تثاقلت خطوات يوسف على أرصفة ميناء الإسكندرية القديم، بينما كانت رذاذات الأمواج المالحة تداعب وجهه الباهت وتحمل معها روائح الصدأ الممزوجة بعبق تاريخ طويل من الأسرار والنسيان. لم تكن هذه الليلة تشبه أي ليلة أخرى قضاها في تمشيط الشواطئ بحثاً عن آثار والده الغائب، بل كانت ليلة حافلة ببرودة طقس نوفمبر القارس الذي يغرس أنيابه في الأعماق. كان يحمل بيده اليمنى فانوساً نحاسياً قديماً يرسل ضوءاً أصفر باهتاً يصارع الظلمة الحالكة، بينما كانت يده اليسرى تتحسس بانتظام غريب زجاجة بلاستيكية شفافة عثر عليها مدفونة تحت طبقات الرمال الرطبة قبل دقائق معدودة. بدا الداخل مظلماً للوهلة الأولى، لكن انعكاس ضوء الفانوس كشف عن ورقة صفراء مطوية بعناية فائقة، تحمل خطاً عربياً عتيقاً ومكتوباً بحبر أسود لم يمحُ الزمن ملامحه الحادة. وقف يوسف أمام المستودع رقم سبعة، ذلك البناء الضخم المهجور الذي هجرته المراكب منذ عقود طويلة، وتوقف ليلتقط أنفاسه المتسارعة قبل أن يفض تلك الرسالة التي غيّرت مجرى حياته الهادئة إلى الأبد.فتح الزجاجة بحذر شديد، مستخرجاً الورقة التي فاحت منها رائحة العفن الممزوجة بعطر قديم مجهول. طالع الك
Last Updated : 2026-09-14 Read more