كنتُ أتأمل الخريطة مرارًا وأدركت كم أن البحر ضخم بالنسبة لنا؛ المحيطات الآن تغطي حوالي 71% من سطح الكرة الأرضية.
إذا أحببت الأرقام فهي كالتالي: مساحة سطح المحيطات حوالي 361 مليون كيلومتر مربع، بينما تبلغ مساحة اليابسة نحو 149 مليون كيلومتر مربع أي نحو 29%. من حيث المياه، تحتوي المحيطات على حوالي 97% من الماء الموجود على كوكبنا، وهذا يشمل كل محيطات العالم وخنادقها وسواحلها.
وليس هذا كل شيء: حجم مياه المحيطات يقارب 1.332 مليار كيلومتر مكعب، ومتوسط عمقها نحو 3,688 متر، وأعمق نقطة معروفة هي الحوض التشالنجر في خندق ماريانا التي تصل إلى نحو 11,034 متر. كل هذه الأرقام تجعلني أشعر بأن الأرض التي نعيش عليها لها قلب مائي حقيقي، والبحار ليست فقط خلفية للرحلات بل نظام ضخم يحكم المناخ والحياة على الكوكب.
أستمتع بتخيل أصول البحار كما لو كانت قصة قديمة تُروى على ضوء قنديل.
أبدأ بأن أحكي أن البحر لم ينشأ بين ليلة وضحاها، بل جاء من خليط من دموع السحب ونفث النجوم؛ المؤلف ينسج سرداً يقول إن الماء نفسه حمل ذاكرة الأمم الأولى. في الفقرة الأولى يتعامل مع عناصر ملموسة: شظايا الصخور البركانية، ولحظات اصطدام النيازك التي جلبت الجليد، واحتباس البخار فوق صدوع الأرض التي تبردت لتصبح أحواضاً لا نهائية.
ثم ينتقل الكاتب إلى الجانب الأسطوري: إلهة المدّ التي ذرفت الملح عندما فُرقت السماء عن الأرض، وعملاق بحرٍ دفن عظامه فتشكلت الجزر coralية كالعظام المصقولة. أنا أحب كيف يخلط المؤلف بين علم الأرض وأساطير الشعوب، فيجعلك تشعر أن كل موجة تحمل أصلين في آن واحد—نشأة فيزيائية وذكرى روحانية. أختم بأن أصل 'عالم البحار' يبدو لدي كخليط من وقائع مرسومة بتلوين الأساطير، ومشهد كهذا يظل عالقاً في ذهني كأغنية تهمس بها الأمواج.
ظاهرة الأعماق البحرية لها جاذبية مختلفة تجرني إليها كل مرة أفكر فيها؛ أشعر أن الإجابات لا تأتي إلا عندما أنزل إلى السطح الحقيقي الذي هو الماء.
أبدأ عادة من السفن البحثية الكبيرة: هناك ستجد فرقًا متعددة التخصصات—علماء أحياء بحرية، جيولوجيون، مهندسو روبوتات—يتعاونون مع غواصين ومشغّلي الغواصات. السفن مزوّدة برادارات صوتية متعددة الحزم (multibeam) لعمل خرائط القاع، وروبوتات تحت مائية تُعرف بـROV وAUV لاستكشاف أعماق لا يمكن للبشر الوصول إليها بسهولة.
في أماكن أخرى، أجد أن الغواصين الفنيين يستخدمون غطس الغوص العميق ومعدات التثبيت التنفسي لإجراء دراسات متخصصة، بينما تقوم محطات مغمورة مثل 'Aquarius' بتوفير بيئة بحثية طويلة الأمد. كما أتابع برامج مستقلة مثل تلك التي تنتجها مؤسسات مثل Schmidt Ocean Institute أو OceanX، فهي تجلب نتائج مباشرة إلى شاشاتنا. وثائقيات مثل 'Blue Planet' تمنح شعورًا بالمشهد العام لكنها لا تحل محل تجربة الصعود على متن سفينة والوقوف بجانب حوض الأجهزة، حيث تسمع صوت المِحرَك وتشم رائحة البحر وتلمس معدات السحب—تجربة لا تُنسى وتُعلِّمك أكثر مما تبدو عليه الصور، وفيها دائمًا حكاية جديدة تنتظر الاكتشاف.
في إحدى رحلاتي البحرية، لمحت خيط أزرق رفيع يلتف حول زعنفة سلحفاة بحرية، وكان المشهد يلازمني طوال اليوم.
أستطيع القول بكل وضوح: نعم، البحار تحتوي على أنواع بحرية مهددة بالانقراض، وبعضها يتراجع بسرعةٍ مخيفة. لا أتكلم عن أسطورة بعيدة، بل عن واقع تلمسه عندما تغوص أو تقرأ تقارير المنظمات البيئية؛ السلاحف البحرية تعاني من الشبكات البلاستيكية، والأنواع الصغيرة من خنازير البحر مثل الـ'فواكيتا' تكاد تختفي بسبب الصيد غير المشروع، والكثير من أسماك القرش والسلاحف الكبيرة والحيتان على قوائم الاحتمال. ترى الشعاب المرجانية تتلاشى من حرارة الماء وتحمض المحيط، ما يفقد آلاف الكائنات موطنها.
ما يدهشني هو التباين بين الإجراءات البطيئة والتهور البشري السريع: قوانين تحمي هنا وهناك، لكن الصيد العشوائي وتلوث البلاستيك والتغير المناخي يواصلون القتل البطيء. أحزن من رؤية هذا، لكني أيضاً أرى أملاً في حملات التوعية والمناطق البحرية المحمية التي رأيتها تُنشأ؛ أعتقد أننا نستطيع إيقاف الانحدار إذا تحرّكنا الآن بشجاعة وصبر.
أحب أن أبدأ بقصة صغيرة عن رائحة الورق والملح؛ كلما فتحت نسخة قديمة من رواية بحرية أحس وكأنني على متن سفينة. في تجربتي مع ترجمات كتب عالم البحار، أرى أن الدور الكبيرة العالمية تمنح أعمال مثل 'Moby-Dick' و'The Old Man and the Sea' و'Twenty Thousand Leagues Under the Sea' طابعاً كلاسيكياً مترجماً بدقة، فطبعات Penguin Classics وOxford World's Classics وNorton غالباً ما تضم مقدّمات ومخارج نقدية مترجمة أو مشروحة بشكل جيد، بينما دور مثل Viking وHarperCollins تصدر نسخاً معاصرة لروائع السير والسرد البحري مثل 'In the Heart of the Sea'.
من ناحية عربية، كثير من الترجمات الجيدة تصدر عبر تعاون بين هذه الدور العالمية ومؤسسات ترجمة محلية أو عبر دور عربية قوية تتولى نقل النص باحترام للأصالة مع حِرص على الأسلوب العربي. عندما أبحث عن نسخة مترجمة أنصح دائماً بالاطلاع على اسم المترجم والمقدمة والتحقق من ما إذا أُعيدت الطبعة أو حُسّن النص في طبعات لاحقة. هكذا تضمن قراءة بحرية متوازنة بين الدقة الأدبية والمعرفة العلمية.
المدهش أن البحر يحتفظ بآثار الماضي بصمت، لكنه لا يختبئ كنوزًا كما تصورنا في القصص دائمًا.
أحيانًا ما أتصور مشهد غوص ينتهي بصندوق ذهبي لامع، لكن الواقع أجمل وأكثر تعقيدًا: هناك سفن غارقة محمّلة ببضائع، مدن اندثرت بسبب ارتفاع مستوى البحر أو زلازل، وآثار تشبه لغزًا تنتظر من يفك رموزها. أنا متحمس جدًا لقصص مثل اكتشاف 'آنتيكيثيرا' والآلات الميكانيكية المصغرة التي كشفت عن قدرات متقدمة، أو حطام سفينة 'ألتوباشا' التي جلبت رؤى عن التجارة القديمة. كثير من الأشياء المصنوعة من المعادن تآكلت، لكن الخشب المحنط في بيئات خالية من الأكسجين أو الأواني الفخارية المنثورة قد بقيت كدلائل ثمينة.
وبالنسبة لي، جمال هذا المجال أن الكنز الحقيقي هو المعلومات: كل قطعة تروي قصة عن الناس والتجارة والتقنيات. التكنولوجيا الحديثة — سونار، رادارات، الغواصات الآلية — تفتح أبوابًا جديدة لاكتشاف تلك الشواهد، لكن هذا الاكتشاف يحتاج حكمة للحفاظ عليها من النهب والبيع التجاري. أشعر بأن البحر مثل مكتبة نصف مغمورة؛ كل صفحة تستعصي على السطو وتتطلب قراءة مهذبة وصبورة.
لا أنسى اللحظة التي رأيت فيها غلاف 'ملحمة البحور السبعة' لأول مرة؛ كان العنوان مغريًا بما يكفي لأبدأ البحث فورًا عن عدد المجلدات. أستطيع أن أؤكد أنك أمام سلسلة مكوّنة من سبعة مجلدات رئيسية، أي سبع روايات تُشكّل القوس السردي الكبير للملحمة. هذا الترتيب يمنح الكاتب مساحة واسعة لبناء العالم، وتطويل الحبكات والشخصيات بطريقة تجعل كل مجلد له وزن خاص في التطور العام.
على المستوى الشخصي، أحب الطريقة التي تُقسَّم بها الأحداث عبر المجلدات السبعة: كل كتاب يكشف طبقة جديدة من التاريخ والأساطير، ويتركك متعطشًا للمجلد التالي. كما أن هناك مواد إضافية في بعض الطبعات مثل قصص قصيرة أو ملاحق توضيحية، لكنها لا تُغير حقيقة أن السلسلة الأساسية تتكوّن من سبعة مجلدات. بالنهاية، إن كنت تخطط للغوص فيها فاستعد لرحلة طويلة ومشبعة بالتفاصيل تستحق كل صفحة قرأتها.