Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-10-28 18:52:35

الفصل الرابع: أربع سنوات في الظل

لم تكن لندن كما تخيلتها ميرا في أحلام شبابها. لم تجد فيها شوارع من ذهب ولا ضبابًا رومانسيًا، بل وجدت مطرًا لا ينقطع، وغرفة صغيرة في الطابق الأخير من بناية قديمة تفوح منها رائحة الرطوبة، وجدرانًا رقيقة تنقل إليها صراخ الجيران وضحكاتهم. غير أنها لم تشتكِ يومًا. فقد اعتادت أن تبدأ من الصفر، وأن تجعل من الصعوبات سلالم.

كانت تستيقظ في الخامسة صباحًا، فتراجع محاضراتها قبل أن تنطلق إلى الجامعة. وبعد المحاضرات تعمل في مقهى صغير حتى العاشرة مساءً، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ حتى تغفو على الكتب. كانت زميلاتها يدعونها إلى الخروج في أمسيات الجمعة، فتعتذر بابتسامة مهذبة. ولما سألتها إحداهن ذات مرة: «ألا تتعبين؟»، أجابت: «التعب أهون من الندم».

كانت الدكتورة سلمى النحاس تراقبها بصمت. وفي الشهر الثالث استدعتها إلى مكتبها وقالت لها: «لديك ما يندر وجوده، يا ميرا: عقل يحسب بسرعة وقلب لا يخاف. لكنك تنقصك الجرأة في اتخاذ القرار».

قالت ميرا: «أخطأتُ في قراراتي كثيرًا يا دكتورة».

«ولذلك تخافين. غير أن الخطأ ليس عدو القرار، بل الجمود. سأمنحك فرصة: سأوكل إليك ملف شركة ناشئة تتعثر، وعليك أن تقترحي خطة لإنقاذها، وسأقدّمها للمستثمرين باسمك».

كانت تلك أول مرة تتلقى فيها ميرا ثقة حقيقية منذ سنوات. وعملت على الملف ليالي متواصلة، وحين عرضت خطتها أمام ثلاثة من كبار المستثمرين، ارتجفت يداها قليلًا، لكن صوتها بقي ثابتًا. وعندما انتهت، سادت لحظة صمت، ثم قال أحدهم: «من أين جاءت هذه الفتاة؟».

ابتسمت الدكتورة سلمى، وقالت بفخر: «من مكان بعيد، ومن ألم عميق».

تتابعت النجاحات. حصلت ميرا على الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف، ثم عملت في شركة استثمارية كبرى في حي المال، حيث تعلمت فن قراءة الأسواق والتفاوض مع كبار رجال الأعمال. كانوا في البداية ينظرون إليها كامرأة عربية لا تعدو أن تكون حلية في قاعة الاجتماعات، فتعلمت أن تتحدث بالأرقام وحدها، وأن تجعل ذكاءها يرد على كل شك.

في السنة الثانية، تعرفت على أحد أبرز المستثمرين، السيد جوناثان هارت، رجل خمسيني ثري صاحب صناديق استثمارية ضخمة. أُعجب بقدرتها على تحليل الصفقات الصعبة، وعرض عليها الانضمام إلى فريقه. لكنها قالت له بصراحة: «أنا لا أريد أن أكون موظفة عندك. أريد أن أؤسس شركتي».

ضحك وقال: «طموح. وماذا تملكين من رأس المال؟».

«لا شيء. لكنني أملك ما هو أثمن: خطة وسجل نجاحات. وأعرض عليك أن تكون شريكًا لي بنسبة تعادل استثمارك، وأعطيك نتائج تفوق ما تتوقع».

نظر إليها طويلًا، ثم قال: «أنتِ جريئة أو مجنونة، ولا أعرف أيهما أرى».

«الأمران يتشابهان يا سيد هارت حين يكون المرء قد خسر كل شيء».

وافق بعد أسابيع من التفاوض، وهكذا وُلدت شركة «سيرا للاستثمار»، الاسم الذي كتبته منذ سنوات في دفترها الطفولي. كانت الشركة في البداية مكتبًا صغيرًا من ثلاث غرف، وفريقًا من أربعة أشخاص فقط. غير أن ميرا عملت فيه عمل عشرة. كانت تتنقل بين المدن والمؤتمرات، وتقتنص الفرص التي يتجاهلها الآخرون، فاشترت حصصًا في شركات تقنية ناشئة ثم ما لبثت أن رأت أسعارها تتضاعف خمس مرات.

في السنة الثالثة، تجاوزت أصول الشركة حاجز المئة مليون جنيه إسترليني. وصار اسم ميرا الشافعي يتردد في تقارير الصحف المالية: «الأرملة المصرية التي تقلب الأسواق»، رغم أنها لم تكن أرملة ولم تكن مطلقة في نظر نفسها، بل كانت امرأة وُلدت من جديد.

لكنّ النجاح لم يمح الجرح. في ليالي الشتاء الطويلة، كانت تجلس وحيدة في شقتها الجديدة المطلة على نهر التايمز، وتفتح الدفتر الأخضر وتقرأ صفحاته. وكانت ترسل بين الحين والآخر رسائل إلى يوسف، فيطمئنها على خالتها نجوى، ويحدّثها عن تقدمه في البحث.

وفي أحد الأيام وصلتها رسالة مشفرة منه: «وجدت شيئًا. اتصلي بي الليلة».

اتصلت به عبر الإنترنت، فظهر وجهه على الشاشة متعبًا، لكن عينيه كانتا تلمعان. قال: «تتبعت التسجيل الصوتي الذي سمعه رعد. صديق لي يعمل في الأمن السيبراني ساعدني في تحليل نسخة منه حصلتُ عليها بطريقة ما».

«أي طريقة؟».

«لا تسألي. المهم أن التسجيل مركّب من مقاطع صوتية قديمة لك أنتِ، قُطّعت وأُعيد ترتيبها باستخدام برنامج لتقليد الأصوات. وقد وجدنا في الملف بصمة تقنية تدل على الجهاز الذي صُنع عليه».

«وهل عرفتم صاحب الجهاز؟».

«الجهاز مسجل باسم شركة تسمى (النوافذ الذكية)، وهي واجهة لمكتب لارا منصور».

أغمضت ميرا عينيها. لم تكن مفاجأة، لكنها كانت أول دليل تقني ملموس. قالت: «احتفظ بهذا الدليل كأنه روحك. ولا تخبر أحدًا».

«وماذا عن رعد؟ ألا تريدين أن أرسل إليه ما وجدته؟».

فكّرت قليلًا، ثم قالت: «لا. إن علم الآن، فسيواجه لارا غاضبًا فتتخلص من الأدلة. وإن صدّقني فسيكون الأمر أسوأ، فقد يتهور. اصبر يا يوسف. نريد الأفعى كاملة لا ذيلها فقط».

ثم سألته: «وماذا عنه؟ كيف حاله؟».

تردد يوسف، فهو لم يرد أن يجرحها. قال: «ازدادت شركته توسعًا، لكنه تغيّر. لم يعد يخرج، ولا يظهر في المناسبات العامة. وأصبح كثير الصرامة مع الموظفين. يقولون إنه لا ينام».

تظاهرت ميرا باللامبالاة، لكن قلبها خفق: «وهل لارا ما زالت معه؟».

«إنها المديرة القانونية للمجموعة، والمتحكمة في كل التفاصيل. لكنها لم تتزوجه، وهذا يغيظ كثيرين. يبدو أنه لم يعد يثق بامرأة».

«ومن يلومه؟» قالت ميرا بسخرية مريرة.

بعد المكالمة، وقفت أمام النافذة تتأمل أضواء المدينة. شعرت للمرة الأولى بالضعف. ليس لأنها تشتاق إلى رعد، بل لأنها أدركت أن جزءًا منها ما زال يتساءل: هل يتألم هو أيضًا؟ وكرهت نفسها لهذا السؤال.

دخلت إلى غرفة مكتبها، وفتحت ملفًا ضخمًا يحمل عنوان: «مشروع العودة». كانت قد بدأت العمل عليه منذ السنة الثانية. تضمن الملف تحليلًا تفصيليًا لمجموعة الراوي: أصولها، وديونها، وشركائها، ونقاط ضعفها. وكان أهم ما فيه أن المجموعة، رغم نجاحها الظاهري، كانت مثقلة بقروض قصيرة الأجل، وأن حصصًا مؤثرة فيها كانت تُباع تدريجيًا لشركات غامضة.

قالت ميرا في نفسها: «شركات غامضة... مثل (الأفق العقارية) و(نخيل الشرق)». ثم أضافت بصوت مسموع: «لقد كانوا يسرقون رعد أيضًا. ولا يدري».

ابتسمت ابتسامة باردة. فبينما كانت لارا تظن أنها تسقط ميرا، كانت في الحقيقة تنهب الرجل الذي أحبته. وسواء أكان ذلك بدافع الطمع أم الانتقام، فإن الصورة بدأت تكتمل.

وفي صباح ذلك اليوم، تلقت اتصالًا من سكرتيرتها: «الدكتورة سلمى النحاس تريد لقاءك على الغداء».

التقتا في مطعم هادئ مطل على الحديقة. كانت سلمى قد ازدادت شيبًا، لكن عينيها الحادتين لم تتغيرا. قالت بعد أن ارتشفت قهوتها: «أنتِ ترحلين، أليس كذلك؟».

حدّقت ميرا فيها: «كيف عرفتِ؟».

«أعرف طلابي. ومنذ شهور وأنتِ تنظرين إلى الشرق».

«لم أقرر بعد».

«بل قررتِ منذ زمن. ما تنتظرينه هو أن تشعري بأنك مستعدة، لكن لن تشعري أبدًا بأنك مستعدة تمامًا. ما أخشاه عليك ليس فشل الخطة، بل ما قد يتبدل فيك».

«ماذا تقصدين؟».

«الانتقام نارٌ تدفئ في البداية، ثم تحرق صاحبها. لا تجعلي هدفك أن تدمري أحدًا، بل أن تستردي حقك. الفرق بين الأمرين هو الفرق بين العدالة والحقد».

أطرقت ميرا: «وماذا لو كان الأمران لا ينفصلان؟».

«حينها تذكّري أنك لست من تركت مصر محطمة، بل من بنيتِ نفسك هنا. فلا تعودي لتدفني تلك المرأة التي صنعتِها».

ظلت كلماتها تدور في رأس ميرا طويلًا. وفي المساء، جمعت فريقها في قاعة الاجتماعات، وأعلنت قرارها: «سنفتح فرعًا للشركة في القاهرة. وسأسافر خلال شهر لأتولى الأمر بنفسي».

نظر إليها مديرها المالي، رجل هادئ يُدعى سيمون: «وهل لهذا علاقة بمشروع العودة؟».

ابتسمت: «لا أعرف عمّ تتحدث».

«بالطبع لا». ضحك ضحكة خفيفة، ثم أضاف: «سنكون معك في كل خطوة».

في الأيام الأخيرة قبل السفر، قامت ميرا بجولة وداع في لندن. مرّت بالمقهى الذي عملت فيه، وبالجامعة التي منحتها فرصة ثانية، وبالحديقة التي كانت تجلس فيها وتقرأ. ثم عادت إلى شقتها وفتحت دولاب ثيابها، فوقع نظرها على صندوق صغير في أقصى الرف. فتحته، فوجدت فيه خاتمًا بسيطًا من الفضة لم تهدِه إياه أي يد، بل اشترته لنفسها في يوم تخرجها، وكتبت على علبته: «إلى المرأة التي لم تنكسر».

ألبسته إصبعها، ورفعت رأسها أمام المرآة. رأت امرأة في الثلاثين تقريبًا، قوية الملامح، في عينيها بريق الفولاذ. لم تعد تلك الفتاة التي بكت على الكورنيش. كانت قد صارت شيئًا آخر.

وفي الصباح الأخير، حين أُعلن عن رحلتها، كتبت رسالة قصيرة إلى يوسف: «سأصل الخميس. جهّز لي كل شيء. وأخبر خالتي أنني عائدة».

أمسكت حقيبتها، وغادرت الشقة دون أن تلتفت. وفي سيارة الأجرة المتجهة إلى المطار، تذكرت قول الدكتورة سلمى: «لا تدفني المرأة التي صنعتِها». فقالت لنفسها: «سأحاول».

لكنها لم تكن تعلم أن بعض الوعود لا يستطيع المرء الوفاء بها، حين تواجهه عينان رماديتان لم تنسَهما يومًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • المرأة التي أسقطت الراوي   الفصل الخامس

    الفصل الخامس: قاعة الاجتماعاتحطّت الطائرة في مطار القاهرة في ساعة مبكرة من صباح يوم خميس خريفي، والسماء تتلون بخيوط الفجر الأولى. وقفت ميرا في صالة الوصول تنظر إلى الوجوه المزدحمة والضجيج المألوف، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة لم تتوقعها. أربع سنوات غابت فيها عن هذه الأرض، وها هي تعود إليها بعد أن تبدلت كل ملامحها إلا رائحة الهواء.كان يوسف في انتظارها. تقدّم نحوها شابًا ناضجًا، أطول مما تذكر، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل باقة من الياسمين. عانقها بقوة حتى كادت تفقد توازنها، وهمس في أذنها: «اشتقت إليك يا أختي».قالت وهي تضحك وتبكي: «وأنا أيضًا. كبرت كثيرًا».«وأنتِ لم تتغيري، لكنك أصبحتِ أجمل وأقوى».ركبا سيارة سوداء فاخرة استأجرتها الشركة، وجلست ميرا في المقعد الخلفي تتأمل الشوارع. مرّت السيارة بالكورنيش، فتوقفت أنفاسها حين لمحت الفيلا القديمة من بعيد، تلك التي شهدت ليلة الحكم. كانت الأنوار مطفأة، والبوابة مغلقة، ولا أثر لحياة.سألت: «هل ما زال يسكن هناك؟».أجاب يوسف: «لا. انتقل منذ سنتين إلى برج المجموعة. يقال إنه يقيم في الطابق الأخير. أما الفيلا فمهجورة، لا يسمح لأحد بدخولها».لم تعلّق. ظلت

  • المرأة التي أسقطت الراوي   الفصل الرابع

    الفصل الرابع: أربع سنوات في الظللم تكن لندن كما تخيلتها ميرا في أحلام شبابها. لم تجد فيها شوارع من ذهب ولا ضبابًا رومانسيًا، بل وجدت مطرًا لا ينقطع، وغرفة صغيرة في الطابق الأخير من بناية قديمة تفوح منها رائحة الرطوبة، وجدرانًا رقيقة تنقل إليها صراخ الجيران وضحكاتهم. غير أنها لم تشتكِ يومًا. فقد اعتادت أن تبدأ من الصفر، وأن تجعل من الصعوبات سلالم.كانت تستيقظ في الخامسة صباحًا، فتراجع محاضراتها قبل أن تنطلق إلى الجامعة. وبعد المحاضرات تعمل في مقهى صغير حتى العاشرة مساءً، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ حتى تغفو على الكتب. كانت زميلاتها يدعونها إلى الخروج في أمسيات الجمعة، فتعتذر بابتسامة مهذبة. ولما سألتها إحداهن ذات مرة: «ألا تتعبين؟»، أجابت: «التعب أهون من الندم».كانت الدكتورة سلمى النحاس تراقبها بصمت. وفي الشهر الثالث استدعتها إلى مكتبها وقالت لها: «لديك ما يندر وجوده، يا ميرا: عقل يحسب بسرعة وقلب لا يخاف. لكنك تنقصك الجرأة في اتخاذ القرار».قالت ميرا: «أخطأتُ في قراراتي كثيرًا يا دكتورة».«ولذلك تخافين. غير أن الخطأ ليس عدو القرار، بل الجمود. سأمنحك فرصة: سأوكل إليك ملف شركة ناشئة تتعثر

  • المرأة التي أسقطت الراوي   الفصل الثالث

    الفصل الثالث: دفتر المحاسبالتقت ميرا بالأستاذ فتحي عبد الرحيم في صباح اليوم التالي، في مقهى قديم قرب ميدان العتبة، بعيدًا عن العيون التي قد تعرفها. كان الرجل قد تجاوز السبعين، نحيل الجسد، يرتدي سترة بالية ويحمل حقيبة جلدية متهالكة يضمّها إلى صدره كمن يحمل طفلًا. جلس قبالتها وارتشف قهوته بيد مرتجفة، ثم نظر حوله مرتين قبل أن يتكلم.قال: «أعتذر يا ابنتي عن هذا الغموض كله. لكنني أخشى أن أكون مراقَبًا منذ أسبوع».تساءلت ميرا بقلق: «ومن يراقبك؟».«لا أعرف بالضبط. لكنني لاحظت سيارة سوداء تقف أمام بيتي كل مساء. ولما حاولت الاتصال بمكتب زوجك السابق، أُخبرت أنه لا حاجة إلى خدماتي بعد الآن».«أنت لم تعمل مع رعد يومًا».«بلى. بعد وفاة المرحوم والدك، طلب مني زوجك أن أراجع حسابات المصنع لأنه يريد ترتيب الديون. وقد سلّمته كل ما يلزم، ثم... اختفى كل شيء».فتح الأستاذ فتحي حقيبته، وأخرج دفترًا قديمًا ذا غلاف أخضر، مغطى بالغبار. ثم قال: «هذا هو الدفتر الأصلي. حين اكتشفت أن بياناتي تُحذف من أجهزة الشركة، احتفظت بنسخة ورقية مثلما علمني والدك رحمه الله. كان يقول لي دائمًا: الورق لا يُخترق يا فتحي».أمسكت

  • المرأة التي أسقطت الراوي   الفصل الثاني

    الفصل الثاني: ما قبل العاصفةفي الصباح التالي استيقظت ميرا في غرفة صغيرة بشقة خالتها نجوى في حيّ المعادي، وللحظة قصيرة ظنّت أن ما حدث كابوس عابر. لكن رائحة الياسمين الخافتة التي تفوح من الستائر القديمة، وصوت الحافلات المتعبة في الشارع، أعادا إليها الحقيقة كاملة. لم تعد في الفيلا، ولم تعد زوجة رعد الراوي. أصبحت امرأة مطلّقة في السادسة والعشرين من عمرها، لا تملك سوى حقيبة صغيرة وكرامة جريحة.دخلت الخالة نجوى بصينية الإفطار، وجلست على حافة السرير، وأمسكت بيد ابنة أختها دون أن تقول كلمة. كانت امرأة في الخامسة والخمسين، ذات وجه طيب وعينين خبرتا الحياة، ترملت مبكرًا وعاشت وحيدة، فتعلّمت أن أفضل المواساة ما كان صامتًا.قالت ميرا بعد دقائق: «لا تسأليني شيئًا يا خالتي، أرجوك».ردّت الخالة: «لن أسأل. لكنني سأقول لك أمرًا واحدًا: الذي يترك امرأة مثلك دون أن يسمعها، لا يستحق أن تبكي عليه أكثر من ليلة واحدة».ابتسمت ميرا ابتسامة ضعيفة وقالت: «بكيتُ ليلتين».«إذن انتهى الحزن الواجب. ابدئي الآن بالحياة».لكن الحياة لا تبدأ بكلمة. ظلت ميرا ذلك اليوم جالسة قرب النافذة، تراجع في ذاكرتها السنوات الخمس

  • المرأة التي أسقطت الراوي   الفصل الأول

    الفصل الأول: ليلة الحكملم تكن ميرا الشافعي تعلم، وهي تضع آخر طبق على مائدة العشاء، أن تلك الليلة ستكون الأخيرة التي ترتّب فيها بيتًا ظنّته بيتها. كانت قد أمضت ثلاث ساعات في المطبخ تعدّ الأصناف التي يحبها رعد: الحمام المحشو بالفريكة، والشوربة التي تعلّمت طريقتها من أمه رحمها الله، وحلوى الأرز بالحليب التي كان يلتهمها بصمت وهو يقرأ تقارير الشركة. ولأنها كانت امرأة تؤمن بأن التفاصيل الصغيرة تحمي الحب من الذبول، أشعلت الشموع وفتحت النافذة قليلًا ليتسلل نسيم أكتوبر البارد إلى قاعة الطعام الواسعة في الفيلا المطلة على النيل.نظرت إلى الساعة المعلّقة على الجدار؛ كانت العاشرة إلا ربعًا. تأخر رعد كعادته في الأسابيع الأخيرة، حتى صار التأخر عادة لا تستحق السؤال. جلست على طرف الكرسي، وسوّت طرف المنديل الأبيض، وراحت تتأمل الشمعة التي بدأت ذبالتها تميل. قالت لنفسها بصوت خافت: «سيأتي، وسنتحدث، وسأخبره أخيرًا أنني لم أعد أحتمل هذا الصمت».في تمام العاشرة وعشر دقائق سمعت صوت محرك السيارة في الممر الحجري، ثم صفقة الباب الثقيلة، ثم خطوات رعد المألوفة، تلك الخطوات الواثقة التي كانت تعرفها كما تعرف دقات

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status