لم أرد على زياد في تلك الليلة. طلب مني هاني أن أترك الرسالة تنام ساعتين، فالخائفة الحقيقية لا تجيب فورًا، بل تقلّب الهاتف في يدها وتكتب ثم تمحو.جلستُ في غرفة صغيرة ملحقة بمكتبه، أمام كوب شاي لم أشربه. رأيتُ في زجاج النافذة وجهًا شاحبًا يشبه وجهي، وتحته يدان تعبثان بحافة الوشاح. كنتُ أعيد ترتيب الذكريات كما يُعاد ترتيب أثاثٍ اتضح أنه مسروق: ملزمة المحاضرة الأولى التي ناولني إياها زياد بابتسامة، وسؤاله عن أبي حين رآني أبكي في الاستراحة، وجملته المرحة: «الوحدة تُتعِب أكثر من الدراسة». كان يعرف أي وترٍ يلمس، لأنه هو من كتب أنني أحمل ذلك الوتر.كان مكتب هاني يعبق برائحة القهوة القديمة والورق. على الجدار خريطة للمدينة تتناثر عليها دبابيس ملونة، وكل دبوس فتاة لا أعرفها ولا تعرفني. تأملتُها طويلًا، وسألتُ نفسي كم منها يحمل اسمًا مثل اسمي، وكم منها ما زال يُخفي الأمر عن أمه.— هل تستطيعين أن تفعليها؟ سألني هاني.— أستطيع.— لا تكوني شجاعة أكثر مما يلزم. المطلوب خوف عادي، ثقيل، بلا بطولة.كتبتُ بأصابع باردة: «أنا في البيت. أمي نائمة. لا أعرف لماذا تسأل، لكن الشرطة كانت هناك فعلًا. حقّقوا مع ال
Última atualização : 2026-09-30 Ler mais