غالبًا ما أشعر أن غياب الشخصية المحورية أثّر على 'البلدة البعيدة' كما لو أن الريح أزالت قطعة من السقف؛ فجأة كل الأصوات تغيرت وطبيعة اليوم أصبحت غير مكتملة.
أذكر كيف كانت الأسواق تبث طاقة مختلفة حين كان يمرّ؛ التجار يصرخون بأسماء سلعهم بثقة، والأطفال يلاحقونه لعبًا. بعد رحيله، لاحظت أن الناس ترددوا أكثر قبل أن يتكلموا—كأنهم ينتظرون إشارة من شخصية كانت تضبط إيقاع الحياة. بعض الاحتفالات التقليدية فقدت جزءًا من معناها لأن وجوده كان يمنحها طابعًا من الطمأنينة. أما الوظائف غير الرسمية التي كانت تُدار بعفوية، فبدا لها فراغ إداري أدى إلى بطء في تنفيذ أمور بسيطة.
ومع ذلك، لم يكن كله انهيار؛ الفضاء الذي تركه كان أيضًا مكانًا لنمو بذور جديدة. شباب بدأوا بتنظيم أمور الحي، وبعض النساء استغلن الفرصة لقيادة مشاريع صغيرة. ما رأيته هو انتقال الدور من فرد إلى شبكة، مؤلم لكنه فتح نافذة لتغيير لم أكن أتوقعه، وهذا يبقيني متفائلًا بطريقة هادئة.
أمسك بي فضولي مؤخرًا وأنا أقرأ رواية 'غبار الصيف' للكاتب يوسف المحيميد — تدور أحداثها في بلدة نجدية صغيرة، وتكشف خيوطًا مدهشة عن ماضٍ كان مطمورًا تحت طبقات الصمت. ما أعجبني هو كيف تنساب الحكاية من خلال أوراق عائلية قديمة وذكريات متشظية، فتبني جسرًا بين الحاضر المليء بالأسئلة وماضٍ مليء بالندوب.
في البداية اعتقدت أنها مجرد قصة عن قرية عادية، لكن مع تقليب الصفحات، بدأت الألغاز تتصاعد: من هو الرجل الغامض الذي ظهر فجأة؟ ولماذا يحرص البعض على إخفاء وثائق تعود لخمسين سنة مضت؟
أتذكر أني جلست ليلة كاملة حتى الصباح، لأن كل فصل كان يفتح بابًا جديدًا من الدهشة. النهاية جعلتني أفكر في أسرار عائلتي أنا أيضًا، هل كل هذه المكاتم التي نمر بها يوميًا تخفي قصصًا كهذه؟