثم ألقت نظرة على ثوب نومي، وعقدت حاجبيها في ازدراء:

"ذوقك في الملابس ريفي وقديم جدًا.

أليس لديكِ ذوق أو أنوثة؟ إن عامر محق أن يسأم منكِ".

وكان ذلك الثوب نفسه قد اشتراه عامر حين حملت، خوفًا على الجنين من أي ضغط أو ضيق.

فضحك عامر، وأمسك بذقن لاميس برفق، ثم انحنى يقبّلها ويقول بدلال:

"حسنًا، حسنًا، كيف ينطق هذا الفم الصغير بكل هذه القسوة؟"

ثم أردف مبتسمًا:

"لا تنسي أن جميلة لا تزال تحمل طفلي".

"سأريكِ لاحقًا كيف سأعاقبكِ على هذه الكلمات".

وكانا كالهشيم إذا لامسته شرارة اشتعل، فما إن اقتربا من بعضهما

حتى اندفعا في حماسة جامحة،

غير عابئين بوجودي، ولا متحرجين من شيء.

فهاجت معدتي واشمأزت نفسي، فحملت أغراضي وانتقلت إلى غرفة الضيوف.

ولم يكن بيني وبينهما سوى جدار واحد.

ومن خلف ذلك الجدار، ظلت أصوات أنفاسهما تتعالى وتهبط بلا انقطاع...

أما أنا فلم أشعر إلا بضيق خانق، فسددت أذنيّ بكفيّ، ثم غلبني النوم من حيث لا أشعر.

وفي جوف الليل، بينما كنت غارقة في النوم، شعرت بعامر يطوقني من الخلف،

ويسحبني بين ذراعيه فجأة.

وقال بصوت خافت متذمرًا:

"جميلة، أترينني مع امرأة أخرى ثم تنامين هكذا؟ ألا تشعرين بالغيرة؟"

فتحررت من حضنه، ولم أشعر إلا بالسخرية والاشمئزاز.

فسارع يحاول استرضائي:

" جميلة، ألا يمكننا أن نحل هذا الخلاف؟ أنتِ وحدكِ من أحببت، وما زلت أحب.

لقد تجاهلتني طوال هذه الأيام، ولم أجد وسيلة إلا أن أستعين بلاميس لأثير غيرتكِ.

لقد اشتقت إليكِ كثيرًا"

وكان يهمس بكلمات الحب عند أذني،

فيما راحت يداه تتسلقان جسدي ببطء بطريقته المعتادة،

محاولًا أن يوقظ في نفسي ما كان يوقظه قديمًا بلمسته.

كم استطاع في السابق أن يطفئ غضبي بمثل هذا الحنان الزائف، لذلك أقبل واثقًا بأنه لن يخيب هذه المرة أيضًا.

غير أن الفراغ المؤلم الذي كان ينبض في أعماقي، وذلك الوجع الذي لا يفارقني، كان يذكرني بالحقيقة.

كانت تلك الحقيقة هي ما تمنعه عن نيل ما يريد.

فلم يكن كل هذا إلا كذب وحنان زائف...

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 8

    قلت في دهشة:"أكان شديد القسوة إلى هذا الحد مع موظفيه؟"فأومأ زملائي جميعًا برؤوسهم في آنٍ واحد، وكأنهم يؤكدون حقيقة لا ريب فيها.عندها أدركت أن سمعته القديمة لم تكن سرابًا، لقد كان صارمًا بلا شك.ويبدو أنه كان ينتظر اليوم الذي سيجدني فيه منذ زمن بعيد.في ليلة خطبتنا، كان يلامسني كما يلامس المرء كنزًا يخشى أن يفقده.وغرقنا في تلك اللحظات الدافئة.وحين انتهى كل شيء، كنت مستسلمةً بين ذراعيه عاجزة عن الحركة.فانحنى يقبّل جبيني برقة، وهمس:"حمدًا لله أنني وجدتك، وأن الأوان لم يفت بعد".بادلته قبلته، ولأول مرة في حياتي، شعرت بدفءٍ حقيقي يحتويني.كان قلبه المتوهج يُذيب ذلك الجليد الذي ظل سنين طويلة يطوق قلبي.وقلت في نفسي، لحسن حظي لم يفت الأوان بعد.لقد كان عامر الصفحة الأكثر ظلمةً في حياتي.أما عاصم، فقد أخذ يطوي تلك الصفحة ويجبر ما كسره الماضي، حتى أعاد إليَّ نفسي التي ظننت أنني فقدتها إلى الأبد.ومنذ ذلك الحين، أخذت حياتي تستقيم رويدًا رويدًا، حتى عادت إلى مسارها الذي كان ينبغي لها أن تسلكه منذ البداية.وجاء يوم زفافي من عاصم.وفي وسط الاحتفال، ظهر عامر فجأة.كانت عيناه حمراوين من شدة

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 7

    غادر عامر وهو يشتعل غيظًا وحنقًا، وأيقنت في نفسي أنه لن يعود مرةً أخرى.وبعد أن انصرف عامر، بقيت مستندةً إلى صدر عاصم، ولم أكن قادرةً على الابتعاد عنه بعد.كان ينظر إليّ بعينين تفيض منهما مشاعر كثيرة يعجز اللسان عن البوح بها،ثم قال بصوتٍ خفيض:"جميلة، عليكِ أن تتحملي مسؤولية ما فعلتِ".شعرت بحرارة تنبعث من وجنتيّ وكأن النيران اشتعلت بهما.فلما سمعت كلماته، عجزت عن استيعابها، وقلت في دهشة:"ماذا؟"نظر إليّ مليًا، ثم قال:"ما الذي يميزه عني؟"وسكت لحظة، ثم أردف:"أهو أكثر وسامة مني؟؟"رفعت بصري إليه.كان وجهه وسيمًا إلى حد لا يوصف، كأن يد فنانٍ رسمت ملامحه في هدوءٍ وإتقان.فهززت رأسي نفيًا.فعاد يسأل:"أم أنه أغنى مني؟"كان عاصم من أصحاب الثروات الهائلة، تتجاوز أصول ثروته مئات المليارات، فلا يمكن مقارنة عامر به في هذا الباب.فأخذت أهز رأسي مرةً أخرى بشدة دون وعي.ابتسم ابتسامةً خافتة، ثم سأل السؤال الذي شلَّ تفكيري كله:"إذًا لماذا لا تحبينني؟"وفجأة، توقفتُ عن هزّ رأسي وحدقت فيه في دهشة.أحقًا قال ذلك؟أيسألني لماذا لا أحبه؟ولم أجد فرصةً للجواب، إذ سبقني بقوله:"أنا أوفى منه، وأعرف

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 6

    لم يكن عاصم رجلًا سيئًا قط على أي حال، بل كان في نظري، واحدًا من قلةٍ نادرة من أرباب العمل الذين يعرفون أن الموظف ليس آلةً صماء، وأن له قلبًا وجسدًا يحتاجان إلى الرعاية والراحة.غير أنه لم يكن كثير الابتسام، وكان دائمًا يحتفظ بمظهره الوقور.إلى أن أتى أحد الأيام، رأيته بعينيّ يعنف أحد الموظفين في مكتبه تعنيفًا شديدًا.فقلت في نفسي، لا بد أن ذلك الموظف ارتكبَ خطأً جسيمًا.ومضت الأيام، وأصبحت من الركائز الأساسية في الشركة، قادرةً على تحمل المسؤوليات الكبرى وحدي.وأخذت مسيرتي المهنية تزدهر يومًا بعد يوم، حتى غدوت من أبرز الكفاءات، وانشغلت بنجاحي عن كل ما مضى، ولم يعد اسم عامر يخطر ببالي.وكأن تلك الحقبة المظلمة لم تكن يومًا فصلًا من حياتي.إلى أن...أتى أحد الأيام، لا أدري من أين حصل على أخباري، لكنه استطاع أن يصل إلى مقر الشركة.وما إن رآني حتى أسرع نحوي وهو يقول:"جميلة، أين كنتِ طوال هذه السنوات الثلاث؟ لقد بحثت عنكِ في كل مكان".ثم تابع على عجل:"لقد تغيرت وطردت لاميس من حياتي، إن أمي تشتاق إليكِ كثيرًا.عودي معي، ولنبدأ من جديد، أرجوكِ".ولأن المشهد كان غريبًا، ولم يعتده الموظفون

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 5

    "ماذا...؟"تجمد عامر في مكانه، وكأن الصاعقة قد هوت على رأسه،وحدّق بي في ذهولٍ تامٍ، يكاد لا يصدق ما سمع.ثم قال بصوتٍ مرتجف:"جميلة، إنكِ تكذبين عليّ، أليس كذلك؟إن طفلنا لا يزال بخير، أليس كذلك؟"وأسرع نحوي يريد أن يمسك بيدي، كأنه يتشبث بجواب يُطمئن قلبه.لكنني تراجعت خطوة إلى الوراء بحسم، وقلت في هدوءٍ دون اضطراب:"لا، لم أكذب عليك، كان عليك أن تدرك أنه منذ اللحظة التي سمحت بوجود امرأةٍ أخرى إلى جانبك، كنت تكتب نهاية ما بيننا".ولمّا سمعت لاميس كلامي، لمعت في عينيها فرحة لم تستطع إخفاءها.فلم يعد للطفل أي وجود، ولم يعد ثمة من يحول بينها وبين الزواج من عامر.ولم أعد أرغب في إضاعة لحظة أخرى مع هذين الاثنين، فاستدرت وهممت بالمغادرة.لكن عامر اعترضني فجأة وأمسك بذراعي من الخلف، وكانت عيناه محمرتين، كأنه يكابد غضبًا يكاد ينفجر.وقال بصوتٍ مكتوم:"جميلة، ألا زلتِ تظنين هذا العبث ممتعًا؟ أتظنين أنكِ ستجعلينني أشفق عليكِ إذا ادعيتِ الإجهاض؟"ثم قال بلهجةٍ قاطعة:"لن تغادري من هنا قبل أن تعتذري إلى لاميس".ابتسمت بسخرية.يا للروعة! ما أشد غيرته عليها وما أعظم حرصه على حمايتها!فأخرجت ورقة

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 4

    بدا الذهول جليًّا على وجه عامر؛ إذ أدرك لأول مرة أنه لم يعد قادرًا على تحريك مشاعري كما كان يفعل من قبل.ودبّ القلق في نفسه، فأدارني إليه بعنف، ثم انقضّ عليّ يقبّلني في جنون.فدفعته بكل ما أوتيت من قوة، وقلت ببرودٍ واحتقارٍ:" عامر، أما شبعت لتوِّك من لاميس؟ أم بقي في نفسك متسع لتأتي فتتودد إليّ بعد ذلك؟ إنك تثير اشمئزازي حقًا".فلما فضحتُ تمثيليته الواهية، انفجر غضبًا وصاح:"لقد تنازلت وحاولت استرضاءكِ، فلا تكوني جاحدة!"ثم أردف بلهجة الآمر: "إنكِ زوجتي، ومن واجبكِ أن تؤدي ما تؤديه الزوجة لزوجها!"وارتمى بجسده فوقي فجأة، ومزق ثيابي بقوة دون رحمة.وفي تلك اللحظة، اجتاح أسفل بطني ألمٌ يمزق الأحشاء.قاومته بكل ما بقي لي من قوة، لكنه ردّ مقاومتي بصفعةٍ عنيفة أطاحت برأسي.غير أن الألم الذي اشتعل في وجهي لم يكن شيئًا يُذكر إلى جانب العذاب الذي كان يمزق أسفل بطني.أخذت أرتجف من شدة الألم، وانكمش جسدي كله.وحين رآني أغرق في عرقٍ بارد من فرط الألم، عاد إليه وعيه شيئًا فشيئًا.وانقلب وجهه؛ وتبدلت ملامحه مرة بعد أخرى،ثم آثر الصمت، وأدار ظهره لي، وغادر المنزل.وقضيت الليل كله وحيدةً، أتجرع ال

  • لا عاصفة ولا صفاء   الفصل 3

    لو أنني ذهبت إليه أُخاصمه وأُثير معه الضجة، لوجد في ذلك ذريعةً يتسلّق بها إلى مصالحتـي واسترضائي.وحينها كان سيمضي كل شيء وكأنه لم يحدث.لكنني الآن، وقد أحاطتني الشائعات من كل صوب، لم أشعر في أعماقي بأي اضطراب، ولا اهتزّ في نفسي خاطر.جلست في صمت أكتب طلب استقالتي.فبسبب الإجازة التي اضطررت إلى أخذها هذه المرة، حُرم جميع زملائي في القسم من عطلتهم، وتأثّروا بسببي.وكان مديري في الأصل يضمر لي شيئًا من السخط وعدم الرضا، فلما وضعت استقالتي بين يديه وقّع عليها دون تردد، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة.وبعد أن أنهيت جميع إجراءات المغادرة، رتّبت أغراضي، واستعددت لمغادرة الشركة نهائيًا.وصلت إلى باب الخروج، لكنني سمعت موظفة الاستقبال تتحدث بحماس بالغ مع أهلها عبر الهاتف:"بعد غدٍ سيقيم الرئيس عامر حفلة عيد ميلاد للمذيعة لاميس، وقد منح جميع موظفي الشركة إجازة!"توقفت خطواتي فجأة، كأن قوة خفية شدّتني من موضعي.فذلك اليوم... كان موعد زفافنا الذي اتفقنا عليه منذ البداية.وحين أقبل الليل، وتمددت لتوي على فراشي أستعد للنوم، عاد عامر.كانت رائحة الخمر تفوح من جسده كله، وبين ذراعيه امرأة ترتدي ثيابًا

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status