All Chapters of المرأة التي أسقطت الراوي: Chapter 1 - Chapter 5

5 Chapters

الفصل الأول

الفصل الأول: ليلة الحكملم تكن ميرا الشافعي تعلم، وهي تضع آخر طبق على مائدة العشاء، أن تلك الليلة ستكون الأخيرة التي ترتّب فيها بيتًا ظنّته بيتها. كانت قد أمضت ثلاث ساعات في المطبخ تعدّ الأصناف التي يحبها رعد: الحمام المحشو بالفريكة، والشوربة التي تعلّمت طريقتها من أمه رحمها الله، وحلوى الأرز بالحليب التي كان يلتهمها بصمت وهو يقرأ تقارير الشركة. ولأنها كانت امرأة تؤمن بأن التفاصيل الصغيرة تحمي الحب من الذبول، أشعلت الشموع وفتحت النافذة قليلًا ليتسلل نسيم أكتوبر البارد إلى قاعة الطعام الواسعة في الفيلا المطلة على النيل.نظرت إلى الساعة المعلّقة على الجدار؛ كانت العاشرة إلا ربعًا. تأخر رعد كعادته في الأسابيع الأخيرة، حتى صار التأخر عادة لا تستحق السؤال. جلست على طرف الكرسي، وسوّت طرف المنديل الأبيض، وراحت تتأمل الشمعة التي بدأت ذبالتها تميل. قالت لنفسها بصوت خافت: «سيأتي، وسنتحدث، وسأخبره أخيرًا أنني لم أعد أحتمل هذا الصمت».في تمام العاشرة وعشر دقائق سمعت صوت محرك السيارة في الممر الحجري، ثم صفقة الباب الثقيلة، ثم خطوات رعد المألوفة، تلك الخطوات الواثقة التي كانت تعرفها كما تعرف دقات
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more

الفصل الثاني

الفصل الثاني: ما قبل العاصفةفي الصباح التالي استيقظت ميرا في غرفة صغيرة بشقة خالتها نجوى في حيّ المعادي، وللحظة قصيرة ظنّت أن ما حدث كابوس عابر. لكن رائحة الياسمين الخافتة التي تفوح من الستائر القديمة، وصوت الحافلات المتعبة في الشارع، أعادا إليها الحقيقة كاملة. لم تعد في الفيلا، ولم تعد زوجة رعد الراوي. أصبحت امرأة مطلّقة في السادسة والعشرين من عمرها، لا تملك سوى حقيبة صغيرة وكرامة جريحة.دخلت الخالة نجوى بصينية الإفطار، وجلست على حافة السرير، وأمسكت بيد ابنة أختها دون أن تقول كلمة. كانت امرأة في الخامسة والخمسين، ذات وجه طيب وعينين خبرتا الحياة، ترملت مبكرًا وعاشت وحيدة، فتعلّمت أن أفضل المواساة ما كان صامتًا.قالت ميرا بعد دقائق: «لا تسأليني شيئًا يا خالتي، أرجوك».ردّت الخالة: «لن أسأل. لكنني سأقول لك أمرًا واحدًا: الذي يترك امرأة مثلك دون أن يسمعها، لا يستحق أن تبكي عليه أكثر من ليلة واحدة».ابتسمت ميرا ابتسامة ضعيفة وقالت: «بكيتُ ليلتين».«إذن انتهى الحزن الواجب. ابدئي الآن بالحياة».لكن الحياة لا تبدأ بكلمة. ظلت ميرا ذلك اليوم جالسة قرب النافذة، تراجع في ذاكرتها السنوات الخمس
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more

الفصل الثالث

الفصل الثالث: دفتر المحاسبالتقت ميرا بالأستاذ فتحي عبد الرحيم في صباح اليوم التالي، في مقهى قديم قرب ميدان العتبة، بعيدًا عن العيون التي قد تعرفها. كان الرجل قد تجاوز السبعين، نحيل الجسد، يرتدي سترة بالية ويحمل حقيبة جلدية متهالكة يضمّها إلى صدره كمن يحمل طفلًا. جلس قبالتها وارتشف قهوته بيد مرتجفة، ثم نظر حوله مرتين قبل أن يتكلم.قال: «أعتذر يا ابنتي عن هذا الغموض كله. لكنني أخشى أن أكون مراقَبًا منذ أسبوع».تساءلت ميرا بقلق: «ومن يراقبك؟».«لا أعرف بالضبط. لكنني لاحظت سيارة سوداء تقف أمام بيتي كل مساء. ولما حاولت الاتصال بمكتب زوجك السابق، أُخبرت أنه لا حاجة إلى خدماتي بعد الآن».«أنت لم تعمل مع رعد يومًا».«بلى. بعد وفاة المرحوم والدك، طلب مني زوجك أن أراجع حسابات المصنع لأنه يريد ترتيب الديون. وقد سلّمته كل ما يلزم، ثم... اختفى كل شيء».فتح الأستاذ فتحي حقيبته، وأخرج دفترًا قديمًا ذا غلاف أخضر، مغطى بالغبار. ثم قال: «هذا هو الدفتر الأصلي. حين اكتشفت أن بياناتي تُحذف من أجهزة الشركة، احتفظت بنسخة ورقية مثلما علمني والدك رحمه الله. كان يقول لي دائمًا: الورق لا يُخترق يا فتحي».أمسكت
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more

الفصل الرابع

الفصل الرابع: أربع سنوات في الظللم تكن لندن كما تخيلتها ميرا في أحلام شبابها. لم تجد فيها شوارع من ذهب ولا ضبابًا رومانسيًا، بل وجدت مطرًا لا ينقطع، وغرفة صغيرة في الطابق الأخير من بناية قديمة تفوح منها رائحة الرطوبة، وجدرانًا رقيقة تنقل إليها صراخ الجيران وضحكاتهم. غير أنها لم تشتكِ يومًا. فقد اعتادت أن تبدأ من الصفر، وأن تجعل من الصعوبات سلالم.كانت تستيقظ في الخامسة صباحًا، فتراجع محاضراتها قبل أن تنطلق إلى الجامعة. وبعد المحاضرات تعمل في مقهى صغير حتى العاشرة مساءً، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ حتى تغفو على الكتب. كانت زميلاتها يدعونها إلى الخروج في أمسيات الجمعة، فتعتذر بابتسامة مهذبة. ولما سألتها إحداهن ذات مرة: «ألا تتعبين؟»، أجابت: «التعب أهون من الندم».كانت الدكتورة سلمى النحاس تراقبها بصمت. وفي الشهر الثالث استدعتها إلى مكتبها وقالت لها: «لديك ما يندر وجوده، يا ميرا: عقل يحسب بسرعة وقلب لا يخاف. لكنك تنقصك الجرأة في اتخاذ القرار».قالت ميرا: «أخطأتُ في قراراتي كثيرًا يا دكتورة».«ولذلك تخافين. غير أن الخطأ ليس عدو القرار، بل الجمود. سأمنحك فرصة: سأوكل إليك ملف شركة ناشئة تتعثر
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more

الفصل الخامس

الفصل الخامس: قاعة الاجتماعاتحطّت الطائرة في مطار القاهرة في ساعة مبكرة من صباح يوم خميس خريفي، والسماء تتلون بخيوط الفجر الأولى. وقفت ميرا في صالة الوصول تنظر إلى الوجوه المزدحمة والضجيج المألوف، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة لم تتوقعها. أربع سنوات غابت فيها عن هذه الأرض، وها هي تعود إليها بعد أن تبدلت كل ملامحها إلا رائحة الهواء.كان يوسف في انتظارها. تقدّم نحوها شابًا ناضجًا، أطول مما تذكر، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل باقة من الياسمين. عانقها بقوة حتى كادت تفقد توازنها، وهمس في أذنها: «اشتقت إليك يا أختي».قالت وهي تضحك وتبكي: «وأنا أيضًا. كبرت كثيرًا».«وأنتِ لم تتغيري، لكنك أصبحتِ أجمل وأقوى».ركبا سيارة سوداء فاخرة استأجرتها الشركة، وجلست ميرا في المقعد الخلفي تتأمل الشوارع. مرّت السيارة بالكورنيش، فتوقفت أنفاسها حين لمحت الفيلا القديمة من بعيد، تلك التي شهدت ليلة الحكم. كانت الأنوار مطفأة، والبوابة مغلقة، ولا أثر لحياة.سألت: «هل ما زال يسكن هناك؟».أجاب يوسف: «لا. انتقل منذ سنتين إلى برج المجموعة. يقال إنه يقيم في الطابق الأخير. أما الفيلا فمهجورة، لا يسمح لأحد بدخولها».لم تعلّق. ظلت
last updateLast Updated : 2026-10-28
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status