المبحث الأول: نسائم الصباح وأصداء القيامة في الزوايا العتيقةلم تكن رائحة الدخان الدفينة، الناجمة عن محاولات التخريب الحاقدة التي تعرضت لها الورشة في الأسابيع الماضية، قد غادرت جدران التراب والحجر كلياً؛ لكنها تلشت وتوارت هذا الصباح أمام انفجار زكي لروائح جديدة تفيض بالبعث والأمل. كانت الورشة تتنفس عبق خشب الأرز الأطلسي المعطر بالزيوت النباتية المستخلصة، وتفوح برائحة الطلاء المغربي التقليدي المجهز يدوياً من الشمع والصمغ العربي، إلى جانب طبقات كثيفة من نشارة الخشب الطازجة التي غطت أرضية القاعة العريضة كأنها رقاقات براقة من الذهب الناعم تلمع تحت أشعة الشمس.وقف "آسر" عند عتبة الباب الخشبي الضخم ذي القوس الأندلسي، يفرك بكفيه اللتين امتزجت فيهما بقايا غبار الحك الخفيف بآثار الزيت المعطر. كانت نظراته تتنقل في ارتياب لذيذ وبصيرة ملؤها التأثر بين الزوايا التي عادت إليها الحياة ببطء؛ فالجدران الطينية المرممة استعادت نضارتها وتماسكها بعد سنوات الهوان والترقب، والرفوف العالية الممتدة على طول الحوائط العتيقة لم تعد مهجورة تنبت فيها غبار السنين، بل أصبحت تحضن أجزاء الآلات الأثرية والأخشاب النادرة
Dernière mise à jour : 2026-09-24 Read More