ظلّ المطر يهطل بعد انطفاء الباب، لكنّه لم يعد مطر المطاردة والخوف. صار ناعمًا، كأنّ السماء تغسل عن البيت آخر رماد الحريق القديم. تحت البرتقالة العمياء وقفت مريم النادر بين آدم وليان، ووجهها شاحب كصفحة خرجت لتوّها من بين قرون الغبار. لم تكن العودة كاملة في الجسد بعد؛ كانت خطواتها مترددة، وأنفاسها قصيرة، وعيناها تحملان اتساع من عبر زمنًا لا تتحرك فيه الساعات. قادها آدم إلى داخل البيت. لم يقل الكثير؛ الكلمات التي ظل يبحث عنها تسعة عشر عامًا صارت صغيرة أمام ثقل يدها في يده. في البهو، حيث كانت المرآة المكسورة تشهد على الفقد، عاد الزجاج يلمع ببطء. لم تلتئم الشقوق كلها، لكنها صارت أقل ظلمة، كأنّ الذاكرة قبلت أن تبقى فيها ندوب، شرط ألا تتحول الندوب إلى أكاذيب. جلست مريم قرب النافذة المطلة على الحديقة. وضعت ليان فوق كتفيها معطفًا جافًا وجدته في خزانة قديمة، بينما أشعل آدم مصباح الزيت الذي كان أبوه يحبه. حين ارتفع الضوء الأصفر، بدت ملامح مريم أكثر إنسانية وأقل انتماءً إلى الغياب. مدت يدها إلى الطاولة، فلامست الخشب بحذر شديد، ثم أغمضت عينيها. قالت بصوت خافت: “الأشياء التي تنتظر طويلًا لا تنسى ا
Last Updated : 2026-09-14 Read more