حين نفد المال

حين نفد المال

last updateLast Updated : 2026-11-04
By:  roshi121202Updated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
20Chapters
9views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في فيلا فاخرة تطلّ على حدائق لا تنتهي، يعيش سليم المنشاوي حياة بلا حدود: سهرات على اليخوت، وسيارات تزأر في المرآب، وبطاقة مصرفية لا يعرف لها سقفًا. لم يسأل يومًا من أين يأتي المال، فهو واثق بأن شركة والده فؤاد، إحدى كبريات شركات التطوير العقاري، ستظلّ تنفق عليه إلى الأبد. وفي ليلة احتفال الشركة بعيدها الثلاثين، يُذلّ أمام الجميع موظفًا قديمًا أفنى عمره بين جدرانها، ثم يمضي وكأن شيئًا لم يكن، بينما يسارع الأب إلى لملمة الأمر بالمال كعادته. لكن للثروة حدًّا لم يتوقعه أحد. حين يتحدّى سليم المتشكّكين في مجلس الإدارة ويطلب إدارة مشروع ضخم على الساحل الشمالي، يقوده كبرياؤه الجريح إلى قرارات متهوّرة: يُقصي المقاول الأمين، ويتجاهل تحذيرات المهندسة التي تعرف الأرض، ويثق بصديق لا يرى فيه سوى المرح. وتتشقّق الأعمدة، ويهرب المقاول بالملايين، وتنفجر المواجهة بين الأب والابن، فيصدر الأب إنذاره الأخير ويغادر سليم البيت غاضبًا، مقتنعًا بأن الحياة تنتظره خارج الأسوار. غير أن الحياة تنتظره بوجه آخر. فبعد ساعات يسقط فؤاد مغشيًّا عليه، وتتوقف الأموال، وتتخلّى الوجوه التي ضحكت معه عن مكانها بصمت. وبينما تتفاقم أزمة الشركة وتتهدّد أرزاق عشرات الأسر، ومن بين أنقاض عالمه القديم، تبدأ رحلة شاقة يتعلّم فيها سليم أول وظيفة، وأول راتب متواضع، وأول مرة يُعامَل فيها كإنسان لا كابن رجل أعمال، وتتعرّف إليه فيها مريم التي لا تبهرها الأسماء. وبين مغريات العودة إلى حياته القديمة وصفقات تُباع فيها الضمائر، سيواجه اختبارًا يقرّر هل الرجل الذي يظهر اليوم هو الحقيقة، أم مجرد قناع جديد. «حين نفد المال» رواية عن الابن الذي ظنّ أن قيمته تُقاس بما في حسابه، وعن الأب الذي حسب أن الحب يعني أن يحمي ولده من كل صعوبة، وعن لحظة اكتشاف أن التغيير الحقيقي لا يحتاج إلى ندم فحسب، بل إلى قرارات شجاعة وأفعال صادقة تُثبت ما تعجز الكلمات عن إثباته.

View More

Chapter 1

حياة بلا حدود

استيقظ سليم المنشاوي على رنين هاتفه الملحّ، فمدّ ذراعه من تحت الغطاء الحريري وأخمد الجهاز دون أن يلقي نظرة على الشاشة. كانت الساعة قد جاوزت الواحدة ظهرًا، وستائر غرفته الثقيلة تحبس النهار في الخارج كما تحبس كل ما لا يروق له.

نزل الدرج الرخامي حافيًا، فتلقّته رائحة البنّ المحمّص وصوت أم حمدي، المرأة التي ربّته بعد رحيل أمه، وهي ترتّب الأطباق على المائدة الطويلة.

— الأستاذ فؤاد ينتظرك في الشرفة منذ التاسعة يا سليم بك.

— ينتظرني؟ لا أذكر أنني وعدته بشيء.

— لم يطلب إيقاظك. جلس وحده يقرأ أوراقه، ثم أوصاني ألّا أزعجك.

تنهّد سليم، وتناول كوب العصير، وخرج إلى الشرفة المطلّة على الحديقة. كان فؤاد المنشاوي جالسًا بظهر منتصب، وقد فرش أمامه ملفات زرقاء، وفي عينيه ذلك الهدوء المرهَق الذي يسبق العواصف.

— صباح الخير يا أبي. أو مساؤه، بحسب ما يرى المرء.

— المساء أنسب. اجلس.

— هل ينتظرني ما أخشاه؟

— ينتظرك مقعد شاغر في اجتماع مجلس الإدارة غدًا في العاشرة. منذ ثلاثة أشهر وأنا أترك الكرسي خاليًا، والأعضاء بدؤوا يسألون عن صاحبه.

ضحك سليم ضحكة قصيرة، وتمدّد على المقعد.

— العاشرة صباحًا؟ يا أبي، لا يستعيد عقلي وظائفه قبل الثانية عشرة. ثم ماذا سأفعل هناك؟ أُنصت إلى رجال يتجادلون حول جداول لا تعنيني؟

— ستتعلّم كيف تُصنع الأموال التي تنفقها.

— الأموال موجودة، والشركة تعمل منذ ثلاثين عامًا من دوني، وستعمل ثلاثين أخرى. هل ستتوقف الأبراج عن الارتفاع لأنني نمت؟

أغلق فؤاد الملف ببطء.

— لا أطلب منك أن تحمل الشركة، بل أن تحمل نفسك. ساعتان في اليوم، لا أكثر.

— ساعتان اليوم، ثم أربع غدًا، ثم أجد نفسي مقيّدًا إلى مكتب كما قيّدتَ نفسك. لا أريد حياتك يا أبي؛ فهي لم تمنحك سوى ضغط الدم والسكّري.

مرّ ظلّ وجع على وجه الأب، ثم تماسك.

— وهذه الحياة التي تريدها، من يسدّد فواتيرها؟

— أنت. ولهذا وُجدت الشركات، أليس كذلك؟

صمت فؤاد، ونهض متّكئًا على حافة الطاولة أكثر مما ينبغي، وجمع ملفاته.

— غدًا في العاشرة. سأُبقي لك الكرسي.

لم يكد يبلغ الباب حتى كان سليم قد التقط هاتفه ليتصل بعمر. وقفت أم حمدي عند باب المطبخ تعصر طرف مئزرها.

— لو رأيتَ وجهه حين صعد إلى سيارته أمس، يا سليم بك... يخرج قبل الفجر ويعود بعد العشاء، وما عاد يأكل إلا ما أُجبره عليه.

— أبي يحب أن يتألم ليشعر بأنه مهم، قال دون أن يرفع عينيه عن الشاشة. ضعي لي الإفطار في الحديقة.

عند الخامسة مرّ على المرآب الواسع، حيث تصطفّ خمس سيارات تلمع تحت الإضاءة البيضاء. اختار الرياضية الحمراء، فتقدّم السائق العجوز عم حسين وفي يده أوراق مطوية.

— مخالفات المرور يا سليم بك. بلغت الشهر الماضي ثلاثًا وأربعين مخالفة، وإدارة الترخيص أرسلت إنذارًا بسحب الرخصة.

— سلّمها لمكتب أبي. هو يعرف كيف يُصرِّفها.

— الأستاذ فؤاد سدّد الأسبوع الماضي ما قيمته مئة ألف جنيه، وقال لي بالحرف: لا تُخبر سليم.

توقف سليم لحظة، وارتسمت على وجهه دهشة عابرة، ثم هزّ رأسه.

— إذن لا تخبره أنت أيضًا أنني عرفت.

أدار المحرك فارتجّ المرآب بزئيره، وانطلق من البوابة بسرعة جعلت الحارس يقفز جانبًا. ولم يخطر له أن عبارة «لا تُخبر سليم» انحشرت في ذهنه كشوكة صغيرة، سيدوس عليها يومًا وهو حافي القدمين.

في الحادية عشرة ليلًا كان اليخت الأبيض يتأرجح أمام مرسى المارينا، وموسيقى صاخبة تتسلّق درجاته. جلس سليم على أريكة جلدية وسط ستة أصدقاء، وقد اصطفّت أمامه زجاجات لا يعرف نصف أسمائها. وإلى جواره تمدّد عمر السيّد، رفيقه منذ الطفولة، يدخّن بتكاسل ويراقب الجميع بعينين صغيرتين لا تُفلتان فرصة.

— سمعتُ أن أباك حجز لك مقعدًا في مجلس الإدارة.

— حجز لي مقعدًا، وأعدّ لي خطبة عصماء. سأنام عنهما معًا.

دوّت الضحكات، ورفع أحدهم كأسه تحيةً له. وحين اقترب النادل بالفاتورة، سحب سليم بطاقة سوداء من جيبه ومدّها دون أن يرفع بصره، ثم أضاف إكرامية تعادل راتب شهر كامل.

— ما اسمك يا فتى؟ سأله أحد الأصدقاء مازحًا.

لم يُجب سليم؛ كان غارقًا في شاشة هاتفه. انحنى النادل شاكرًا وانصرف، وقد التمعت في عينيه خيبة صغيرة لم يلحظها أحد.

مال عمر على أذنه:

— أتعرف ما يميّزك؟ أنت الوحيد الذي يدفع ليُحَبّ، ثم يحسب أن الحب هو ما اشتراه.

— وأنت الوحيد الذي يقبض ثمن حكمته ولا يخجل.

— أقبض لأنني صادق.

ضحك سليم، لكن الضحكة غادرته أسرع من عادتها. رنّ هاتفه: «الأستاذ جلال، مدير الشؤون المالية». ضغط على زرّ الرفض، فعاد الاسم يلحّ مرة ثانية، ثم ثالثة. أجاب أخيرًا بنبرة متثاقلة، فجاءه صوت الرجل متحفّظًا:

— عفوًا على الإزعاج يا سليم بك. الاجتماع غدًا في العاشرة، والوالد سأل عنك مرتين قبل أن يخلد إلى النوم.

— أبلغ الوالد تحياتي، وقل له إن النوم عندي أيضًا من واجبات الحياة.

أغلق الخط، ثم أطفأ الهاتف بأكمله، ودسّه في جيبه، وصبّ لنفسه كأسًا أخرى. ارتفعت الموسيقى، وتمايل اليخت، وغاب عن باله أن في الفيلا البعيدة رجلًا عجوزًا يجلس في الظلام أمام باب غرفة ابنه، منتظرًا خطوات لن تأتي قبل الفجر.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
20 Chapters
حياة بلا حدود
استيقظ سليم المنشاوي على رنين هاتفه الملحّ، فمدّ ذراعه من تحت الغطاء الحريري وأخمد الجهاز دون أن يلقي نظرة على الشاشة. كانت الساعة قد جاوزت الواحدة ظهرًا، وستائر غرفته الثقيلة تحبس النهار في الخارج كما تحبس كل ما لا يروق له. نزل الدرج الرخامي حافيًا، فتلقّته رائحة البنّ المحمّص وصوت أم حمدي، المرأة التي ربّته بعد رحيل أمه، وهي ترتّب الأطباق على المائدة الطويلة. — الأستاذ فؤاد ينتظرك في الشرفة منذ التاسعة يا سليم بك. — ينتظرني؟ لا أذكر أنني وعدته بشيء. — لم يطلب إيقاظك. جلس وحده يقرأ أوراقه، ثم أوصاني ألّا أزعجك. تنهّد سليم، وتناول كوب العصير، وخرج إلى الشرفة المطلّة على الحديقة. كان فؤاد المنشاوي جالسًا بظهر منتصب، وقد فرش أمامه ملفات زرقاء، وفي عينيه ذلك الهدوء المرهَق الذي يسبق العواصف. — صباح الخير يا أبي. أو مساؤه، بحسب ما يرى المرء. — المساء أنسب. اجلس. — هل ينتظرني ما أخشاه؟ — ينتظرك مقعد شاغر في اجتماع مجلس الإدارة غدًا في العاشرة. منذ ثلاثة أشهر وأنا أترك الكرسي خاليًا، والأعضاء بدؤوا يسألون عن صاحبه. ضحك سليم ضحكة قصيرة، وتمدّد على المقعد. — العاشرة صباحًا؟ يا أبي،
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
المقعد الشاغر
في العاشرة تمامًا افتتح فؤاد الاجتماع، وعيناه تتحاشيان الكرسي الجلدي الذي يتوسّط الجانب الأيمن من الطاولة. جلس ثمانية رجال وامرأة واحدة حول الخشب اللامع، وأمام كلٍّ منهم كوب ماء لم يُمَسّ.بدأ جلال الحدّاد، مدير الشؤون المالية، يعرض الأرقام: ارتفاع في سعر الحديد، وتأخّر في تحصيل دفعات مشروع العاصمة الجديدة، وتعثّر عميلين كبيرين. كان صوته رتيبًا، غير أن الأرقام نفسها كانت تصرخ.قاطعه الدكتور كمال، أكبر المساهمين سنًّا وأقلّهم مجاملة، مشيرًا بقلمه إلى المقعد الشاغر:— يا أستاذ فؤاد، نحن نناقش مصير المجموعة، ووريثها لا يتجشّم عناء الحضور. ألا يقلقك أن يرث ما لا يعرف اسمه؟— سيأتي حين يحين وقته.— الوقت لا ينتظر المتأخرين. سيرث الأبراج والديون معًا، وسيحسبها كلها ملاهي.شعر فؤاد بوخزة خلف عظمة صدره، فضغط عليها براحة يده، متظاهرًا بتعديل ربطة عنقه. التقطت منى الرفاعي، المساهمة الوحيدة، حركته بعينين فطنتين، لكنها آثرت الصمت.— ننتقل إلى البند التالي، قال بصوت أخفض مما أراد.لحقت به منى في الممرّ، وأمسكت بكمّه.— لونك لا يعجبني يا فؤاد. اذهب إلى طبيبك اليوم.— بعد الحفل. لديّ ثلاثون عامًا تن
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
ليلة التكريم
اكتظّت قاعة الفندق الكبرى بالمدعوّين: رجال أعمال بأوسمة من العطور الغالية، وسيدات يتلألأن تحت الثريات البلّورية، وموظفون قدامى بدت بدلاتهم المكويّة بعناية وكأنها أُخرجت من خزائن لا تُفتح إلا في المناسبات. وقف فؤاد قرب المنصّة يصافح الضيوف، وعيناه لا تفارقان الباب.دقّت الساعة الثامنة، ثم الثامنة والنصف، ثم التاسعة إلَّا ربعًا.دخل سليم أخيرًا بصحبة عمر، مرتديًا سترة كريمية اللون صُنعت خصيصًا له في ميلانو، وعلى وجهه ابتسامة من لا يشعر بذنب. اخترق القاعة كما تخترق السفينة موجًا هادئًا، يوزّع التحية يمنة ويسرة دون أن يتوقف.— متأخر ساعة إلّا ربعًا، همس فؤاد حين وصل إليه.— الطريق كان مزدحمًا. ثم إنك لم تبدأ الخطاب بعد، فلم أفوّت شيئًا.اقترب الدكتور كمال متّكئًا على عصاه، ونظر إلى السترة بتمعّن من يقيّم لوحة.— سترة جميلة يا بنيّ. لا بد أنها كلّفتك الكثير.— ستة وثمانون ألفًا. لا أقبل بغير الحياكة اليدوية.— ستة وثمانون ألفًا... كان هذا أجر موظف عندنا ثلاث سنوات حين أسسنا الشركة. كنا نحسب كل قرش ونحن نشتري مسامير البناء.— لحسن حظي أنني ولدتُ بعد انتهاء عصر المسامير.ابتسم العجوز ابتسامة
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
غطاء من ذهب
أمسك فؤاد بذراع عم مصطفى وأنهضه برفق، ثم قاده عبر ممرّ جانبي إلى غرفة صغيرة خلف المطبخ، حيث لا تبلغ الموسيقى ولا العيون. أغلق الباب، وظلّ لحظة يلتقط أنفاسه، وكفّه ما تزال مضغوطة على القلب.— أنا آسف يا مصطفى. أسفي أكبر من أن تسعه كلمات.— لا عليك يا أستاذ فؤاد.— بل عليّ. أنت معي منذ كنتُ أستأجر مكتبًا من غرفتين.جلس الساعي على مقعد خشبي، يعصر المنديل المبلل بين أصابعه. كان صوته حين خرج هادئًا على نحو موجع:— أنا لا أبكي من الإهانة. الإهانة تُنسى. أبكي لأن يوسف رأى. أمضيت عمري أقول له إن أباه رجل محترم، وإن الشركة أسرة كبيرة. ثم جاء أول امتحان فرأى بعينيه كيف تكون الأسرة.أخرج فؤاد من جيبه الداخلي مظروفًا سميكًا، ووضعه على الركبة المرتجفة.— هذا ليس تعويضًا، وإنما هدية صغيرة. وستحصل على إجازة مدفوعة أسبوعين، وزيادة في الراتب تبدأ من الشهر القادم.نظر عم مصطفى إلى المظروف، ثم إلى الرجل الواقف أمامه، وأدرك فجأة أن الأمر لن يتوقف عند هذا. سيُغلَق الجرح بأوراق نقدية، وسيعود سليم إلى مكانه، والكل سيتظاهر بأن شيئًا لم يكن.— أنا لا أطلب شيئًا يا أستاذ. لكنني سآخذ الإجازة لأن ابني يحتاج إليّ
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
مشروع الساحل
لم يشأ سليم أن يعترف لنفسه بأن ما حدث في الحفل أزعجه. لكنه في صباح اليوم التالي استيقظ قبل الظهر، وأمضى ساعة يتجوّل في الفيلا عاجزًا عن النوم مجددًا، كأن في صدره حصاة صغيرة تقلق راحته. وحين وصلته رسالة من والده تدعوه إلى مكتب الشركة في الحادية عشرة، ذهب فعلًا، وهو يقنع نفسه بأن الفضول وحده دفعه.وجد قاعة الاجتماعات مضاءة، ومجسّمًا بلاستيكيًا ضخمًا وُضع على الطاولة: مجمّع سياحي على شاطئ الساحل الشمالي، مئة وعشرون شاليهًا بأسقف مقوّسة، وبحيرة صناعية، وممشى يمتدّ مع البحر. على الجدار لافتة تحمل اسم «دانة بيتش».جلس الأعضاء حول المجسّم، والدكتور كمال في مقدمتهم يقلّب أوراقًا بعين ناقدة. وقفت إلى جانب المجسّم امرأة في أواخر الثلاثين بشعر مرفوع ونظّارة رفيعة، تحمل مسطرة معدنية وكأنها عصا قائد أوركسترا.— المهندسة هالة النجّار، قال فؤاد، رئيسة القطاع الهندسي. هي التي أعدّت دراسة المشروع.حدّق سليم في المجسّم باهتمام لم يتوقعه أحد.— الميزانية؟— ستون مليونًا على ثلاث مراحل، أجابت هالة. والمرحلة الأولى أربعون شاليهًا، تُعاد أرباحها إلى تمويل ما بعدها.— ومن سيديره؟سادت لحظة صمت. تبادل جلال ا
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
أول القرارات
حين بلغ سليم الموقع كانت الساعة قد قاربت الحادية عشرة إلا ربعًا، لا الثامنة والنصف كما اتفقا. هبط من سيارته الرياضية، وغبار الطريق الصحراوي يلتصق بحذائه الإيطالي، فيما أخذ عمر يتلفّت حوله متأفّفًا من الشمس.— لماذا نحن هنا يا صديقي؟ ليس في هذا المكان سوى رمال وذباب.— أنت الذي أقنعتني بتولّي الأمر.— أقنعتك بأن تكسب، لا بأن تتعذّب.وقفت هالة النجّار عند حافة الحفر الواسعة بخوذتها البيضاء، وقد أتمّت ساعتين من الانتظار دون أن تجلس. كان عمال البناء حولها يتبادلون النظرات الساخرة، فهم يعرفون هذا النوع من الزوّار الذين يأتون متأخرين ويطلبون المستحيل.— صباح الخير يا سليم بك. تأخرتَ ساعتين وربع.— الطريق طويل يا مهندسة، وعيني لا تفتح قبل الشمس.— الشمس طلعت منذ خمس ساعات.مدّت إليه خوذة، فتناولها بطرف أصابعه كأنها إناء قذر، وأبقاها في يده. قادته إلى جدول مثبّت على لوح خشبي، وأشارت إلى طبقات ملوّنة في رسم بياني.— نتائج جسّات التربة وصلت أمس. على عمق أربعة أمتار طبقة طين ضعيفة لا تحتمل وزن الشاليهات. نحتاج إلى خوازيق خرسانية عميقة، وهذا يرفع التكلفة ستة ملايين.— ستة ملايين من أجل التراب؟ هل
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
الشقوق
في الأسابيع الأولى لم يصدّق أحد ما رآه. كان سليم يصل إلى الموقع في التاسعة، لا العاشرة والنصف، ويرتدي الخوذة بنفسه، ويقف بين العمال يراقب الخرسانة وهي تُصبّ في القوالب. فرح بالضوضاء والغبار كما يفرح طفل بلعبة جديدة، وبدأ يحفظ أسماء المشرفين، ويطلب تقارير يومية، ويرسل لوالده صورًا للأعمدة الصاعدة مصحوبة بعبارة واحدة: «انظر». وفي أحد الأيام أمسك عم شحاتة بذراعه، وأراه كيف يُقاس هبوط الخرسانة بمخروط معدني، وكيف تُؤخذ مكعبات الاختبار لتُكسر في المعمل. — هذه الأرقام يا بيه لسان البناء، قال الرجل. إن تجاهلتَها أخطأتَ، وإن أصغيتَ إليها منحتك الأمان. ابتسم سليم، وكرّر العملية بنفسه، وسُرّ حين طابقت نتيجته نتيجة المشرف. للحظة قصيرة أحسّ أن هذا العالم من التراب والحديد قد يمنحه ما لم تمنحه الحفلات: شعورًا بأن يديه صنعتا شيئًا. وكان فؤاد، في فراشه ليلًا، يفتح الصور وهو يبتسم رغم الألم الخفيف الذي يلازم كتفه الأيسر. غير أن هالة كانت تمرّ على الموقع كل يوم بعين لا تنام. وفي صباح يوم أربعاء، بعد شهرين تمامًا، وقفت فوق البلاطة الأرضية الأولى وانحنت لتلمس خطًا رفيعًا يمتدّ على الخرسانة كخيط شعر.
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
الإنذار الأخير
لم يمهله جلال يومين. فقد بدأ سليم نهاره بالبحث عن رأفت في المدينة، وقاد سيارته إلى مكتبه في عمارة قديمة بحيّ مصر الجديدة، فوجد الباب مغلقًا بالشمع الأحمر، وعلى الجدار ورقة حجز إداري. خرجت من الشقة المجاورة سيدة بملابس المنزل، ونظرت إليه بفضول.— تبحث عن الأستاذ رأفت؟ رحل منذ أسبوعين وترك لنا إيجار شهرين. مدين للجميع. وكان يزوره رجل نحيل حسن الهندام يضحك كثيرًا.عاد سليم إلى سيارته وجلس مشدودًا، وفي ذهنه صورة صديق نحيل حسن الهندام يضحك كثيرًا، لكنه رفض أن يركّب القطع. وبينما كان يتنقّل بين أرقام هواتف لا يردّ عليها أحد، رنّ هاتفه باسم «الأستاذ فؤاد». لم يكن في المكالمة سوى جملة واحدة: «تعال إلى المكتب. الآن».كان المكتب في الدور الأرضي من الفيلا غرفة مظلمة الجدران، تحتفظ بدفاتر قديمة وبرائحة تبغ لم يدخّنه فؤاد منذ عشرين عامًا. جلس الأب خلف الطاولة، وقد بدا أنحل من يوم الحفل بعشر سنوات. وقف جلال في الزاوية صامتًا، وعلى المكتب ملف مفتوح مليء بكشوف مصرفية.— اجلس.— أفضّل أن أقف.— اجلس، قلتُ.جلس. دفع فؤاد الملف نحوه.— ثماني دفعات متتالية، كل واحدة تسعمئة وخمسون ألفًا. أترى النمط؟ لم يخ
last updateLast Updated : 2026-10-31
Read more
ليلة الفندق
استقبله موظف الاستقبال في الفندق الفخم المطل على النيل بابتسامة مدرّبة، ثم سلّمه مفتاح جناح في الطابق الثاني والعشرين. وقف سليم أمام الواجهة الزجاجية العريضة، والمدينة تتلألأ تحت قدميه كرقعة من الجمر. أحسّ بنشوة غريبة، نشوة من فرّ من سجن ولم يعرف بعدُ ما سيفعل بالحرية.— أنا حرّ، قال بصوت مسموع. لا أب ولا شروط.رمى حقيبته على الأريكة، وطلب عشاءً فاخرًا إلى الغرفة، ثم اتصل بعمر. وصل الأخير بعد ساعة بصحبة ثلاثة أصدقاء وزجاجتين، يتصنّع الحماسة.— رأيتَ؟ لقد كسبتَ الجولة. من الذي يملك الجرأة على ترك فيلا كتلك؟— الجرأة أم الغباء؟ قال سليم ضاحكًا بمرارة.— الاثنان أحيانًا واحد.— والدك رجل صعب، قالت فتاة اسمها ليلى كانت ترافق أحدهم، لكنه على الأقل ينفق عليك.التفت إليها سليم بحدّة لم يتوقعها أحد:— لا أحد يتكلم عن والدي هنا.ساد صمت محرج، ثم ضحك أحدهم وغيّر الحديث، وأدرك سليم أنه دافع عن الرجل الذي يخاصمه، فأشاح بوجهه متضايقًا من تناقضه.دارت الكؤوس، وارتفعت الأصوات، وبدأ سليم يتحدث بإسهاب عن مشروعات خيالية سيطلقها وحده: تطبيق للسفر، علامة للأزياء، سلسلة مطاعم. كان الأصدقاء يهزّون رؤوسهم م
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more
غرفة العناية
ركض سليم عبر الردهة الباردة الطويلة، وحذاؤه غير المربوط يصفع البلاط. عند باب العناية المركّزة اعترضه ممرّض بقميص أخضر.— لا يُسمح بالدخول.— أنا ابنه! فؤاد المنشاوي! أين هو؟— اهدأ يا أستاذ، الطبيب سيخرج إليك.التفت، فرأى جلال الحداد جالسًا على مقعد معدني في آخر الممرّ، وقد حلّ ربطة عنقه، وتجعّد قميصه، وسقطت نظارته إلى طرف أنفه. إلى جواره وقفت منى الرفاعي وبيدها كوب ورقي لم تحتسه، والدكتور كمال متكئًا على عصاه عند النافذة.— ماذا حدث؟— وقف في الاجتماع يتحدث عن ديون المرحلة الأولى، قال جلال بصوت منخفض ومتعب، ثم سكت فجأة. قال: «أشعر أن الغرفة تضيق». وانهار على الأرض. لحقتُ به قبل أن يرتطم رأسه بالطاولة.— لماذا لم تتصلوا بي منذ الصباح؟— اتصلنا ثلاث عشرة مرة.انكمش سليم تحت وقع الجواب، لكن الدكتور كمال تقدّم خطوة وقد رأى فيه ما كان ينتظره:— وأين كنتَ؟ في فندق، على ما فهمت. ووالدك يحتضر.— لا تقل هذا.— قلته لأنه الواقع.— كفى يا دكتور، قالت منى بحزم. ليس هذا وقته.انفتح باب العناية المركّزة، وخرج طبيب في الخمسين، قصير القامة، تتدلى سماعته على صدره، يحمل على وجهه جدّية من اعتاد إلقاء ا
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status