All Chapters of تاج من نار: Chapter 11 - Chapter 20

20 Chapters

الفصل الحادي عشر: ثمن الفرار

بلغ الموكب آشور بعد أربعة أيامٍ ثقيلة، ولم تُقرع الطبول هذه المرة ولا نُثرت الورود. سارت زمرد على جوادٍ مشدود اللجام إلى جانب جواد الملك، وفي معصميها حبلٌ رفيع من الكتان لا يجرح الجلد لكنه يجرح الكبرياء. أدارت وجهها نحو الأفق كي لا ترى نظرات الجنود، وحاولت أن تستحضر وجه أبيها بدل وجه أيهم الدامي، فلم تفلح في أيٍّ منهما.ووقف على جانبي الطريق أهل آشور يتفرجون: تجّارٌ يتهامسون، وأمهاتٌ يرفعن أطفالهن لرؤية الأميرة الأسيرة، وصبيّةٌ يصفرون ويلوّحون بأغصانٍ جافة. أحسّت بكل نظرةٍ كأنها ملحٌ يُذَرّ على جرح، لكنها رفعت ذقنها رغم الحبل، لأن أمها علّمتها أن الكبرياء هو الثوب الأخير الذي لا يُنتزع.ما إن دخلوا الباحة الكبرى حتى استدعى فهد رجال القصر. وقف على أعلى الدرج وقال بصوتٍ يتردد بين الأعمدة: «اسمعوا حكمي. الخادمة نهى تُنفى إلى بيوت النسج في كالح، فتغزل الصوف حتى يبيضّ شعرها. والعجوز شمخة تبقى في خدمة القصر، لأن شيخوختها لا تحتمل السفر. أما الحارس أيهم فيلزم ثكنته إلى أن يلتئم ظهره، ولا يقترب منه أحد.»اندفعت زمرد نحوه حتى جذبها الحرس من ذراعيها: «نهى لم تفعل سوى ما أمرتُها به! عاقبني أنا!»
last updateLast Updated : 2026-10-23
Read more

الفصل الثاني: ثمن السلام

جلس الملك فهد على عرش ماري كأنه وُلد عليه، وساق إليه جنوده الأسرى والقادة صفًّا بعد صف. أما السلطان فقد أُجلس على مقعدٍ خشبي متواضع، وجُرّد من سيفه ومن تاجه، فبدا في ثوبه الملطخ رجلًا هرمًا لا ملكًا.قال فهد وهو يعبث بخاتمٍ ثقيل في إصبعه: «لدي عرضٌ واحد، يا سلطان، وأنصحك بألا تنفعل قبل أن تسمعه. أستطيع أن أحرق ماري عن بكرة أبيها، وأن أبيع نساءها في أسواق نينوى. وأستطيع أيضًا أن أرحل غدًا بجيشي وأترك لك عرشك.»رفع السلطان عينيه المتعبتين: «وما ثمن الخيار الثاني؟»«رابطة نسب.» نطقها فهد ببساطة من يطلب كأس ماء. «أريد ابنتك زوجةً لي. إن ربطتني بك صلة الدم فلن تجرؤ على التمرد، ولن أُضطر إلى غزو أرضك كل عامين.»تجمّد الهواء في القاعة. سمعت زمرد صوت قلبها يضرب أضلاعها كطبل حربٍ، وشعرت بالأرض تميد تحتها. صاحت: «أبي! لا تجب!»نظر إليها السلطان نظرةً طويلة امتزج فيها الحبُّ بالخجل بالفزع، ثم أغمض عينيه وقال: «أمهلني حتى الفجر.»«لك الليلة.» نهض فهد وهو يضحك. «ولكن لا تُطل التفكير. صبري ينفد قبل نبيذي.»حين خلت القاعة إلا من الأب وابنته وحارسها الواقف عند الباب، انفجرت زمرد: «أتُسلمني إلى ذلك ال
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل الثالث عشر: تحت أشجار الرمان

كانت حديقة الرمان تقع في الطرف الشرقي من القصر، تحيط بها جدرانٌ منخفضة وتتوسطها بركةٌ يتحدّر إليها خريرُ ماءٍ رقيق. تسللت زمرد بين الأشجار وعباءتها السوداء تلتصق بذراعيها من فرط الرطوبة، وقلبها يخفق بإيقاعٍ مضطرب. عند حافة البركة جلس رجلٌ بدين يلفّ نفسه بمعطف، وحين سمع وقع قدميها نهض وقال بهمسٍ حذر: «ظننتُكِ لن تأتي.»«وأنا ظننتُك لن تفهم.» جلست قبالته على حجرٍ مسطح. «أيها السفير، سأوفّر عليك الكلام: أنا أسيرة لا ملكة. زوجي يعاملني كمتاعٍ يزيّن مجلسه، وأريد أن أعود إلى أبي.»مسح السفير لحيته الأنيقة وتنهّد: «أعرف ما يجري يا مولاتي. الكل في الجنوب يعرف أن فهدًا ابتلع ماري كما تبتلع الأفعى فأرًا. لكنّ بابل ليست في موضع يسمح لها بإغضاب آشور. جيوشنا مبعثرة، وملكنا يخشى أن يسقط عرشه قبل أن يجفّ حبر معاهدتنا.»«إذن لماذا جئتَ؟» «لأنني تلميذٌ سابق في معبد شمش، ولأنني أدين لكهنتكم بأكثر مما أدين لملكي. أستطيع أن أحمل رسالتك إلى أبيك وأسلّمها بيدي. هذا كل ما في وسعي.» لمحت في عينيه صدقًا، أو ما ظنّته صدقًا.ساومته على نسخةٍ ثانية من الرسالة فرفض: «واحدةٌ فقط، فالطرق كثيرة العيون.» ثم سألها عن
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل الرابع عشر: خبز في الظلام

كان المطبخ الملكي عالمًا قائمًا بذاته: قاعةٌ هائلة سقفها مسودّ من الدخان، تتوزعها المواقد وأحواض الماء وأكوام الخضار، وتعلو فيها أصوات المقالي والصراخ والضحك الخشن. كانت زمرد تدخله أول مرةٍ خادمة، وقد غمرتها رائحة البصل المقلي والشحم، فأحسّت بمعدتها تنقبض وبكبريائها يُسحق تحت أقدام الطباخين.استقبلتها رئيسة الطباخين، امرأةٌ ضخمة تُدعى أم تمام، بذراعين مفتولتين كذراعي حدّاد وعينين صغيرتين تلمعان بدهاء. قالت وهي تتفحصها من رأسها إلى قدميها: «هذه إذن الأميرة التي جاءت تتعلم غسل الأطباق.» ثم مدّت إليها حوضًا ضخمًا من الأواني: «ابدئي. وما يتكسّر يُخصم من خبزك.»قضت ليلتها الأولى على حصيرةٍ في عنبر الخدم، بين عشرين امرأةً يشخرن ويتقلّبن، تفوح من الجدران رائحة الحطب المبلّل والعرق القديم. افتقدت سريرها الحريري وستائره، ثم ابتسمت بسخرية حين اكتشفت أنها لا تفتقد الحرير بقدر ما تفتقد أن يكون لها اسمٌ ينطق به الناس بلا خوف.مرّت الأسابيع الأولى كأنها سلسلة من الجروح الصغيرة. تشقّقت كفّاها من الماء الساخن والرماد، وتورّمت قدماها من الوقوف، وتعلّمت أن تكتم أنينها حين يسقط عليها إبريقٌ أو تصفعها يد
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل الخامس عشر: جرّة الزيت

جاءت القافلة من ماري في الأسبوع الرابع من خدمتها في المطبخ. كانت تحمل جرارًا من زيت الزيتون وأقفاصًا من الدجاج، يقودها تاجرٌ نحيل يُدعى حمدون، عرفته زمرد من الوهلة الأولى: كان يزوّد قصر أبيها بالزيت منذ أن كانت طفلة، وطالما ناولها قطعة حلوى من سلّته.كان حمدون شيخًا هرِمًا حين رأته آخر مرة، أما اليوم فبدا أنحل وأصغر حجمًا، وقد غارت عيناه من السهر والخوف. وضع كيسًا من الحبوب على كتفه وسار ببطءٍ يتظاهر بالعرج، ولم يكفّ عن إلقاء نظراتٍ خاطفة نحو مداخل الباحة كأنه يعدّ العيون التي تراقبه.حين التقت عيناه بعينيها وهي تفرغ جرةً في الوعاء، توقف قلبها. لم يُظهر شيئًا، لكنه مال فوق الجرة التالية وقال بصوتٍ جافّ كأنه يتحدث عن الزيت: «الجرة الثالثة صافيةٌ جدًا يا بنت الخادمات، فاحتفظي بغطائها لنفسك.»وبينما كانت القافلة تفرغ حمولتها، مرّ ماهر بين الجرار يتفقد. رفع غطاء جرتين وأمر الجنود بشمّ الزيت، ثم وصل إلى الجرة الثالثة. شعرت زمرد أن الدم يتجمد في عروقها وهي تحمل الصحن بيدين ثابتتين ظاهريًّا. مدّ ماهر يده إلى الغطاء، فناداه جندي من الباب: «الملك يريدك فورًا!» تردّد لحظة ثم انصرف، وتنفست هي كم
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل السادس عشر: الأسد

اشتعلت عند الفجر مشاعل الموكب الملكي المتجه نحو جبال زاغروس للصيد، وكان في صفوفه ستون فارسًا وعشرات الخدم والكلاب والصقارين. حُملت زمرد مع الخدم على عربة المؤن، تلفّ كتفيها بعباءةٍ بالية، وقد أمر فهد أن تقوم بخدمته في خيمته كما تُخدم الأمراء في المعسكرات.لم تخفِ عن نفسها فرحتها المكتومة بالخروج. فالمعسكر في الجبال لا أسوار فيه، والخيام تُنصب على سفوحٍ مكشوفة، وحرّاسه يغفون على ضوء النار. همست لأيهم في الطريق، وقد ركب بجوار العربة بأمر الملك: «هنا. الليلة الثالثة. حين ينشغلون بوليمة الصيد.» لم يردّ بكلمة، لكن قبضته على اللجام اشتدّت.أخذت تدرس الوجوه من حولها: أحد الحرّاس يتثاءب كلما أُطفئت المشاعل، وآخر يغيب عن نوبته ليشرب مع الصقارين. وفي الليلة الأولى انسلّت إلى حافة المعسكر تتفقد الطريق، فتلمّست جذوع الأشجار وصخور الوادي، وقدّرت المسافة إلى أقرب قريةٍ بليلة كاملة سيرًا. كانت تحفظ الأرض كما تحفظ عظامها.نُصبت الخيام عند سفحٍ مشرف على وادٍ ضيق تكسوه الغابات الكثيفة، ويجري في قاعه جدولٌ يلمع كشريطٍ من الفضة بين الصخور. كانت الرياح هناك باردة تحمل رائحة الصنوبر والتراب الندي، فاستنشقت
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل السابع عشر: ما لا يُقال

بعد عودة الموكب إلى آشور بأسبوعين تماثل أيهم للشفاء، وأقام الملك احتفالًا كبيرًا في القاعة الكبرى لتكريم من أنقذه. اصطفّ النبلاء والقادة تحت المشاعل، ووقفت زمرد في الصف الخلفي بين الخدم تحمل إبريقها، وعيناها تتتبعان الفارس الذي ارتدى لأول مرة درعًا مذهّبًا ومعطفًا أزرق. بدا في هذا الثوب غريبًا عنها، كأنما صارت بينهما مسافةٌ من حرير.قال فهد وهو يرفع كأسه: «أيها الأشراف! هذا الرجل وضع جسده بيني وبين مخالب الموت. بأمري يصير قائد حرس السيف، ويقيم في الجناح الملاصق لجناحي، وينال أجر ثلاثة قادة.» دوّى التصفيق وعلت الهتافات، أما ماهر، الواقف عند العمود، فزمّ شفتيه كمن ابتلع عودًا مرًّا وحدّق في الأرض.وبعد التصفيق تقدّم الأمراء واحدًا واحدًا لتهنئة أيهم، وانحنى بعضهم له انحناءةً متملقة كانوا يحتفظون بها للأقوياء. لاحظت زمرد أنه يتلقى كل ذلك بنظرةٍ جامدة، وعينين تبحثان عن زاويةٍ يختبئ فيها من الضجيج. كان رجلًا لا يعرف كيف يتقبل مجدًا لا يرى فيه إلا قيدًا جديدًا.ثم أضاف الملك بنبرة من يمزح وهو لا يمزح: «ولا يليق بقائدٍ مثله أن يعيش وحيدًا. سأزوّجه ريمة، ابنة وزيري حزقيل.» التفتت الرؤوس إلى ف
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل الثامن عشر: مهلة الملك

لم تدم عزلتها في المطبخ أكثر مما أراد فهد لها. في مساء اليوم التالي، استدعاها ماهر وأمرها بغسل وجهها وارتداء ثوبٍ نظيف. حين دخلت القاعة الكبرى وجدتها مكتظة بالأعيان، وقد جلس الملك على عرشه بثيابه الرسمية، يرفع كأسه ويبتسم ابتسامةً لم تعجبها.سألها ماهر وهما يعبران الباحة: «هل تعلمين لماذا هذه المفاجأة؟» لم تجب. ابتسم بخبث: «لأن الملك لا يحب أن يقتسم متاعه مع الخدم، حتى لو كانوا من خدم قلبه.» ثم انحنى انحناءةً ساخرة، وتركها تفسّر الجملة كما تشاء، فقد كان يدرك أن الألغاز أحدّ من الصراحة.«أيها الأشراف! لقد صبرتُ على زوجتي شهورًا، وعلّمتها ما يليق بالعرش. وها هي تعود اليوم إلى جناحها.» ثم أضاف ببطء ليتذوق وقع كلماته: «وعند اكتمال القمر بعد ثلاثة أسابيع نُتمّ زواجنا أمام الآلهة، فتحمل وريثي قبل أن يموت أبوها.» دوّى هتاف النبلاء، وتجمدت زمرد في مكانها كأن ماءً جليديًّا صُبّ على رأسها.ومرّ في ذهنها ما كتبه حمدان: «أعطيني علامةً وأخرجك»؛ ثم تحسّرت، فهي لا تملك علامةً ولا مخرجًا. رأت وجوه الأمراء من حولها: بعضهم يصفّق بحماسةٍ حقيقية، وبعضهم يتصنّع الابتسام مخافة الملك، وبعضهم يتجنب نظرتها بخ
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل التاسع عشر: الباب المائي

في اليوم السادس من المهلة وصلها الأمل بصورة جرّةٍ أخرى. كانت شمخة هي التي تسلمت من حمدون دلو الزيت الصغير المخصص لمصابيح القصر، وفي قاعه رقاقةٌ مغلّفة بالشمع. قرأتها زمرد على ضوء شمعةٍ واحدة: «ليلة الهلال الرقيق. الباب المائي عند ضفة دجلة. أربعون رجلًا في قوارب الصيد. حمدان.»وكان ذلك أول يومٍ منذ أسابيع تنام فيه بلا كوابيس؛ فقد أحسّت أن قراراتها تعود إليها بعد أن أفلتت منها طويلًا. ومع ذلك لم تفارقها فكرةٌ مزعجة: إن كان الأمل قد عاد، فما أرخص أن يُسحق مرةً أخرى تحت قدمٍ تعرف طريقه.ترددت زمرد. لم يغب عن بالها ما قاله القائد عن «الأصعب»، لكنها رأت في هذا العرض فرصةً أخيرة لتنجو دون دم. همست عبر شقّ الباب لأيهم، الذي سمع كل كلمة وهو ممسكٌ بسيفه: «لدينا ليلتان لنتحضّر. أنت قائد الحرس، فهل تستطيع أن تفتح الباب؟»كانت الليالي الفاصلة بين الرسالة والموعد ثقيلةً كالأرض المبتلة. حاول أيهم أن يقيس الأوقات: الحرس يتبدل بعد الجرس الثالث، والرجلان اللذان وعد بوضعهما عند الباب المائي ينتميان إلى فرقته القديمة التي قاتلت معه في ماري. زار الباب نهارًا بحجة تفقّد الحراس، وفحص قفله وحجارة ممرّه، ورسم
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more

الفصل العشرون: على سطح القصر

لم تكلّم زمرد أحدًا ثلاثة أيام. جلست في جناحها تحدّق في الفراغ، تتناول ما يُدفع إليها من طعام كأنه ترابٌ في فمها. حين كانت شمخة تحاول مواساتها، كانت تهزّ رأسها دون أن تلتفت، وتغمغم بجملةٍ واحدة لا تفهمها العجوز: «لقد أُغلقت كل الأبواب.»كانت الأيام تتشابه أمامها كحبات مسبحةٍ ثقيلة. حلمت بحمدان يبتسم لها وهو يقول: «الزمرد لا يتعفن في الماء»، وبأبيها يناديها من وراء ستارٍ من الدخان فلا تصل إليه. وفي كل صباحٍ كانت تستيقظ على عطشٍ غريب لا يرويه الماء، عطشٍ إلى عدلٍ لا تراه في هذا القصر ولا في سماء الآلهة.في الليلة الرابعة، عند منتصفها، سمعت نقرةً خفيفة على الباب. فتحت شمخة بإيماءةٍ خاطفة، وظهر أيهم على العتبة، متعبًا شاحبًا، وبيده عباءة. قال بخفوت: «غيّري ثوبك. أريدك أن تأتي معي.» «إلى أين؟» «لا أعرف مكانًا أفضل لحديثٍ كهذا من السماء.»صعدا درجًا حلزونيًّا ضيقًا يفضي إلى سطح البرج الغربي، حيث لا يسمعهما أحد إلا الريح. كان القمر نصف مكتمل يتدلى فوق دجلة كفضةٍ مثلومة، وتحتهما المدينة نائمة، تتناثر فيها أضواء المشاعل الصغيرة. جلست زمرد على حافة الجدار وضمّت العباءة حولها، وجلس هو على بعد خط
last updateLast Updated : 2026-10-24
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status