كان المطر ينسكب على زجاج المقهى القديم كأنه أنامل تائهة تبحث عن مأوى دافئ يقيها قسوة البرد المتسلل عبر الفجوات، فيما كانت رائحة القهوة المحمصة المخلوطة بعبير الأوراق الأثرية تُضفي على المكان سحراً شاعرياً يبعث في النفس السكينة والهدوء. كانت جود تجلس في زاويتها المفضلة بجوار النافذة الخشبية العريضة، محاطة بأوراق عتيقة تعود لمطلع القرن الماضي، تنظر بعينين يملؤهما الشغف والحيرة إلى شفرة غامضة لم تتمكن من فك رموزها بعد رغم ساعات البحث الطويلة والجهد المتواصل. كانت تشعر بأن حياتها تسير في خط متكافئ وهادئ، لا شائبة فيه ولا اندفاع، حيث تمضي أيامها بين ترميم اللوحات وقراءة الحكايات المنسية، مستمتعة بهذا الهدوء الذي ظنته كافياً لملء أيّامها وسد فراغ روحها التائهة. لكنها لم تكن تعلم، في قرارة نفسها، أن هذه الليلة بالذات ستكون الحد الفاصل بين عالمها الآمن البارد، وعالم آخر يشتعل بالشغف والغموض والخطر الذي لا يرحم.توقف الزمن لثوانٍ عندما انساب صوت كمان رائع من الطابق العلوي للمقهى، يتردد بأذانٍ ساحرة تخرق الصمت المخيم على المكان. لم يكن مجرد عزف عابر أو ألحان كلاسيكية مكررة تُعزف لقتل الوقت، بل
Última actualización : 2026-08-31 Leer más