LOGINالفصل الخامس: قاعة الاجتماعات
حطّت الطائرة في مطار القاهرة في ساعة مبكرة من صباح يوم خميس خريفي، والسماء تتلون بخيوط الفجر الأولى. وقفت ميرا في صالة الوصول تنظر إلى الوجوه المزدحمة والضجيج المألوف، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة لم تتوقعها. أربع سنوات غابت فيها عن هذه الأرض، وها هي تعود إليها بعد أن تبدلت كل ملامحها إلا رائحة الهواء. كان يوسف في انتظارها. تقدّم نحوها شابًا ناضجًا، أطول مما تذكر، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل باقة من الياسمين. عانقها بقوة حتى كادت تفقد توازنها، وهمس في أذنها: «اشتقت إليك يا أختي». قالت وهي تضحك وتبكي: «وأنا أيضًا. كبرت كثيرًا». «وأنتِ لم تتغيري، لكنك أصبحتِ أجمل وأقوى». ركبا سيارة سوداء فاخرة استأجرتها الشركة، وجلست ميرا في المقعد الخلفي تتأمل الشوارع. مرّت السيارة بالكورنيش، فتوقفت أنفاسها حين لمحت الفيلا القديمة من بعيد، تلك التي شهدت ليلة الحكم. كانت الأنوار مطفأة، والبوابة مغلقة، ولا أثر لحياة. سألت: «هل ما زال يسكن هناك؟». أجاب يوسف: «لا. انتقل منذ سنتين إلى برج المجموعة. يقال إنه يقيم في الطابق الأخير. أما الفيلا فمهجورة، لا يسمح لأحد بدخولها». لم تعلّق. ظلت تحدّق في السور العالي حتى ابتعدت السيارة. بعد ساعة، كانت ميرا تتناول الإفطار مع خالتها نجوى في الشقة القديمة بالمعادي. كانت الخالة قد ازدادت ضعفًا، لكن ابتسامتها بقيت نقية. احتضنت ابنة أختها وبكت طويلًا، ثم قالت: «أخيرًا، رجعت إليّ روحي». «سأبقى هنا يا خالتي، ولن أتركك ثانية». «وماذا تنوين أن تفعلي؟». «سأبدأ من حيث انتهيت، لكن بقوة مختلفة». بعد الإفطار، دعت ميرا يوسف إلى الغرفة، وأغلقت الباب. أخرج حاسوبه المحمول، وعرض عليها الملفات التي جمعها طوال أربع سنوات: صور وعقود وتسجيلات ووثائق. قال: «تعقبت (الأفق العقارية) و(نخيل الشرق) حتى وصلت إلى شركة قابضة في قبرص تسمى (أوركيد هولدنغ). والمساهم الرئيس فيها شخص يُدعى سامر فاروق». رفعت ميرا حاجبيها: «من هو؟». «رجل أعمال مغمور، لكن بعد بحث وجدت أنه خال لارا منصور. وهناك رسائل مصرفية تثبت أنه حوّل مبالغ كبيرة إلى حساب خاص بها في أحد البنوك بسويسرا». «إذن لارا ليست وحدها». «بل هي واجهة. وخلفها شبكة لم أكشف رأسها بعد». أمسكت ميرا بالملف وقلّبته بسرعة. كانت ترى في كل صفحة قطعة جديدة من الأحجية. ثم قالت: «أحتاج أن أصل إلى رعد. ليس لأواجهه الآن، بل لأرى ما بقي من إمبراطوريته. شركته تعاني ديونًا كثيرة وتباع حصصها بالتدريج. وأنا أستطيع أن أقدم لهم عرضًا لا يرفضونه». نظر إليها يوسف مذهولًا: «تريدين شراء حصة في شركة طليقك؟». «أريد شراء حصة تُجلسني على طاولته». لم تمضِ أيام حتى قدّمت شركة «سيرا» عرضًا رسميًا للاستحواذ على خمسة عشر بالمئة من أسهم مجموعة الراوي، عبر وسيط تجاري محايد. ولم يُذكر اسم ميرا في الطلب، فقط اسم الشركة. وتوالت الاجتماعات التحضيرية، وكانت لارا منصور من أبرز من تولوا دراسة العرض. في تلك الفترة، كانت ميرا تستعد بصمت. اشترت ثيابًا جديدة، ودرست كل ما كتب عن رعد في السنوات الأخيرة. وحين رأت صوره في الصحف، وجدت أن ملامحه قد قست، وأن بين حاجبيه خطًا جديدًا لم يكن موجودًا. قال أحد المقالات: «رعد الراوي: العملاق الذي لا يبتسم». ثم جاء اليوم المنتظر. كان الاجتماع في الطابق الثاني والأربعين من برج الراوي، في قاعة زجاجية واسعة تطل على قلب القاهرة. وصلت ميرا قبل الموعد بعشر دقائق، وترجلت من السيارة بخطوات هادئة. كانت ترتدي بدلة رمادية داكنة بتصميم رفيع، وحذاء أسود عالي الكعب، وشعرها مرفوع بعناية، لا يزين رقبتها إلا سلسلة صغيرة من اللؤلؤ. كانت تلك الصورة التي تعمدت أن تظهر بها: مزيج من القوة والأناقة، لا تترك مجالًا للشفقة. استقبلتها سكرتيرة شابة وأرشدتها إلى القاعة. وقبل أن تدخل، توقفت لحظة أمام الباب الزجاجي، ونظرت إلى انعكاس صورتها. همست لنفسها: «تنفّسي. إنه مجرد رجل». لكن يديها كانتا باردتين. فتحت السكرتيرة الباب، فتقدمت ميرا بخطوات ثابتة. كانت القاعة تضم طاولة طويلة من الزجاج الأسود، يجلس إلى جانبيها نحو عشرة رجال ونساء، وعلى رأس الطاولة، في الكرسي الأكبر، جلس رجل منكب على أوراق أمامه. كان يرتدي بدلة سوداء، وقد أرخى ربطة عنقه قليلًا، وشعره الأسود مشعث قليلًا كعادته حين ينشغل. لم يرفع رأسه حين دخلت. بقي مشغولًا بقراءة تقرير ما، يمسك قلمًا بين أصابعه. قالت لارا منصور، الجالسة عن يمينه، بصوت رسمي: «السيدة ميرا الشافعي، ممثلة شركة (سيرا للاستثمار)، حضرت لعرض مقترح الاستحواذ». عند سماعه الاسم، تجمدت يد رعد على الورقة. مرّت ثانية، ثم ثانيتان. وببطء مضنٍ، رفع رأسه. التقت العينان الرماديتان بعينيها العسليتين. كان ذلك أطول صمت عرفته القاعة. بدا لميرا أن الزمن ذاته قد توقف، وأن كل ما حولها قد تلاشى. رأت في وجهه ما لم تتوقعه: دهشة، ثم صدمة، ثم شيئًا يشبه الألم الخام. تغيّر لون وجهه، وسقط القلم من يده فارتطم بالطاولة ارتطامًا مدويًا. همس بصوت متحشرج بالكاد سمعه أحد: «ميرا». كان هذا الاسم أول ما نطق به منذ أربع سنوات، ولم يكن يعلم أن العالم كله سيسمعه. تقدمت ميرا نحو الطاولة، ومدّت يدها إلى الكرسي الفارغ المقابل له، وجلست بكل هدوء. ثم قالت بصوت واضح رصين، دون أن ترتجف نبرة واحدة: «صباح الخير يا سيد رعد. أعتذر عن التأخير إن كان ثمة تأخير. أظنني وصلت في الموعد تمامًا». لم ينطق أحد. كان الحاضرون ينظرون إلى رئيسهم ثم إليها في حيرة. أما لارا منصور، فقد شحب وجهها حتى صار كالجص، وارتعشت أصابعها على الحافة المعدنية للطاولة. لكنها استعادت رباطة جأشها بسرعة، ورسمت ابتسامة مصطنعة: «يا لها من مفاجأة! لم نكن نعلم أن ممثلة (سيرا) هي... السيدة ميرا». التفتت إليها ميرا ببطء، ونظرت في عينيها الخضراوين الباردتين: «ولا أنا كنت أعلم أنك ستظلين هنا يا لارا. ظننتُ أن امرأة بذكائك قد وجدت لنفسها مكانًا أفضل». لم تجب لارا. لكن عينيها اتقدتا بوميض خاطف من الحقد. تنحنح أحد الأعضاء، رجل أصلع يدعى الأستاذ مختار، وقال محاولًا إنقاذ الموقف: «حسنًا، لنبدأ إذن بعرض الشركة». وقفت ميرا وتوجهت إلى الشاشة. وضعت وحدة التخزين الصغيرة في الجهاز، فظهرت أمام الجميع شرائح أنيقة تحمل شعار «سيرا». تحدثت بصوت ثابت وكلمات مختارة بدقة، عن رؤية الشركة وخبرتها وأرباحها، ثم انتقلت إلى تحليل مفصل لوضع مجموعة الراوي: ديونها، وتدفقاتها النقدية، وعثراتها الأخيرة. كان الحاضرون يصغون بانتباه متزايد، حتى لاحظت بطرف عينها أن بعضهم يتبادل نظرات قلقة. فقد كشفت أرقامًا لم يكن معظمهم يعلم بها، وتحدثت عن أسهم تُباع في الخفاء عبر قنوات ملتوية. قالت وهي تنقر على الشريحة الأخيرة: «السادة الكرام، إن مجموعتكم ليست في خطر من السوق فحسب، بل من الداخل. وهذا ما يسوّغ عرضنا. نحن لا نطلب أن نسيطر عليكم، بل أن نشارك في إنقاذكم». قال رجل من الجالسين: «وما المقابل الذي تطلبونه؟». «خمسة عشر بالمئة من الأسهم، وعضوية في مجلس الإدارة، وحق الاطلاع على السجلات المالية الكاملة». فجأة ضرب رعد الطاولة بيده ضربة خفيفة لكنها حاسمة. قال بصوت أجشّ: «السجلات الكاملة؟». نظرت إليه ميرا مباشرة: «نعم. لأنني لا أستثمر في ما لا أعرف». «وما الذي تريدين معرفته بالضبط؟». «كل شيء. من أين جاءت الأموال، وإلى أين ذهبت، ومن وقّع، ومن استفاد». ساد صمت كثيف. كانت لارا تتصبب عرقًا بارزًا على جبينها، لكن ابتسامتها لم تسقط. قالت: «إنه طلب غير معتاد يا سيدة ميرا. فالسجلات الداخلية سرية». ردّت ميرا بهدوء قاتل: «السرية يا لارا لا تخيف إلا من له ما يخفيه». عاد الصمت يثقل القاعة. أخيرًا نهض رعد من مقعده ببطء. كان وجهه شاحبًا لكن عينيه تتقدان. قال للحاضرين بصوت متماسك: «ننهي الاجتماع الآن. سأدرس العرض بنفسي وأبلغكم بقراري». انسحب الجميع تباعًا وهم يتهامسون، وبقيت ميرا في مكانها، تجمع أوراقها بهدوء. وحين فرغت القاعة إلا منهما، أغلق رعد الباب بنفسه، ثم التفت نحوها. كانت المسافة بينهما عشر خطوات، لكنها بدت كأنها أربع سنوات. قال بصوت منخفض: «لماذا؟». رفعت عينيها نحوه: «لماذا ماذا؟». «لماذا عدتِ؟». ابتسمت ابتسامة عابرة: «ألم تتوقع أن أعود؟». «كنت أتمنى ألا تفعلي». «وأنا كنت أتمنى ألا تطلقني دون أن تسمعني. لكن الأماني لا تغير شيئًا». اقترب منها خطوة، ثم أخرى، حتى صار على مسافة قريبة بحيث رأت الخطوط الدقيقة التي رسمتها السنوات حول عينيه. قال بصوت مبحوح: «لم أنسَ ليلة واحدة. ولم أنسَ كلمة مما قلتِه لي. لقد ظللت أسأل نفسي كل يوم: هل كنت مخطئًا؟». شعرت ميرا بقلبها ينقبض، لكنها تمسكت بجمودها. قالت: «وهل وصلت إلى جواب؟». سكت. ثم قال: «لا أعرف. لكنني أريد أن أعرف». «ستعرف. لكنك ستعرف بطريقتي، وبتوقيتي». أمسكت حقيبتها وتقدمت نحو الباب. وحين مرّت بجواره، توقفت لحظة دون أن تنظر إليه، وقالت بهمس لا يسمعه سواه: «أنت لم تعد زوجي يا رعد، ولن تكون مرة أخرى. أنت الآن مجرد رجل يملك شركة أريد أن أفهم ما بداخلها». خرجت من القاعة، وأغلقت الباب خلفها بنعومة. وفي المصعد الزجاجي المنحدر نحو الأرض، استندت إلى الحائط وأغمضت عينيها، وانسابت دمعة وحيدة على خدها قبل أن تمسحها بسرعة. أما في القاعة، فكان رعد ما يزال واقفًا في مكانه، يحدّق في المقعد الذي جلست عليه. التقط من على الطاولة ورقة صغيرة نسيتها ميرا: بطاقة تعريف أنيقة كُتب عليها اسمها بالخط الذهبي. قلبها بين أصابعه، ثم همس لنفسه: «كيف لم أرَ قوتها حين كانت أمامي؟». وفي الممر الخلفي، كانت لارا منصور تتحدث في الهاتف بصوت خافت متوتر: «لقد عادت. وهي تعلم أكثر مما ظننا. علينا أن نتحرك قبل أن تصل إلى السجلات. لا تتأخروا». جاءها من الطرف الآخر صوت رجل بارد: «لا تقلقي. لقد استعددنا لهذا اليوم منذ أربع سنوات». أغلقت لارا الهاتف، ونظرت من النافذة الزجاجية إلى المدينة الممتدة تحتها. كانت تبتسم، لكن ابتسامتها هذه المرة لم تخلُ من خوف. فالحرب قد بدأت، ولم يعد في وسع أحد أن يتراجع.الفصل الخامس: قاعة الاجتماعاتحطّت الطائرة في مطار القاهرة في ساعة مبكرة من صباح يوم خميس خريفي، والسماء تتلون بخيوط الفجر الأولى. وقفت ميرا في صالة الوصول تنظر إلى الوجوه المزدحمة والضجيج المألوف، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة لم تتوقعها. أربع سنوات غابت فيها عن هذه الأرض، وها هي تعود إليها بعد أن تبدلت كل ملامحها إلا رائحة الهواء.كان يوسف في انتظارها. تقدّم نحوها شابًا ناضجًا، أطول مما تذكر، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل باقة من الياسمين. عانقها بقوة حتى كادت تفقد توازنها، وهمس في أذنها: «اشتقت إليك يا أختي».قالت وهي تضحك وتبكي: «وأنا أيضًا. كبرت كثيرًا».«وأنتِ لم تتغيري، لكنك أصبحتِ أجمل وأقوى».ركبا سيارة سوداء فاخرة استأجرتها الشركة، وجلست ميرا في المقعد الخلفي تتأمل الشوارع. مرّت السيارة بالكورنيش، فتوقفت أنفاسها حين لمحت الفيلا القديمة من بعيد، تلك التي شهدت ليلة الحكم. كانت الأنوار مطفأة، والبوابة مغلقة، ولا أثر لحياة.سألت: «هل ما زال يسكن هناك؟».أجاب يوسف: «لا. انتقل منذ سنتين إلى برج المجموعة. يقال إنه يقيم في الطابق الأخير. أما الفيلا فمهجورة، لا يسمح لأحد بدخولها».لم تعلّق. ظلت
الفصل الرابع: أربع سنوات في الظللم تكن لندن كما تخيلتها ميرا في أحلام شبابها. لم تجد فيها شوارع من ذهب ولا ضبابًا رومانسيًا، بل وجدت مطرًا لا ينقطع، وغرفة صغيرة في الطابق الأخير من بناية قديمة تفوح منها رائحة الرطوبة، وجدرانًا رقيقة تنقل إليها صراخ الجيران وضحكاتهم. غير أنها لم تشتكِ يومًا. فقد اعتادت أن تبدأ من الصفر، وأن تجعل من الصعوبات سلالم.كانت تستيقظ في الخامسة صباحًا، فتراجع محاضراتها قبل أن تنطلق إلى الجامعة. وبعد المحاضرات تعمل في مقهى صغير حتى العاشرة مساءً، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ حتى تغفو على الكتب. كانت زميلاتها يدعونها إلى الخروج في أمسيات الجمعة، فتعتذر بابتسامة مهذبة. ولما سألتها إحداهن ذات مرة: «ألا تتعبين؟»، أجابت: «التعب أهون من الندم».كانت الدكتورة سلمى النحاس تراقبها بصمت. وفي الشهر الثالث استدعتها إلى مكتبها وقالت لها: «لديك ما يندر وجوده، يا ميرا: عقل يحسب بسرعة وقلب لا يخاف. لكنك تنقصك الجرأة في اتخاذ القرار».قالت ميرا: «أخطأتُ في قراراتي كثيرًا يا دكتورة».«ولذلك تخافين. غير أن الخطأ ليس عدو القرار، بل الجمود. سأمنحك فرصة: سأوكل إليك ملف شركة ناشئة تتعثر
الفصل الثالث: دفتر المحاسبالتقت ميرا بالأستاذ فتحي عبد الرحيم في صباح اليوم التالي، في مقهى قديم قرب ميدان العتبة، بعيدًا عن العيون التي قد تعرفها. كان الرجل قد تجاوز السبعين، نحيل الجسد، يرتدي سترة بالية ويحمل حقيبة جلدية متهالكة يضمّها إلى صدره كمن يحمل طفلًا. جلس قبالتها وارتشف قهوته بيد مرتجفة، ثم نظر حوله مرتين قبل أن يتكلم.قال: «أعتذر يا ابنتي عن هذا الغموض كله. لكنني أخشى أن أكون مراقَبًا منذ أسبوع».تساءلت ميرا بقلق: «ومن يراقبك؟».«لا أعرف بالضبط. لكنني لاحظت سيارة سوداء تقف أمام بيتي كل مساء. ولما حاولت الاتصال بمكتب زوجك السابق، أُخبرت أنه لا حاجة إلى خدماتي بعد الآن».«أنت لم تعمل مع رعد يومًا».«بلى. بعد وفاة المرحوم والدك، طلب مني زوجك أن أراجع حسابات المصنع لأنه يريد ترتيب الديون. وقد سلّمته كل ما يلزم، ثم... اختفى كل شيء».فتح الأستاذ فتحي حقيبته، وأخرج دفترًا قديمًا ذا غلاف أخضر، مغطى بالغبار. ثم قال: «هذا هو الدفتر الأصلي. حين اكتشفت أن بياناتي تُحذف من أجهزة الشركة، احتفظت بنسخة ورقية مثلما علمني والدك رحمه الله. كان يقول لي دائمًا: الورق لا يُخترق يا فتحي».أمسكت
الفصل الثاني: ما قبل العاصفةفي الصباح التالي استيقظت ميرا في غرفة صغيرة بشقة خالتها نجوى في حيّ المعادي، وللحظة قصيرة ظنّت أن ما حدث كابوس عابر. لكن رائحة الياسمين الخافتة التي تفوح من الستائر القديمة، وصوت الحافلات المتعبة في الشارع، أعادا إليها الحقيقة كاملة. لم تعد في الفيلا، ولم تعد زوجة رعد الراوي. أصبحت امرأة مطلّقة في السادسة والعشرين من عمرها، لا تملك سوى حقيبة صغيرة وكرامة جريحة.دخلت الخالة نجوى بصينية الإفطار، وجلست على حافة السرير، وأمسكت بيد ابنة أختها دون أن تقول كلمة. كانت امرأة في الخامسة والخمسين، ذات وجه طيب وعينين خبرتا الحياة، ترملت مبكرًا وعاشت وحيدة، فتعلّمت أن أفضل المواساة ما كان صامتًا.قالت ميرا بعد دقائق: «لا تسأليني شيئًا يا خالتي، أرجوك».ردّت الخالة: «لن أسأل. لكنني سأقول لك أمرًا واحدًا: الذي يترك امرأة مثلك دون أن يسمعها، لا يستحق أن تبكي عليه أكثر من ليلة واحدة».ابتسمت ميرا ابتسامة ضعيفة وقالت: «بكيتُ ليلتين».«إذن انتهى الحزن الواجب. ابدئي الآن بالحياة».لكن الحياة لا تبدأ بكلمة. ظلت ميرا ذلك اليوم جالسة قرب النافذة، تراجع في ذاكرتها السنوات الخمس
الفصل الأول: ليلة الحكملم تكن ميرا الشافعي تعلم، وهي تضع آخر طبق على مائدة العشاء، أن تلك الليلة ستكون الأخيرة التي ترتّب فيها بيتًا ظنّته بيتها. كانت قد أمضت ثلاث ساعات في المطبخ تعدّ الأصناف التي يحبها رعد: الحمام المحشو بالفريكة، والشوربة التي تعلّمت طريقتها من أمه رحمها الله، وحلوى الأرز بالحليب التي كان يلتهمها بصمت وهو يقرأ تقارير الشركة. ولأنها كانت امرأة تؤمن بأن التفاصيل الصغيرة تحمي الحب من الذبول، أشعلت الشموع وفتحت النافذة قليلًا ليتسلل نسيم أكتوبر البارد إلى قاعة الطعام الواسعة في الفيلا المطلة على النيل.نظرت إلى الساعة المعلّقة على الجدار؛ كانت العاشرة إلا ربعًا. تأخر رعد كعادته في الأسابيع الأخيرة، حتى صار التأخر عادة لا تستحق السؤال. جلست على طرف الكرسي، وسوّت طرف المنديل الأبيض، وراحت تتأمل الشمعة التي بدأت ذبالتها تميل. قالت لنفسها بصوت خافت: «سيأتي، وسنتحدث، وسأخبره أخيرًا أنني لم أعد أحتمل هذا الصمت».في تمام العاشرة وعشر دقائق سمعت صوت محرك السيارة في الممر الحجري، ثم صفقة الباب الثقيلة، ثم خطوات رعد المألوفة، تلك الخطوات الواثقة التي كانت تعرفها كما تعرف دقات







