وقفت زمرد فوق السور الشرقي لمدينة «ماري»، والريح تعبث بطرف وشاحها الأخضر، وعيناها معلّقتان بالأفق الذي اسودّ فجأة. لم يكن غيمًا ذلك الذي يزحف نحو المدينة، بل غبارُ آلاف الحوافر وهي تدكّ الأرض على ضفاف الفرات.قال أيهم، وقد وقف خلفها بخطوتين كعادته: «يا مولاتي، الأفضل أن تنزلي إلى القصر. السهام لا تعرف الأميرات.»التفتت إليه بحدّة: «وأبي؟ أيعرف الملك أن يختبئ؟ سأبقى حتى أرى ما يصنعه رجالنا.»لم يجادلها. كان في الثالثة والعشرين، عريض المنكبين، في وجهه سمرةُ من أطال الوقوف تحت الشمس، وفي عينيه رزانةٌ لا تناسب سنّه. أحنى رأسه قليلًا وتقدّم ليسدّ بجسده جهة الرماة.من علوّ السور بدت ماري كما عرفتها منذ طفولتها: بيوتٌ طينية متلاصقة تنحدر نحو النهر، ومعبدٌ ذو مدرجاتٍ يلمع في الشمس، وسوقٌ تعلو منه أصوات الباعة قبل أن يخرسهم الذعر. وعلى مقربةٍ منها كان الرماة يشدّون أوتار أقواسهم بأصابع ترتعش، وفتىً لا يتجاوز الخامسة عشرة يمسح العرق عن جبينه ويحاول أن يبتسم لرفيقه. سمعت قائدًا يصيح بالرجال أن يثبتوا في أماكنهم، لكنّ صوته بدا واهنًا. وتذكّرت أن أباها وعد هؤلاء الصبية بأن الجدران العالية ستحميهم،
Last Updated : 2026-10-17 Read more