Home / الآخر / حين نفد المال / Chapter 11 - Chapter 20

All Chapters of حين نفد المال: Chapter 11 - Chapter 20

20 Chapters

صوت بلا مقعد

في العاشرة من صباح اليوم التالي، دخل سليم قاعة الاجتماعات بقميص لم يغيّره منذ المستشفى، وعينين محمرّتين من سهر لم يعرف له اسمًا. كان الكرسي الذي يتصدّر الطاولة قد شغله الدكتور كمال، أما المقعد الجلدي المخصّص للوريث فقد سُحب إلى طرف القاعة، كأن أحدًا قرّر أن صاحبه لن يعود.قبل أن يجلس، اعترضته هالة النجّار عند طرف القاعة، وفي يدها مجلّد ثقيل. بدت أنحل مما رآها آخر مرة، وقد التصق الغبار بحذائها.— وصلتُ من الموقع للتو. أوقفتُ العمل، وأمّنتُ الحفرة حتى لا يسقط فيها أحد. والعمال يسألون عنك كل يوم.— عني؟ ظننتُ أنهم يلعنونني.— يفعلون الاثنين، قالت دون ابتسام. لكن عم شحاتة يقول إن من يسأل عنهم لم يهرب بعد.افتتح العجوز الجلسة وهو يقلّب أوراقه بأصابع لا ترتجف:— نبدأ بحالة الأستاذ فؤاد. أفاد الأطباء بأنه خرج من الخطر المباشر، لكنه ممنوع من العمل ستة أشهر على الأقل. وعليه، أتقدّم باقتراح تعييني رئيسًا مؤقتًا للمجلس حتى عودته.رفع أعضاء الطاولة أيديهم واحدًا تلو الآخر. أبقت منى الرفاعي يدها على الطاولة لحظة، ثم رفعتها.— بشرط، قالت. أن يظل الأستاذ جلال مشرفًا على كل صرف يتجاوز مليونًا.— مقبو
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

وليمة الغرباء

قضى سليم ليلته في الجناح الفندقي يحدّق في سقف لا يتغير. وفي الصباح، جمع ما بقي له من كبرياء، وأمسك الهاتف ليدعو أصدقاءه إلى غداء في مطعم الفندق. لم يكن يريد وليمة؛ كان يريد دليلًا، كمن يلمس جدارًا في الظلام ليتأكد أنه ما زال هناك.حضر منهم تسعة. تبادلوا العناق، وعلت الضحكات، وطلب الجميع أغلى الأطباق دون أن يلتفتوا إلى قائمة الأسعار. جلس سليم في صدر المائدة يتصنّع الحماسة، ويسمع النكات القديمة ذاتها، وقد لاحظ لأول مرة كم تتكرر. كانوا يضحكون في المواضع نفسها كدمى مبرمجة، ولا أحد يسأله كيف نام، ولا أين.— الجرأة يا رجل! قال حاتم، أقدم أصدقائه، وهو يقطّع شريحة لحم. أن تنسحب من البيت وحدك! كنت أتمنى لو فعلتها قبلك.— وماذا ستفعل الآن؟ سأل آخر.— سأبدأ مشروعًا، قال سليم. لكنني أحتاج إلى سيولة مؤقتة. ثلاثون ألفًا، ربما أقل، أردّها بعد شهر.مرّ صمت أقصر من نَفَس. توقف حاتم عن المضغ، وانشغل آخر بقراءة رسالة لا وجود لها، وتنحنح ثالث وهو يعدّل ربطة عنقه.— آه، يا سليم... أنت تعرف الأمور عندي ضيقة هذه الأيام. البنك، والقسط، وزوجتي حامل...— أنت لست متزوجًا يا حاتم.— أعني... خطيبتي. المهم، ظروف.
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

غرفة السطح

صعد سليم الدرج الضيق وراء الحاج رمضان، مالك العمارة، وهو يجرّ حقيبته على بلاط مشروخ. كان الرجل بدينًا ضاحك العينين، يُصدر لهاثًا مع كل درجة ويشرح بمفتاح يرنّ في يده:— غرفة نظيفة يا أستاذ، والماء متوفر الصباح، والكهرباء عندنا بالعدّاد. ألفان ومئتان في الشهر، وشهران مقدّمًا.— وأين المكيّف؟انفجر الحاج ضاحكًا، حتى اهتزّ كرشه:— المكيّف؟ عندنا مروحة، وعندنا هواء السطح، وهو أبرد من أي مكيّف في الليل.— والجيران؟ سأل سليم.— ناس طيبون، لكن ألسنتهم طويلة. إن سألوك عن اسمك فقل ما تشاء، المهم أن يصلني الإيجار أول الشهر.كانت الغرفة أربعة أمتار في ثلاثة، بسرير حديدي ونافذة تطلّ على خزانات ماء وأطباق استقبال. في ركنها خزانة خشبية بابها مائل، وفي الركن الآخر مغسلة صغيرة بصنبور يقطر ببطء. وعلى الجدار صورة ساعة كبيرة علّقها ساكن سابق، توقفت عقاربها عند الرابعة، فبدت كأنها تسخر من وقته الجديد. دفع سليم أربعة آلاف وأربعمئة جنيه نقدًا، وفكّر أن هذا المبلغ كان إكرامية سخية في ليلة واحدة.حين رحل الحاج، جلس على حافة السرير وسمع الصرير الأول. لم يعرف كيف يشغّل المروحة، فبحث عن مفتاح لا وجود له، حتى اكت
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

سؤال بلا جواب

أعدّ سليم سيرته الذاتية على هاتف مستعار من حمزة، وكتب في خانة الخبرة جملة وحيدة محا نصفها: «إدارة مشروعات عقارية». ثم أعاد قراءتها وحذفها كلها، فقد خطر له أن اسم «المنشاوي» سيقفز من خلف أي سطر. كتب لنفسه اسمًا مختصرًا: سليم فؤاد.اشترى بدلة رخيصة من محلّ في العتبة بسبعمئة جنيه، وجرّبها أمام مرآة ضيقة بين صفّين من الزبائن المتشاجرين. بدت أكمامها قصيرة وقماشها لامعًا، فشعر كأنه يرتدي بدلة شخص آخر، ولم يعرف أنه سيرتديها في أهم مقابلات حياته.في الأسبوع الأول قدّم سبع طلبات، وذهب إلى ثلاث مقابلات. في الأولى سأله المدير عن أكبر إنجاز مهني، فأجاب: «إدارة مشروع بستين مليونًا». نظر الرجل إلى الورقة الفارغة أمامه ثم إلى ملابسه، وتمتم بأنه سيتصل به. لم يتصل أحد.وفي طريق العودة مرّ أمام واجهة محلّ ملابس، فرأى فيها انعكاس رجل متأنق بقميص مجعّد الأكمام وابتسامة لا تناسب حاله. حاول أن يبتسم أقل، فبدت ابتسامته أسوأ.في الثانية سأله مسؤول الموارد عن ثلاث نقاط ضعف. قال سليم بابتسامة واثقة: «لا أرى لنفسي نقاط ضعف، إلا أنني أميل إلى الكمال». أطلق الرجل زفرة طويلة وسجّل شيئًا في دفتره. ثم أضاف سؤالًا أخ
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

العودة من الباب الخلفي

مرّت عشرة أيام. أُغلقت في وجهه أبواب أخرى بوسائل متنوعة: صمت، وبريد إلكتروني آلي، ومدير شاب سأله بسخرية: «هل جرّبتَ العمل في شركة والدك؟». أحصى سليم ما بقي في جيبه: ثلاثة وستون ألفًا، تتناقص كلما ركب حافلة أو اشترى رغيفًا، وصار الشهر القادم يقترب منه كجدار.في اليوم الحادي عشر، استيقظ مع الفجر، وغسل وجهه بماء بارد، وارتدى القميص الوحيد الذي لا تعلوه تجاعيد. قطع الطريق إلى وسط البلد بالحافلة، واقفًا بين أجساد متلاصقة، يتشبث بقضيب معدني دافئ بعرق الآخرين. لمس أحدهم محفظته بيده بالخطأ، فانتفض كمن يحمل كنزًا. وكانت المرة الأولى التي يشمّ فيها رائحة الخبز الساخن من فرن الحيّ في السادسة صباحًا، ويرى بائع الجرائد يرتّب عناوين لا تعنيه أكثر من حجارة الرصيف.وصل إلى «المدى» في السابعة والنصف، قبل أن يفتح أحد الباب. جلس على درج العمارة ينتظر. كان الهواء باردًا، وكان يسمع ارتطام أبواب المحال وهي تُرفع، فتذكّر أنه لم يسمع هذا الصوت قط وهو مستيقظ. ثم وصلت مريم بعد الثامنة بدقائق، وتوقفت أمامه وهي تضع المفتاح في القفل.— جئتَ باكرًا.— أريد مقابلة الأستاذ عادل.— أخبرتك أنه ليس عنده شاغر.— لا أطلب
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

الصندوق الأزرق

في اليوم الثالث وصل سليم إلى الشركة في التاسعة إلا خمس دقائق، لاهثًا، وقميصه ملتصق بظهره. كانت الحافلة قد تعطّلت في منتصف الطريق، فنزل يركض نصف ساعة تحت الشمس، وهو يتذكر أن سيارته الحمراء كانت تقطع المسافة نفسها في سبع دقائق.وقف عادل عند الباب وساعة يده مرفوعة.— الثامنة والنصف، قلتُ.— الحافلة عطلت...— ولو عطّلت طائرة، فالمطلوب أن تخرج قبلها بساعة. ستخصم عني ساعة اليوم، وأي تأخير آخر سأجمعها في ورقة.— لكنني...— لكنك؟مرّت لحظة بدا فيها أن سليم سيفعل ما تعوّد عليه: أن يرفع صوته ويتهم الحافلات والطرق والحكومة. غير أن عينيه وقعتا على مريم من وراء المكتب، تتابع المشهد بحياد، ولا تُظهر شفقة. ابتلع الكلمة وقال: «حاضر».كانت الجملة الأولى التي قالها لرئيس في حياته.في الظهيرة جاءه الحاج جمال، أمين المخزن، بكوب شاي، وجلس إلى جواره على صندوق مقلوب.— لا تحمّل الأستاذ عادل أكثر مما يحتمل. أكلنا معه الخبز والمرارة منذ عشرين سنة. يصرخ ثم ينسى.— لم أطلب منه شيئًا.— لكنك تظن أن الدنيا تدين لك بالاعتذار، وهي لا تدين لأحد بشيء. هيا، ساعدني في رفع هذا الصندوق.وفي الأسبوع التالي ارتكب الخطأ الذ
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

درج السطح

في صباح الاثنين جمع عادل الموظفين حول الطاولة الطويلة في غرفة الاجتماعات الضيقة، ووضع أمامه ملفًّا رمادي الغلاف. كان سليم قد أمضى ليلتين يُعدّ أول عرض سعر في حياته لمدرسة خاصة تريد تجهيز خمسة فصول، وقد طبعه بأناقة وأضاف إليه ألوانًا ورسومًا، ظنًّا أن الحماسة تعوّض الخبرة. وكانت مريم قد عرضت أن تراجعه قبل الإرسال، فرفض بابتسامة متعالية: «أنا أعرف كيف أكتب».— هذا عرض سليم، قال عادل ببرود، وبدأ يقرأ.— «نقدم لكم أفضل أثاث في السوق بأسعار لا تُقارن». هذه ليست جملة عرض، بل لافتة سيرك. ثم... مجموع البنود: مئة وثمانون ألفًا. والمجموع الصحيح مئتان وعشرة. هل عاد الحساب إلى الصفر في المدرسة التي تعلمتَ فيها؟— وفي الصفحة الثالثة وصفتَ الكرسي بأنه «جلد طبيعي»، بينما الورقة التقنية تقول «جلد صناعي». أتريدنا أن ندخل السجن بتهمة الغش؟ضحك ياسر، الموظف الثرثار، ثم كتم ضحكته بكفّه. أحسّ سليم بسخونة تصعد من عنقه إلى أذنيه.— وهنا، تابع عادل، منحتَ العميل خصمًا بنسبة عشرة في المئة دون موافقة أحد. هل تظن أن لديك صلاحية؟— أردتُ أن أضمن الصفقة.— أردتَ أن تضمن عمولتك. وإن أرسلنا هذا العرض كما هو، فسنخسر
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

أول راتب

في آخر الشهر وضع المحاسب أمامه ظرفًا أبيض مختومًا. فتحه سليم أمام مرآة الحمّام الصغير في الشركة، وأخرج أوراقًا ملوّنة: أربعة آلاف ومئة وخمسون جنيهًا. بعد الخصومات.وقف يحدّق فيها كمن يتأمل خريطة لبلد لا يعرفه. المبلغ نفسه، تقريبًا، كان إكرامية لنادل على اليخت. ثم تذكّر أنه حين أعطى ذلك النادل نقوده لم يسأله عن اسمه، وها هو الآن يعدّ كل ورقة كأنها لقاء بين صديقين.وقبل أن ينصرف اقترب ياسر وطلب أن يستلف مئتي جنيه حتى آخر الأسبوع. تردّد سليم، فالمئتان ثمن غداء أسبوع، لكنه تذكّر حاتم وكلمة «الظروف»، فمدّ يده بالمبلغ دون سؤال. وردّه ياسر يوم الخميس فعلًا.في المساء جلس على سريره الحديدي بالآلة الحاسبة وورقة وقلم. كتب: الإيجار، ألفان ومئتان. المواصلات، ستمئة. الطعام، ألف. بقي ثلاثمئة وخمسون. هتف بصوت مسموع: «ثلاثمئة وخمسون جنيهًا لكل شيء آخر في الحياة». ضحك حتى دمعت عيناه، ثم صمت.طرق حمزة الباب في تلك اللحظة، وهو يحمل رغيفًا ساخنًا.— أمي أرسلت لك هذا. تقول إنك نحيف.— قل لها شكرًا. وتعال، أريد أن أسألك سؤالًا. كم ثمن علبة العصير في المحل المجاور؟— ستة جنيهات.— وطبق الكشري؟— خمسة عشر.—
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

وعد لا يُنفَّذ

أغلق سليم أول صفقة بعد شهرين. لم تكن عملاقة، لكنها بدت له كأنها أعظم مشروع قاده: مدرسة خاصة اسمها «النور الحديثة» اشترت منه عشرين طاولة وعشرين كرسيًا. عمولته بلغت ستمئة جنيه، فأنفقها كلها على غداء جماعي لزملائه، وأحسّ بفخر لا يعرف له مثيلًا. ولاحظ أنه كلما أصغى إلى مدير المدرسة أكثر، قلّ ما احتاج إلى قوله. ورفع ياسر كأس الشاي وقال: «على أول صفقة، وعلى أن الكراسي التي يبيعها أريح من وجهه». ضحك الجميع، وضحك سليم أكثر منهم، وقد شعر لأول مرة بأن الضحك يمكن أن يُقاسَم دون أن يُشترى.ورفع ياسر كأس الشاي قائلًا: «هذا أول مندوب يدفع غداء الجميع من أول عمولة، سيدخل التاريخ!». ضحك الجميع، حتى عادل ابتسم تحت شاربه.شجّعه ذلك، فبدأ يطارد صفقة أكبر. جاء عميل اسمه الأستاذ حامد، مدير مدرسة أخرى، وطلب ستين مكتبًا للمعلمين وأربعين خزانة. قال إن المدرسة تفتتح فرعًا جديدًا بعد أسبوعين، وإن عليه أن يختار الشركة الأقدر على التسليم قبل ذلك.— نسلّم خلال عشرة أيام، قال سليم دون تردد.— هل أنت واثق؟ الشركات الأخرى تقول ثلاثة أسابيع.— أنا واثق.مسح الأستاذ حامد نظارته ببطء، وأضاف:— وإن تأخرتَ يومًا واحدًا،
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

الفيديو

بعد أسابيع من الاعتراف بدأ المناخ في الشركة يتغير. لم يعد ياسر يتبادل معه نظرات التسلية، بل صار يسأله عن رأيه في عروض الأسعار. وأخذت الحاجة سعاد تضع له كل صباح قطعة حلوى على المكتب دون أن تقول شيئًا. وكان سليم يتعلم كل يوم شيئًا جديدًا: كيف يعدّ الأسعار بالقلم، وكيف يعتذر لعميل غاضب، وكيف يقف أمام آلة الطباعة ليعيد ورقة علقت فيها. وفي المساء، حين يعود إلى سطحه، كان يجد حمزة ينتظره بأسئلة عن البيع والشراء، فيجيبه بما تعلّم، وكأن كل جملة يقولها تثبّت قدمه على الأرض. وكان قد بدأ يحمل إلى أبيه كل جمعة برتقالًا جديدًا، وإلى أم حمدي كيس حلوى، وإلى ذاكرته قائمة صغيرة بأسماء من أخطأ في حقهم، يتصدرها اسم واحد: مصطفى. ولم يكن يعلم أن القائمة ستُفتح قبل أوانها.كان قد بلغ ثلاثة أشهر في عمله. وفي صباح خريفي بارد، وهو يحمل صندوقًا إلى المخزن، سمع ياسر يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع ومندهش:— أرسل لي الرابط. نعم، الآن. الله! هل هذا هو؟لم يفكر سليم في الأمر، ومضى. لكن حين عاد بعد نصف ساعة وجد غرفة الموظفين صامتة على غير عادتها. كان ياسر يقف بجوار الحاجة سعاد، وكلاهما يحدّق في شاشة هاتف صغير. وحين لمحاه
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status